الصفحة الرئيسية » فكرإسلامي
العمل الصالح المدعوم بالإيمان

2016/02/28 | الکاتب : محمد علي التسخيري


 العمل الصالح، والسيئات:

إنّ القيام بالعمل الصالح الإيجابي نفسه يشكل أحد أبواب سعة الأمل عند المسلم بعطاء الله تعالى. فبالإضافة للأبواب المفتحة السابقة اعتبر الإسلام القيام بالحسنة طريقاً من طرق الرجوع إلى الله، ليؤكد عفو الله وغفرانه، ويعمل على محو السيئات من سجل أعماله الماضية، فينجيه من تبعاتها وعواقبها، وأقل ذلك ما كانت سوف تؤدي إليه من موقف مخز. يوم تجتمع الخلائق في ظل حساب الله و(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة/ 18).

فإذا تم محو السيئات والسوابق السوداء، انطلق الإنسان المسلم بصحيفة ناصعة البياض، غير قلق ولا متوان، وبكلّ أمل، ليحيا حياة العمل الصالح في سبيله وسبيل مجتمعه والإنسانية جمعاء. والآيات التي تتعرض لهذا الجانب على نوعين:

النوع الأوّل:

ما يظهر منه أنّ الاتيان بالحسنة والعمل الصالح لا يقتصر تأثيره على محو السيئات الماضية، بل يقوم – بإذن الله – بتبديل السيئات الماضية إلى حسنات! وهذا مما يشعر الإنسان المسلم برحمة الله الواسعة التي قابلت كلّ هذه الإساءة – ومنها الشرك بالله، وهو أعظم السيئات – بها الفضل العميم، فحولتها إلى حسنات ينال عليها الأجر، كما لو كان فعلها من قبل اقعاً! يقول القرآن الكريم في معرض صفات المؤمنين:

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان/ 68-71).

النوع الثاني:

ما يبدو منه الاتيان بالحسنة يعمل على محو السيئة فقط، أما التبديل فلا تتعرض له.

ومنها: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود/ 114).

ومنها في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) (الرّعد/ 22).

فقد نقل صاحب (جمع البيان) عن ابن عباس أنّه قال: إنّها تعني.. "يدفعون بالعمل الصالح السيئ من العمل".

كما روي عن النبيّ (ص) قوله لمعاذ: "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها".

كما أنّ هناك قولاً بأنّهم يدفعون إساءة مَن أساء إليهم بالإحسان. وقولاً بأنّهم يدفعون بالتوبة معرة الذنب.

فإذا عرفنا وجود هذين النوعين. من الآيات فكيف التوفيق بينها؟ ذكروا للإجابة وجوها:

الأوّل:

أن يقال: بأنّ الآيات كلّها تشير إلى حقيقة واحدة، هي أنّ العمل الصالح والحسنات تربي النفس الإنسانية على الفضيلة والاستقامة، مما لا يدع مجالاً للسيئات في حياة الإنسان ويتوضح ذلك خصوصاً إذا لاحظنا أنّ آية: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود/ 114)، واردة في سياق أمر النبيّ (ص).

كما إنّ ورود عبارة (يدرؤون) تشير إلى أنّهم يدفعون السيئات قبل ورودها، فالدرء والتدري: هو الدفع، كما عن (شرح غريب القرآن، ص169) وكما تعني في الاستعمالات التالية: "ويدرأ عنها العذاب" "ادرؤوا الحدود بالشبهات" "ادرؤوا عن أنفسكم الموت" وغير ذلك.

ومن الممكن: المناقشة في هذا التوجيه بأن يقال: أنّ الظاهر هو كون الآيات تشير إلى السيئات السابقة: وإن كنا لا نمانع في أن تكون شاملة لما سيتكون من حالة نفسية، ففي آية (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ...) (الفرقان/ 70)، جاء تعبير التبديل ونسب هذا التعبير إلى الله، مما يبدو منه أنّه من مختصاته تعالى، وهذا ينطبق أوّل ما ينطبق على الذنوب المسجلة التي يكون رفعها بيده تعالى، خصوصاً والسياق سياق توبة وإنابة عن الشرك وباقي المعاصي.

أما الدرء بمعنى الدفع، فالظاهر أنّه يشمل دفع المعاصي الثابتة – إذا تخلصنا من مصطلح الدفع الفلسفي المتأخر –. ويعتبر الحديث الشريف المذكور، وفهم ابن عباس لذلك: مؤيداً لهذا الظهور.

أما تعبير (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فلا مانع منه هنا، لأنّه تعبير عن لطف إلهي وقاعدة عامة، خصوصاً إذا لاحظنا آخر الآية: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود/ 114)، ولاحظنا أمثال هذا المورد، من مثل: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (الفتح/ 2)، أو: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) (التوبة/ 116)، وغير ذلك. وأخيراً فإنّ تعبير (يذهبن) يؤكد لنا أنّها تعمل على إذهاب السيئات التي كانت حالة بالشخص.

الثاني:

أن يقال: إنّ الآيات كلّها تشير إلى الذنوب السابقة، ولا تنافي بينها. فإنّ بعضها يشير إلى مرتبة معينة، والآخر يشير إلى المرتبة الأعلى منها.

إلّا أنّه يمكن النقاش في هذا التوجيه: باعتبار أنّنا إذا اعتبرنا وحدة المؤثر فلماذا عدلت الآيات إلى الإشارة إلى بعض الأثر، وهي في مقام الترغيب والحث الذي يستوجب إعطاء الأثر بكماله؟

الثالث:

هو أن يقال: بأنّ آية التبديل تركز على أنّه أثر العمل الصالح المدعوم بالتوبة والإيمان، في حين أنّ الآيتين الأخيرتين تشيران إلى أثر العمل الصالح بنفسه، وأنّه يعمل على درء السيئة وإذهابها.

الرابع:

أن يقال: إنّ ذهاب السيئات يعني حصول الأهلية لرحمة الله وفضله الواسع، فتشمله وبالتالي يمكن القول بأنّ: الحسنات يملأن محل السيئات.

وعلى أية حال، فإنّ ذلك باب من الفضل يبعث الأمل بالمستقبل، ويحيى الإنسان المذنب من جديد حياة الصالحين العاملين في سبيل الحقّ.

 

المصدر: كتاب الأمل (بين الإسلام والمبادئ الوضعية)

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 224
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 ذكر الله وشكره
 الإيمان بالله في القرآن الكريم
 تنمية الإيمان.. من أهم أسس التربية الدينية
 الإنسان والكدح الإيماني
 الإيمان.. مراقبة دائمة للنفس
 العمل الصالح المدعوم بالإيمان
 واجباتنا نحو الخالق
 «اليقين» يغني الروح
 العاطفة الإيمانية
 وحده من يستحق الذكر

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 تأثير وسائل الاتصال في الثقافة (المنهج المعياري)
 شخصية النبي (ص) التربوية
 
الاکثر تعلیقا