الصفحة الرئيسية » الاعجاز القرآني
القلب وحياة الأعضاء المادّية

2016/07/26 | الکاتب : الشيخ صباح الركابي


إنّ القلب هو العضو الوحيد الذي ترتبط به حياة الأعضاء المادية، وليس الدماغ محلاً للحياة، مع أنّ الحياة لم تعرَّف لحدّ الآن، ولكن من خلال آثارها، فالموت السريري لجميع أعضاء الجسم وتوقف فعاليات الجسم تماماً، وبقاء القلب ينبض وكأنّه لم يحدث شيء للإنسان، يدل بشكل قاطع على أنّ حياة الأعضاء المادية من القلب، وإن توقف الأعضاء عن العمل، لا يعني أنها ماتت موتاً تاماً، بل بعضها قد مات، وهو المتعلق بالسمع والنطق والبصر والتحسُّس والشمّ والتذكُّر، وهناك نوع من الحياة بقي في الجسم وإلّا لو شملها الموت المعروف لتفسَّخت، كما يتفسَّخ جسم الإنسان بعد موته موتاً تاماً، وهذا يدل على أنّ القلب والدم لهما الأهميّة العظمى في بقاء الحياة إن لم تكن الوحيدة وأنّ الدم يأخذ الحياة من القلب، فالقلب مركز الحياة ومنشأها وبقاؤها واستمرارها.

إنّ عودة الحياة إلى بقية أعضاء جسم الإنسان بعد الموت السريري الذي قد يصل إلى أشهر أو حتى إلى سنة، يدل على أنّ التحكُّم في القلب وليس في الدماغ، وأنّ إعادة الدماغ إلى العمل يتم من خلال القلب وليس العكس. نعم، قد تكون عودة بقية أعضاء الجسم من خلال الدماغ، ولكن هذا لا يتم إلّا بعد عودة الدماغ للحياة بقوّة القلب وأمره، وهذا يدلل على مركزية القلب ومحوريته، وأنّه العضو الوحيد للحياة.

ولو سألنا ما الذي أعاد الحياة إلى الجسم بعد هذا الموت، هل هو من الدماغ الميت أم هو من القلب الحي حياة تامة؟ أم من خارج الجسم؟ ويبقى السؤال من الألغاز المستحيلة الإجابة عليها، إلّا أن يكون الجواب: أنّ القلب هو الذي أعاد الحياة، ويبقى الإشكال قائماً، أمن نفسه أعاد الحياة؟ أم من غيره؟ وإذا كان من نفسه، فما هي الظروف التي استجدت حتى أعطى القلب أوامره لعودة الحياة إلى الجسم؟ وإذا كان من غيره فلابدّ أن يأتي الأمر للقلب لأنّه العضو الوحيد الباقي على قيد الحياة بمعناها المادي، لا أن يأتي للدماغ فضلاً عن غيره.

إنّ المادّيين الذين لا يعتقدون بالروح نحتج عليهم بالحياة المادية فقط، وأنّ وجودها في القلب وليس في الدماغ كما هو شائع يثبت صحّة ادّعائنا. وأمّا الذين يعتقدون بالروح، فنقول لهم إنّ الحياة الروحية والحياة المادية كلاهما في القلب، فإذا كانت الآيات التي ذكرت القلب وخصّته بالحياة والتعقُّل والتفقُّه والسمع والأبصار كانت تعني الأُمور الروحية، فالعقل في القلب. وأمّا الحادية المادية، ففي القلب أيضاً. فالموت السريري وعودة الحياة يعني أنّ الحياة في القلب وأنّ السيطرة والتحكُّم والإمرة له وليس للدماغ.

 

-          القلب والروح:

بعد أن عرفنا موقع الحياة وجهلنا معناها والتي لم تُعرف لحدّ الآن بشكل من الأشكال إلّا من خلال آثارها كالنمو والفساد والتحسُّس والشعور وغيرها، لابدّ أن نجد العلاقة بين الحياة والروح، ومَن هي القائدة ومَن هي المنقادة؟

اقرأ معنا قول الإمام علي (ع) وسنقرأه لاحقاً وهو: "لقد علق بنياط الإنسان مضغة هي أعجب ما فيه وذلك القلب، وله أضداد من مواد الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعده بالرضا نسي التحفُّظ، وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة مسَّه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عظته الفاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسدة"[1]، فقوله: "أعجب ما في الإنسان قلبه" أوضح تعبير على عظمة القلب قياساً إلى غيره من أعضاء الجسم ومنها الدماغ.

وهذا التعجب يُبيِّنه الإمام عندما يذكر ما فيه من الملكات التي يفتقر إليها أي عضو من أعضاء الإنسان من الحكمة وأضدادها، ولو لم يكن إلّا هذه الصفة – الحكمة – لكفى القلب ذلك لأن مَن أُتي الحكمة، فقد أُتي خيراً كثيراً وهو قوله تعالى: (يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُوا الألبَابِ) (البقرة/ 269)، هذه الحكمة تحتاج إلى أمرين مهمّين، هما: الحياة المادية والروح.

الحياة شيء مجهول وموجود في كل مخلوق، حتى ما يُسمّى بالجماد ففيه حياة بقدره، وهذا الموجود مكلَّف بقدر هذه الحياة. قال تعالى: (ألَم تَرَ أنّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرضِ والطَّيرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَد عِلَمَ صَلاتَهُ وتَسبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفعَلُونَ) (النُّور/ 41)، فهذه الموجودات تُسبِّح لله وتصلّي، وإذا أشكلت علينا بـ(مَنْ) للعاقل، فقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلهِ ما في السَّماواتِ وَما في الأرضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) (الجمعة/ 1)، و(ما) لغير العاقل، فهذا التسبيح إمّا أن يكون بالتسخير وإمّا أن يكون بالإرادة؛ ولكن النتيجة منهما أنّ هناك تعقُّل للعمل، كما نتعقَّل نحن بني الإنسان عمل بعض أعضاء جسمنا كالهضم مع أننا ليس لدينا إرادة في إيجاده، أو فرز العصارات الداخلية في جسمنا بغير علمنا، ولكن بمعرفتنا لها.

إنّ هذا العمل لا يتم إلّا من خلال الحياة، فلكل جسم حي مهما صغر أو كبر عقل أم لم يعقل لحياته أو عمله، ففيه حياة، إلّا أنّ هذه الحياة تزداد أو تقل بحسب القابل لها، فهي كالماء النازل من السماء فتسيل أودية بقدرها، قال تعالى: (أنزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَالَت أودِيَةٌ بِقَدَرِها) (الرَّعد/ 17)، فهذه الحياة هي التي تكون لها القابلية على استضافة الروح، ولا يمكن للروح أن تحل بجسم حياته قليلة الشدّة، ولذلك لا نجد روحاً في الحجر ونجدها في الحيوان الراقي كالبقر والإبل وغيرها، وهكذا كلما ارتفعت الحياة وسمت وشمخت كلما زادت وسمت الروح التي فيها أو التي تحل فيها. العلاقة بين الحياة والروح علاقة طردية، والحياة والروح مثل مجموعة أضواء من نوع واحد ولكنها تختلف بالشدّة، وكالوجود الصادق على كل موجود، لكنه يختلف بالشدّة والضعف، وعليه فالحياة لها ثلاث مراتب هي:

المرتبة الأولى: التسخير، وهذه موجودة في جميع موجودات عالم الإمكان.

المرتبة الثانية: الغريزة، وهذه موجودة في الحيوان ومنها الإنسان وقد تكون في النبات، كما في الحديث، قال النبي (ص): "استوصوا بعمتكم خيراً"[2].

المرتبة الثالثة: وهي الإرادة، وهذه موجودة في الإنسان فقط، وهي ذات مراتب بإختلاف القابل لها، وهذه الإرادة لها شحنتان وهما الإيجابية والسلبية، وبتعبير إلهي: رحمانية وشيطانية.

وهناك مَن يعتقد بمرتبة رابعة وهي مرتبة العقل وهي في حقيقتها تعود إلى المرتبة الثالثة وهي مرتبة الإرادة، وهذه موجودة في الملائكة والمعصومين (عليهم السلام) وهي أيضاً لها مراتب مختلفة باختلاف القابل لها.

أكّدت الأبحاث العلمية أنّ شدّة التيار الكهربائي في القلب أكبر 50 مرّة من شدّة التيار الكهربائي للدماغ، وأنّ شدّة الشعاع الكهرومغناطيسي للقلب أكبر 5000 مرّة منها في الدماغ. وعليه، أعتقد أنّ علاقة الروح بالحياة في الإنسان أو في الحيوان الراقي تعتمد على شدّة التيار الكهربائي والشعاع الكهرومغناطيسي، وأنّ الروح لا تحل في الحياة الفاقدة إلى نسبة متدنية محددة من هذه الحياة ومن شدّة التيار الكهربائي والشعاع الكهرومغناطيسي، فكلما كانت شدّة التيار الكهربائي والكهرومغناطيسي عالية كانت الروح عالية بهذا القدر، وكانت لها القدرة في التأثير على الآخرية بصورة أشد، فشرط تحقق الروح العالية كأرواح المعصومين (عليهم السلام) هو وجود الحياة الكاملة، وشدّة التيار الكهربائي والكهرومغناطيسي، وهذا هو حال العلماء صعوداً إلى الأنبياء والأوصياء، فهؤلاء لهم من القدرات ما يؤثِّرون على مَن يقابلهم تأثيراً شديداً وذلك بسبب شدّة الحياة أوّلاً فيتبعها شدّة التيار الكهربائي والتيار الكهرومغناطيسي فتتبعهم شدّة الروح، ولهذا أعتقد جازماً أنّ العقل في القلب من هذه المقاربة العلمية.

أمّا موت الإنسان أو الحيوان ذي الروح، فهو دنو الحياة إلى مرتبة التسخير وخلوها من مرتبتبي الإرادة والغريزة تماماً فيعود الإنسان إلى أصله الذي خلق منه وهو التراب والماء، كما في قوله تعالى: (الذي أحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلقَ الإنسانِ مِن طِينٍ) (السجدة/ 7)، فيصبح رميماً. وأمّا العود في الآخرة، فيعود الإنسان إلى عالم الذرّ أو عالم العقل بجسد أُخروي مناسب لتلك النشأة، وهي حياة خالية من الغفلة والسهو والتكليف فيملك كل تلك الحياة، قال تعالى: (وَما هذِهِ الحَياةُ الدُّنيا إلّا لَهوٌ ولَعِبٌ وإنّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوانُ لَو كانُوا يَعلَمُونَ) (العنكبوت/ 64) فتكون الروح في الآخرة هي الحياة والحياة هي الروح، ففريق في الجنّة وفريق في النار، والحياة هناك إمّا أشدُّ النعيم الأبدي الذي لا زوال له ولا اضمحلال ولم يسمع به ولا يخطر على بال أحد، أو العذاب الذي لا ينتهي وذلك لشدّة الروح، نستجير بالله منه، متشفعين بمحمد وآل محمد (ص)، والفارق بين جسد أهل الجنّة من جسد أهل النار، أنّ جسد الجنّة خالد لا يتغيّر، وأمّا جسد النار يتغيّر وهو مصداق قوله تعالى: (إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِنا سَوفَ نُصلِيهِم ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلناهُم جُلُوداً غَيرَها) (النِّساء/ 56) ولكن مع بقاء الروح على حالها وشدّتها، ولكنها في أعلى درجات الشدّة والتعقُّل، فالتحسُّس في أعلى درجاته، ولذلك لا عذاب أشد من عذاب الآخرة ولا نار أحرّ من نارها، ولكون الروح والعقل محلهما القلب كانت النار الأخروية تطلع على الأفئدة، قال تعالى: (نارُ اللهِ المُوقَدَةُ * التي تَطَّلِعُ عَلى الأَفئِدَةِ) (الهمزة/ 6 – 7).

 

 

الهوامش


[1] - إكمال غرر الحكم/ الآمدي/ حرف اللام/ حكمة 143.

[2] - مَن لا يحضره الفقيه/ الشيخ الصدوق/ ج4/ باب ميراث الخنثى/ ح3.

 

    المصدر: كتاب العقل.. بين القلب والدماغ

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 105
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 القلب وحياة الأعضاء المادّية
 حواس وبصمة القلب
 القلب العاقل
 «غذاء القلب» روحياً ومادياً
 قرارة النفس (Deep breath)
 القلب والدماغ والذاكرة
 كيفية حصول العلم في القلب
 عظمة الخالق في القلب

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 علاج أمراض العين بعسل النحل
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 معاني الألوان في القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 حوار الحضارات
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 
الاکثر تعلیقا