الصفحة الرئيسية » إعلام وتبليغ
نظرية الارتقاء الإعلامي/1

2018/05/20 | الکاتب : ميسّر سهيل


- تعريف نظرية الارتقاء الإعلامي:

أستطيع أن أضع أساس النظرية الإعلامية الإسلامية لعملية الإعلام الجماهيري من خلال المنهج الإلهي، رافداً ما توصّل إليه علماء الاجتماع والعلوم الإنسانية الأخرى في نظرياتهم حول تأثير الإعلام الجماهيري على مجمل الحياة الإنسانية.

- تعريف النظرية:

النظرية الارتقائية هي التي ينسجم فيها المضمون الإعلامي مع الهدف الإيجابي الذي يلتزمُ بتحقيقه حارسُ البوابة والقائمون بالاتصال على ضوء المنهج الإلهي. 

- فروض النظرية:

1- تسعى المهمّة الإعلامية للارتقاء بالإنسان فكراً وسلوكاً، فهي مهمّةٌ إنسانيةٌ عامّةٌ تهدف إلى تحقيق كلِّ ما فيه مصلحة راجحة.

2- ترفض النظرية الارتقائية ما فيه مفسدةٌ في الحال أو المال.

3- يلتزمُ القائمون بالاتصال في هذه النظرية باحترام العقل الإنساني، فلا يضللونه، أو يخادعونه، أو يحاولون إلغاءَ دوره، لتتمكّن البشريةُ من عمارة الكون وتوجيهه إلى شاطئ الأمن والسلام.

إذن يمكنني القول: إنّ هذه النظرية الإعلامية الإسلامية تعتمدُ على عرض الفكر الارتقائي والحركة المنسجمة معه على اعتبار أنّ النفسَ البشرية قابلةٌ للخير والشرِّ؛ لقول رسول الله (ص): "كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِهِ، أو ينصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ".

فالمولود هو المتلقي الذي تؤثِّر فيه الرسائل الاجتماعية والثقافية المحيطة به لتكوين تفكيره وأسلوب حياته، وهو ما يؤكِّده في اعتناقه لعقيدة معيّنة في سلوك معيّن.

- النظر في الآثار الإيجابية والسلبية:

أوّلاً- النظرية والأثر الإيجابي:

إنّ تبنّي النظرية لعرض الفكر الارتقائي هو الباعثُ على صياغة العمليات الاتصالية على وجهٍ يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد.

فالإعلامُ في ضوءِ هذه النظرية يتبنّى الجانبَ الذي تُغلَّبُ فيه المصلحة، ويهدر ما تكون المصلحةُ فيه مرجوحةً، لأنّ التضحية بالقليل النافع أجدرُ من نشر الكثير الضار.

فلو أنّ إعلاناً تجارياً جذب الأنظار لمنظر صارخ أعقبته نقمةٌ اجتماعية بما أحدثه من أذىً نفسي لتصادمه مع الأعراف والتقاليد السائدة، يكون تأثيره سلبياً، لأنّه لم يُحقِّق الهدفَ الذي أراده المعلن.

والنتيجة ذاتها تنسحِبُ على صور عمليات الاتصال كلّها، إذ إنّ الغاية من الاتصال هي التأثير الذي تحدثه، وينبغي على القائم بالاتصال الاهتمام بدراسة نوع التأثير الذي يحصل عليه من نشاطه الإعلامي.

ثانياً- النظرية والأثر السلبي:

العمل الإعلامي هو عملية اجتماعية مستمرة تندمج فيها مصلحةُ القائم بالاتصال بمصلحة المتلقي، وقد يتضمّن مصلحة مالك وسيلة الاتصال في الإعلام الجماهيري، ويجادل البعضُ أنّ أنواعاً من الرسائل الجماهيرية التي يتمّ نشرها عبر وسائل الإعلام قد تحقّق مصلحة راجحة بالنسبة للمُرسِل أو الوسيلة أو كليهما معاً، ولكنّها تهدر مصلحة المتلقي قليلاً أو غالباً، وهذا مقبولٌ لدى مَن يقتصر نظرُه على الأثر دون نوعية التأثير، لكنّ نظريةَ الارتقاء التي تَعتبِرُ المهمّةَ الإعلاميةَ مهمّةً إنسانية عامةً تهدِفُ إلى ما فيه تحقيق مصلحة راجحة ترفض هذا الأثر الذي يهبط بفكر الإنسان أو سلوكه.

ولابدّ أن يلتزمَ العمل الإعلامي باحترام الإنسان، والسعي لتنمية عقله بما يعودُ على البشرية بالخير وليس ما يعودُ عليها بالضرر، وإنّ العملية الإعلامية التي تسعى لتحقيق مصالح المُرسِل أو الوسيلة على حساب هدر مصلحة المتلقي إنّما هي ابتزاز من جانب واحد، وهذا يتنافى مع المهمّة الاجتماعية لعملية الاتصال، وليس منطقياً أن نطلقَ العِنانَ لمن ينتهكون مصالحَ المتلقين لتحقيق مصالحهم، سواء كان ذلك تحريكاً لعواطف شهوانية، أو تردياً بقيمة العقل وتضليله، أو انحطاطاً بقيمة الإنسان ذاته، أو شحناً لعواطف وانفعالات نفسية ضارّة، أو هدراً للوقت بعيداً عن الاستثمار والتنمية، فهذا كلّه يمثل ذروةَ الخلل، ويناقض كينونةَ الاتصالِ عملاً إنسانياً واجتماعياً إيجابياً. 

- أمثلة الاتصال السلبي:

يتضح الاتصال السلبي من خلال ممارسات كثيرة، نذكر منها:

1- تحريك الغرائز الجنسية والشهوانية:

هو تحريضٌ مباشر على انتهاك القيم الاجتماعية والأخلاقية والدِّينية، يؤدّي إلى آثار كارثية في البُنية الإنسانية، إذ يدفع لتصريف هذه الشحنات بطرق مؤذية للأفراد والمجتمع، سواء بتفريغ هذه الشحنات في عالم الواقع، أم في عالم الخيال، كما أنّ استغلال المرأة وجعل جسدِها سلعةً للترويج الجنسي هو أكبرُ امتهانٍ لقدر المرأة، التي حفظت الشرائع السماوية شأنها، فهي صنو الرجل، وما اختلافُ الجنس فسيولوجياً وسيكولوجياً إلّا اختلاف وظيفي.

أمّا دورها في الحياة، فلا يقلّ أهميّة عن دور الرجل، فقد قال تعالى: (إنّ المُسلِمِينَ والمُسلِماتِ والمُؤمِنِينَ والمؤمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهُم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللهَ كثيراً والذّاكِراتِ أعَدَّ اللهُ لَهُم مَغفِرَةً وأجراً عَظِيماً) (الأحزاب/ 35).

فكلّ انحطاط تتعرّض له المرأة من خلال استغلال جسدها في أوضاع مزرية حيوانية لا يعتبر إعلاماً، بل اعتداءً على حقوق النساء ينبغي أن تتنبّه له المنظمات الإنسانية عامّة والنسائية خاصّة في العالم كلّه، وأن تهتم برفعه عن كاهل المرأة، فليس من الحرّية الشخصية أن تسيءَ مجموعةٌ منحطةٌ أخلاقياً إلى جنس المرأة كمخلوق مكرَّم من الخالق كالرجل تماماً، قال تعالى: (ولَقَد كَرَّمَنا بني آدَمَ وحَمَلناهُم في البَرِّ والبَحرِ ورَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلناهُم على كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضِيلاً) (الإسراء/ 70) وهم الرجال والنساء على حدٍّ سواء، والإنسان مُفضَّل على كثير من المخلوقات الأخرى لقوله عزّوجلّ: (وفَضَّلناهُم على كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضِيلاً) (الإسراء/ 70).

فينبغي أن تبقى المرأةُ مكرَّمةً بصفتها من بني آدم، وأجد من المفيد أن أشير هنا إلى قوله عزّوجلّ: (على كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنا) فالاسم الموصول (مَن) يفيد العاقل، أي إنّ الله عزّوجلّ، له شأنه - حسب علمه - في تفضيل مخلوقات على أخرى لا نعلمها، ربّما تكون سابقةً أو لاحقةً، وفي أرضنا أو غيرها من الأجرام السماوية في ملكوت الخالق العظيم.

أمّا التكريمُ لهذا المخلوق، فقد جاء كاملاً غيرَ منقوص حسب ما تقتضيه حياته العاجلة على هذه الأرض. 

2- استخدام العنف والجريمة وآثارهما المدمرة في نفوس اليافعين:

إنّ استخدامَ العنف والجريمة في الوسائل الإعلامية لتشويق اليافعين يترك آثاره المدمرة في نفوسهم، لأنّ دافع التقليد لدى الأطفال واليافعين موجودٌ؛ خاصّةً إذا شُحنت مشاعرُهم بالمناظر العنيفة باستمرار من قبل وسائل الإعلام الحديثة، لما لهذه الوسائل من تأثير كبير في عصر الفضائيات التلفزيونية والكمبيوتر والإنترنت، وما لها من جاذبيةٍ قوية للكبار فضلاً عن الصغار.

لقد صار مؤكّداً لدى علماء النفس والاجتماع والمربين أنّ برامج العنف والجريمة تجعلُ الأطفال عدوانيين، وتساهم في بعث روح الاعتداء لدى الشباب، وإنّ كلَّ منطقٍ سليمٍ لا يريد لوسائل الإعلام في بلدٍ لهُ قيمُه وتقاليدُه وتعاليمُه الدينيةُ والخلقيةُ أن تبعثَ بنفوس الناشئة، وتهدمَ توازنها لأنّ مهمّة الوسائل الإعلامية هي أوّلاً وقبل كلّ شيء مهمّةٌ تربوية تثقيفية توجيهية تقومُ على تبنّي الهدى ورعاية الحقّ وعرضِ صورة الخير والجمال، ومن حقّ كلّ مجتمعٍ واعٍ أن يرفضَ ما يتستّر وراء الأعمال الإعلامية من مفاسد وكلَّ ما يغري بالفساد، لأنّ في ذلك تمزيقاً يُشوِّهُ الحياة البشرية، وانحرافاً بالسلوك عن الوضع السوي الذي ينبغي أن ينشأ عليه أبناءُ المجتمع.

وإذا كان لابدّ من تعرُّض وسائل الإعلام إلى العنف والجريمة، فيجب أن يتم ذلك بطُرقٍ تنفي الأثر السلبي على الأطفال والناشئة واتباع منهج القرآن الكريم في عرض القصص التي لها علاقة بالجريمة؛ فقد كان المنهج الإلهي يُعبِّرُ عنها تعبيراً واضحاً دون شرح كيفية وقوع الجريمة، ولم يتعرَّض لتصوير جزئياتها، لأنّ الله العليم الخبير بَيَّنَ لخلقه أنّ ذكر التفاصيل قد يؤدّي إلى نوع من التدريب والتعليم لا ينبغي عرضه على الأذهان، حتى لا تتأثر به النفوس الضعيفة.

فالوسائل الإعلامية التي تُقدِّم العنفَ والجريمة على غير هذا المنهج تؤدّي إلى مفاسد كثيرة تهدِّدُ أمن وسلام المجتمع بما تتركه من تأثير ضار على سلوك الناشئة؛ نظراً لقدرتهم الكبيرة على الاستيعاب ورغبتهم الشديدة بالمحاكاة والتقليد.

وقد دفع التطوّر الإلكتروني علماءَ النفس والاجتماع لتصميم ألعاب جماعية على الكمبيوتر بشكل متطوّر يحتاجُ إلى مهارة ذهنية وحركية وسرعة بديهة وشدّة انتباه؛ ليتمكّن الطفلُ من خلالها تفريغ هذه الشحنة النفسية في عالم الخيال بدلاً من كبتها أو تفريغها في عالم الواقع، حيث يجدُ الطفلُ نفسَه هو الفاعل فيها والمسيَّر لها فتتحقّق له لذّة الفوز أو معاناة الفشل بطريقة خيالية دون أن يخسرَ شيئاً في عالم الحقيقة، فهي أسلوبٌ متطوّرٌ بشكل علمي لمواجهة الهجمة الكبيرة على مشاعره بأفلام العنف والجريمة من خلال الفضائيات التلفزيونية.

ولم تعد تقتصر هذه الهجمةُ على الأفلام (الهوليودية)، بل تسللت إلى نشرات الأخبار والتحقيقات المصوَّرة والبرامج الخاصّة وعبر مراسلي الفضائيات التي يدفعها التنافسُ لنقل الأحداث المروِّعة، والأعمال الحربية، التي تشمل الاعتقال والسجون والتعذيب والقتل والهدم نتيجة المخططات الصهيونية، التي تدفع بذراعها الأمريكي للخبط العشوائي في أنحاء العالم، وعلى أعصاب الأطفال أن تحمل هذا الضغط.

فضائيات تبثُّ أربعاً وعشرين ساعة أفلاماً يتنافسُ منتجوها في التوغل أكثر فأكثر في إبراز أخطر وأبشع المناظر المروِّعة، وقد أدخل الخيالُ أدمغة المشاهدين في أروقة البشاعة وتشويه الخلق من تحريك قطعة من جسد، وإظهارها قادرة على العبث والتصرُّف، أو إذابة جسد وإعادة تشكيله، أو قدرته على بناء ذاته بعد نفاذه من الحواجز، والأجسام الإلكترونية وغير ذلك، حتى صارت رؤيةُ القتل العادي غير وافية لدى المخرجين والمنتجين السينمائيين، ولذلك راحوا يبحثون في الوسائل التقنية عن إمكانية الاستفادة من الخدع في عرض غير المعقول، وهكذا تجري العربة من دون حادٍ.

ويشهد العالم اليوم انفتاحاً آخرَ يشرع أبواباً خطرةً لمشاهدي العنف والجريمة التي تعرض معلومات تفصيلية عن الطُّرق والأساليب والأدوات وكيفية التغلُّب على الصعوبات من تقنيات العصر كالكاميرات الخفية والأبواب الإلكترونية وأجهزة الإنذار، ممّا يجعلُ شحن اليافعين قوّة كامنة قابلة للانفجار في أي وقت وأي مكان.

وكلّما قدّمت الحضارة المادّية أجهزةً وتقنياتٍ تساعد على التقدُّم والازدهار الإنساني، هرع إليها في سباق محموم رجال المافيا وتجّار المخدرات ومهرِّبو الأسلحة، ليطلعوا علينا بنوع جديد في عالم الجريمة من خلال استغلالهم لشبكة الإنترنت بما فيها من مساحات واسعة لا حدودَ لها والعجز عن إمكانية مراقبتها، فيجدون فيها الوسيلةَ المثاليةَ للتواصل بكلِّ أمانٍ.

فمن خلال شبكة الإنترنت وعن طريقها تجري الآن أكثر عمليات التهريب والجريمة تعقيداً وأكبرها حجماً! وسلطات العالم كلّه تقفُ مرتبكةً وشبهُ عاجزةٍ عن فعل شيء رغم تنوّع نشاطات شرطة المكافحة في العديد من بلدان العالم الغربي، ولعلّه من الصعب جدّاً وضعُ رقم يُحدِّد ما تساويه تجارةُ الجريمة في العالم، إلّا أنّ تقارير الأُمم المتحدة تشيرُ إلى أنّ تجارة الجريمةِ في العالم ضعف تجارة النفط العالمي أو تزيد، منها: المخدرات والأسلحة وتهريب الأشخاص وتنفيذ الاغتيالات والتزوير والابتزاز والاختطاف وتبييض الأموال والرقيق الأبيض وتكادُ القائمةُ لا تنتهي.

وقبل نهاية القرن العشرين، قدّرت مصادرُ صندوق النقد الدولي حجمَ تجارة الجريمة بما يعادِلُ خمسمئة مليار دولار سنوياً، واعتقد الصندوقُ أنّ الرقم يصل إلى ألف مليار، ودعا حينذاك إلى عقد مؤتمر دولي سرّي للبحث عن طريق لمكافحة الجريمة في العالم، وقد كان المؤتمر الأوّل من نوعه، وضمّ الاجتماع الذي انعقد في باريس مندوبين من أكثر من عشرين جهاز مخابرات من كافة أنحاء العالم، لكنّه كان أشبه بمحاولة يائسة لقتل ديناصور مخيف.

فإن كان سدُّ منافذ التوتر خارجاً عن السيطرة بعدما صار الناس يتنفّسون الفضائيات كالهواء، ويتعاملون مع الإنترنت كالماء، فلابدّ من البحث عن السُّبُل الكفيلة بتعقُّل المشاهدة والارتقاء بها ابتداءً من حسن التوجيه المنزلي الإعلامي من قبل الأهل، ثمّ تضافر الجهود مع المجتمع والدولة لمعالجة هذا المرض الخطير. 

3- التشويش الثقافي والسياسي:

يعتبر التشويشُ الثقافي والسياسي من أخطر أنواع الاتصال السلبي، من ذلك الحيل العلمية غير الصحيحة التي يعلَنُ عنها لغايات سياسية، ومنها ربط حركة الحياة بأنواء فلكية (كالأبراج) لإبعادها عن العالم الواقعي، وتعطيل الطاقات البشرية ارتكاناً لتصورات بالية، وما فيها من خداع للعقل، وإشغال له بما لا طائل وراءه.

أمّا التشويش السياسي، فهو استخدامُ الكذب والتضليل للهيمنة على حقوق الغير، واستغلال موارده الطبيعية وثرواته الباطنية لخدمة مصالح ذاتية من دون وجه حقّ، ومنه التلاعب بالعقول من خلال السيطرة على وسائل العصر الحديثة، وتسخيرها لغير الأهداف الإيجابية التي وجدت أصلاً من أجلها، وكذلك قلب ما تنتجه الحضارة المادّية في المجال التقني والعلمي إلى وسائط للقتل والتدمير وإهلاك الحرث والنسل، وإيجاد الخلل البيئي في الكون، فذلك من أشدِّ كوارث العولمة في القرن الحادي والعشرين؛ حيث أوجدَ اتصالاً سيِّئاً من قبيل التجسُّس على الشعوب وانتهاك مُحرَّمات الأشخاص، إضافة إلى بروز الخطاب النووي والجرثومي والبيولوجي ممّا يُهدِّد وجودَ الإنسانِ على كوكبه الجميل.

- أهميّة النظرية الارتقائية:

إنّ هذه النظرية تجعل القائم بالاتصال وحارسَ البوابة ومالكَ الوسيلة يتجهون معاً لإنتاج رسائل إعلامية تحرص على النهوض بالإنسان فكراً وثقافةً وعلماً وسلوكاً، وبذلك يدرسون الأثر الذي ستحدثه الرسالةُ ليكونَ على نحوٍ إيجابي، ويعملون على استبعاد الأثر السلبي في الحال والمال.

وباعتبار أنّ الإنسان مخلوقٌ عاقلٌ مفكِّرٌ، وهو هدفُ التأثير الإعلامي، فإنّ تطويرَ ثقافته وسلوكه أمرٌ يتمتّع بمرونةٍ قابلةٍ للتفاعل باستمرار مع ما يتلقّاه من رسائلَ فكرية وعلمية، فهو ليس جامداً غيرَ قابل للتأثُّر والتأثير، يدل على ذلك تفوّق الجيل الناشئ باستمرار في القدرة على استيعاب مستجدات العصر، والتفاعل معها بشكل يمتاز على كبار السن في مواجهتهم لكلِّ جديدٍ.. فإذا ملئتْ وسائل الإعلام المختلفة بالخير والصلاح يغلبُ ذلك في سلوك الناس فتظهر نتائجهُ في القول والعمل.

- النظرية واليوم الآخر:

سيشهد الإنسان كثيراً من الوقائع التي لا يجد لها تفسيراً إلّا في تتمّة الحياة الأخروية حين ينكشِفُ الغطاءُ عن الغيب، وتُنصب موازين العدالة المطلقة، إنّه سيشهدُ في الدنيا طغيانَ الإنسان المنحرف عن منهج الله من ظلم الأشخاص والتعدِّي على الأموال والأعراض وهضم الحقوق ونكران الواجبات وضياع الأمانة، كما سيشهدُ المعاناة بسبب التسلط البشري على حقوق الشعوب وتنازع المصالح والمطامع، علاوةً عن الأمراض والأحوال من عافية وسقم ومن فقر وغنىً، إضافة إلى الأنواء كالزلازل والطوفان أو شحّ الأمطار، أو الغرق والفيضانات، فلا يحمي فكرَه من التشتُّت؛ ولا نفسَه من التمزُّق حينئذٍ إلّا اعتقاده بأنّما يجري في لحظات الحياة الدنيا ما هو إلّا اختبارٌ للأفراد والجماعات يتقرَّر من خلاله مصيرها ومكانها في حياةٍ آخرة لا يصلحُ لها إلّا نموذجٌ معيّنٌ صقلته تعاليمُ الخالق، فجاء مناسباً للحياة الباقية إلى ما شاء الله عزّوجلّ.

- تقدير العقل:

ينظر منهجُ النظرية إلى الإنسان على أنّه مخلوقٌ عاقلٌ، فهو يستحق أن يخاطَبَ بكلِّ ما من شأنه تحقيقُ سعادته في حياته الدنيا والتأثير في تنميتها لصالح وجوده على الأرض، وكلّ ما يدفع عنه الأذى، أو يبعد ما يؤدّي إلى الخلل في حركة الحياة، واستكمالاً لهذه الأهداف كان لابدّ من ربط هذا التصوُّر بعقيدة اليوم الآخر من أجل توسيع تصوّره للوقائع والنتائج، لأنّ ذلك متمم للمقدّمات التي لا تجدُ لها تأويلاً خلال فترة وجودِ هذا المخلوق على الأرض، حيث وجود هذا الإنسان من البداية وحتى النهاية لا يعدو أن يمثل لحظات في عمر الكون؛ فكيف بعمر فرد من أفراده. 

- ضلال العقل:

يرى منهجُ النظريةِ من جهة أخرى أنّ العقل وحدَه قد ينتج تفكيراً يضلّ من خلاله سواءَ السبيل بمؤثرات الميول والرغبات والشهوات ونوازع النفس، ما لم يزوَّدْ هذا العقل بدليل سليم من لدن عليم حكيم، قال تعالى: (قُل هَل نُنَبِّئُكُم بالأخسَرِينَ أعمَالاً * الذينَ ضَلَّ سَعيُهُم في الحَياةِ الدُّنيا وهُم يَحسَبُونَ أنّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً) (الكهف/ 103-104).

وقد جاءت الآيةُ الكريمةُ بصيغة المبالغة القصوى في الخسارة نظراً لضلال سعيهم، وخطأ حركتهم، التي لم تؤدِّ بهم إلى نتيجة طيِّبة أو غاية مفيدة، ولأنّهم أيضاً من الغفلة بحيث لا يشعرون بضلال سعيهم وذهابه سدىً؛ فهم ماضون في هذا السعي الخائب الضال ينفقون حياتهم فيه هدراً وهم مخدوعون بما هم عليه، بينما يخيبُ سعيهم، وتتبخّر آمالهم في الآخرة، قال تعالى: (وقَدِمنا إلى ما عَمِلوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلناهُ هَبَاءً مَنثوراً) (الفرقان/ 23).

فلا وزنَ للعمل الضالّ، ولا قيمةَ للعمل الخائب، وليس العقلُ المجرّدُ هو الذي يحكم على صحّة العمل أو خطئه، وإنّما مدى انسجامه مع حركة الكون والحياة، وتوافقه مع الكمال الارتقائي في التفكير والسلوك، فالتفكير المنحط إلى دَركِ الخضوع لأصنام يصنعها بيده مثلاً، ثمّ يعكف على عبادتها، وتنكفئُ نفسه وروحه لها إنّما هو ضلالٌ في العقل، وانحطاطٌ وانتكاسٌ لا يليقُ بكرامة الإنسان، لذلك نعى القرآنُ الكريمُ على أقوام تاهت عقولهم بذلك، فقال تعالى: (إذْ قالَ لأبِيهِ وقَومِهِ ما تَعبُدُونَ * قالوا نَعبُدُ أصنَاماً فَنَظَلُّ لَها عَاكِفِين * قالَ هَلْ يَسمَعُونَكُم إذ تَدْعُونَ * أو يَنفَعُونَكُم أو يَضُرُّون) (الشُّعراء/ 70-73).

وكذلك التسلُّط والظلم وقهرُ العباد بنوازع المصالح الخاصّة، والرغبات الفردية، والشهوات المحمومة، إنّما هو تخريبٌ لسلامة الحياة، واعتداءٌ صارخ على مسيرتها الآمنة.

ولعلّ اتباعَ الهوى من أكبر المعيقات في ارتقاء هذا المخلوق، قال تعالى: (فإنْ لَم يَستَجِيبوا لَكَ فَاعلَم أنّما يَتَّبِعونَ أهوَاءَهُم ومَن أضَلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللهِ إنّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الظالمين) (القصص/ 50)، وقال سبحانه: (بَلِ اتَّبَعَ الذينَ ظَلَموا أهوَاءَهُم بِغَيرِ عِلمٍ فَمَن يَهدِي مَن أضَلَّ اللهُ وَما لَهُم مِن نَاصِرِين) (الرُّوم/ 29)؛ لأنّ الأهواء تُصِمُّ وتعمي، فتُظلم الرؤية، وتضيع الحقيقة، ويلتبس الحقّ بالباطل، وتؤدِّي إلى الخسران المبين.

ولمّا كانت الحياةُ في تطوُّر مستمر، ويكشف الكونُ للعقل البشري على الدوام عن أسرارٍ مخبوءةٍ، فلابدّ من مواكبة التطوُّر، وعدم الجمود على الماضي، من أجل تكييفَ أسرار الكون وتوجيهها إيجابياً بما يتوافق مع مصلحة هذا المخلوق. أمّا حين تتكيّف أسرار الكون بما يؤدِّي إلى تدمير الأرض وهلاك المخلوقات عليها يكون العقل قد ضلّ السبيلَ، ولا يعودُ صالحاً ليكونَ موجِّهاً قيادياً لحياة البشر، فلابدّ لهذا العقل من منهج قويم صادر عمّن أبدعَ خلقه، فيكونُ منقذاً لهذا العقل وهادياً له إلى سواء السبيل، قال تعالى: (وقالوا لَولاَ يأتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَم تَأتِهِم بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأولى) (طه/ 133).

وقال سبحانه: (يَهدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذنِهِ ويَهدِيهِم إلى صِرَاطٍ مُستَقِيم) (المائدة/ 16).

وقال عزّوجل: (قالَ اهبِطا مِنها جَمِيعاً بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ فإمّا يأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقَى) (طه/ 123).

والاتصال بأنواعه المختلفة ابتداءً من الاتصال الذاتي فالشخصي والجمعي وانتهاءً بالاتصال الجماهيري، هو المسؤول عن تقويمِ سلوك العقل والتكفير الناشئ عنه، ليحقِّق للبشريةِ سعادة الدنيا والآخرة.

يتبع...

 

المصدر: كتاب الإعلام الإسلامي وقواعد تقويمه  

 
 

هدى الياسري  

في الحقيقة إنّ الإعلام في انحطاط مستمر للأسف بسبب الانفتاح العالمي فلا توجد هناك قوانين وأنظمة تحد وتقف أمام الإعلام الرخيص.

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 693
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 نظرية الارتقاء الإعلامي/2
 نظرية الارتقاء الإعلامي/1
 الإعلام ة وتأثيره المباشر على المجتمع
 وسائل الإعلام والتأثير الفكري
 كـن إعـلامياً متخصصـاً
 الحرية الإلكترونية وتحديات العنف
 الوظيفة الحوارية للإعلام
 الدستور وحرّية الإعلام
 الإعلام والدور المطلوب
 العرب وفجوة العقل الإعلامي

الاکثر قراءة
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 شخصية النبي (ص) التربوية
 الإسلام والتعايش
 حقوق الإنسان.. رؤية مقارنة بين الإسلام والغرب
 
الاکثر تعلیقا