الصفحة الرئيسية » الاعجاز القرآني
الفصيح والأفصح في القرآن

2013/08/11 | الکاتب : محمد كريم الكوّاز

 

القرآن الكريم معجزة، وإذا قلنا إنّ الفصاحة وجه من وجوه الإعجاز، فيقتضي هذا، أن تعمَّ الفصاحة القرآن كله، مفردات وتراكيب، أي لا يوجد تفاوت في فصاحته، فيكون فيه الفصيح والأفصح، إنّما هو على أعلى رتبة من الفصاحة، لأنّه كلام الله سبحانه وتعالى، ولكننا قد نجد ما يوهم القول بتفاوت الفصاحة في القرآن، فإذا أمعنا النظر في ذلك، وتفحَّصنا المراد، خرجنا إلى تساوي فصاحة القرآن، في كل موضع من مواضعه، وفي تعليل هذا قيل: "إنّ المعنى الواحد قد يعبَّر عنه بألفاظ، بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة، يُعبِّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولابدّ من إستحضار معاني الجمل، واستحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثمّ استعمال أمسِّها (أقرب الألفاظ إلى المعاني) وأفصحها، واستحضار هذا متعذِّر على البشر في أكثر الأحوال، عتيد حاصل في علم الإله (لمحدودية علم البشر واتساع علم الله) فلذلك كان القرآن أفصح الحديث وأحسنه، (لأنّه كلام الله) وإن كان مشتملاً على الفصيح والأفصح والمليح والأملح.
ولا يعني هذا تفاوت الإعجاز في القرآن، وإنّما يعني أنّ الإستعمال القرآني للكلمة، في موضعها من القرآن هو الأفصح، وإذا أبدلت بغيرها في الموضع نفسه، لم تكن كذلك، وإن كانت الكلمة فصيحة في ذاتها، أي مستوفية لشروط فصاحة اللفظة التي وضعها العلماء مقدمة في كتب البلاغة.
ومن ذلك مثلاً قوله تعالى:(.. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) (الرحمن/ 54). فلو جاء مكانه: وثمر الجنتين قريب. لم يكن كذلك، من جهة الجناس بين الجنى والجنتين، ومن وجهة موآخاة الفواصل.
ويلاحظ أنّ الأسلوب القرآني إختيار كل كلمة، لتعبَّر عن معنى دقيق، لا تعبِّر عنه سائر الكلمات. فالآية في سياق وصف حال المؤمنين في الجنة، وتنعُّمهم بنعيمها، الذي أجزله الله وسبحانه لهم، جزاء إيمانهم في الدنيا، ولهذا كانت الألفاظ تؤدي معناها في سياق الإنعام، فالجنى هو الثمر الذي أدرك على الشجرة، أي إنّه نضج وبقي في مكانه على الغصن، وفي بقائه هذا معنى الحيوية، فهو ناضج دائم النضج، لا ناضج مصيره الذبول، كما إذا قطف وقطع عن ديمومة الحياة، ولهذا كان إستعمال الجنى في ما كان غضاً، كقوله تعالى: (.. تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (مريم/ 25).
وذكر سبحانه (دان) للدلالة على قربه من المؤمنين، ليناله القائم والقاعد والنائم، وفي هذا النوع من القرب، لا القرب المطلق، تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله، إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً. أو إن ثمار الجنتين دانية إلى أفواه أربابها، فيتناولونها متكئين، فإذا اضطجعوا نزلت بازاء أفواههم، فيتناولونها مضطجعين، لا يرد أيديهم عنها بعدٌ أو شوك.
ومن ذلك أيضاً، قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت/ 48)، فقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ) أحسن من: وما كنت تقرأ. لثقل (تقرأ) بالهمزة.
ولا تقتصر فصاحة (تتلو) على الخلوص من ثقل الهمزة، وإنِّما استعمل موافقاً لما أريد به من الدلالة، لأنّ التلاوة خاصة باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة بالارتسام لما فيها، من أمر ونهي وترغيب وترهيب، فالتلاوة أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، لذلك لا يقال: تلوت رقعتك. وإنَّما يقال: تلوت في القرآن، أي في شيء، إذا قرأته ووجب عليك اتباعه.
فالنفي في الآية واقع على قراءة كتاب منزل، واتباع فيه، وذلك لقطع أن يكون محمد (ص) قد أتى بالقرآن من عنده، بتلاوة الكتب السماوية الماضية، أي وما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتاباً، والمعنى: إنّك لم تكن تحسن القراءة قبل أن يُوحى إليك بالقرآن (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) معناه: وما كنت أيضاً، تكتبه بيدك، (إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) أي: ولو كنت تقرأ كتاباً، أو تكتبه، لوجد المبطلون طريقاً إلى إكتساب الشك في أمرك، وإلقاء الريبة لضعفة الناس من نبوءتك، ولقالوا: إنَّما تقرأ علينا ما جمعتَه من كتب الأولين، فلما ساويتهم في المولد والمنشأ، ثمّ أتيت بما عجزوا عنه (أي القرآن)، وجب أن يعلموا أنّه من عند الله تعالى، وليس من عندك.
ومن ذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ...) (البقرة/ 2). (لا ريب فيه) أحسن من: لاشك فيه، لثقل الإدغام (التضعيف) في: شك، واجتماع المثلين (تكرار الكاف)، ولهذا كثر إستعمال الريب بدل الشك في القرآن. ولكن لم يكثر لفظ الريب على الشك في القرآن كثرة ظاهرة، فقد جاء (لا ريب) سبع عشرة مرة و(الشك) خمس عشرة مرة، ولم يكن إختيار الريب هنا، للتخلص من الإدغام، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة معروفة منه، وإنّما كان ذلك لأنّ الريب أفصح من الشك، في بيان المقصود في الآية، إن حقيقة الريب قلق النفس، واضطرابها، وانتفاء الطمأنينة باليقين، وهو أن يتوهم الإنسان بالشيء أمراً ما، فينكشف عما توهمه، فمصدر الريب هو قلق النفس النابع من داخل الإنسان، وعلى هذا جاء نفي الريب عن الكتاب في (لا ريب فيه).
أي: إنّه بيان وهدى وحق ومعجز، فاستحق الوصف بأنّه لا ريب فيه أصلاً، لا من خلال نفي ريب المرتابين فيه، لأنّ هذا قد يكون.
أمّا الشك، فهو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وقد يكون الشك في الشي: هل هو موجود، أو غير موجود، وقد يكون الشك في جنس الشيء: من أي جنس هو، وقد يكون في بعض صفاته، وربّما كان في الغرض الذي لأجله أوجد.
إنّ هذا الأمثلة، وكل ألفاظ القرآن، تبيِّن أنّ الأسلوب القرآني، راعى الدقة في إختيار الألفاظ المعبرة عن المعنى المقصود، بحيث لا يمكن إبدال أيّة لفظة منه، ثمّ كان ما يحسُّ به قارئ القرآن، من الخفة والسلامة في ألفاظه، أي إنّ الخفة والسلامة وغيرهما، من صفات اللفظ الفصيح، لم يُقصد إليها قصداً، وإنّما كانت من ضمن إعجازه، في تأدية المعاني، وإيصالها بأفصح لفظ.


المصدر: كتاب أبحاث في بلاغة القرآن الكريم

 
 

د عبدالتواب سيد محمد  

الله عليك يا دكتور محمد وحشنا أسلوبك البديع

د عبدالتواب سيد محمد  

الله عليك يا دكتور محمد وحشنا أسلوبك البديع

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 3681
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن
 حوار الحضارات
 تأثير وسائل الاتصال في الثقافة (المنهج المعياري)
 شخصية النبي (ص) التربوية
 
الاکثر تعلیقا