الصفحة الرئيسية » فكر سياسي
مفهوم السياسة في الإسلام والقرآن

2012/09/16 | الکاتب : هاشم ناصر الموسوي


- تعريف السياسة:
إنّ كلمة (سياسة) كغيرها من الكلمات ذات الدلالة العلمية والفنية المستعملة عند العلماء والكتاب والمفكرين وغيرهم، فهي تحمل معنيين اثنين: معنى لغوياً، ومعنى اصطلاحياً.
المعني اللغوي : إنّ كلمة سياسة تعني في المدلول اللغوي ما يأتي:
"السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه".
وتعني أيضاً: الترويض والتدريب على وضع معّين، والتربية والتوجيه، واصدار الأمر والعناية والرعاية، والاشراف على شيء، والأهتمام به والقيام عليه.
المعني الاصطلاحي: ومفهوم السياسة كغيره من المفاهيم الفكرية يختلف حسب العقيدة والمبدأ والنظرية التي يستفاد منها، أو يعتمد عليها، لذا فقد عُرّفت السياسة بتعاريف عديدة، وفهمت بصور وأشكال مختلفة.
ويهمُّنا في هذا البحث أن نعرّف (السياسة) تعريفاً اسلامياً مستفاداً من النظرية الإسلامية وفهمها للسياسة، إلا أنه من المفيد ان تناول بعض التعاريف، وصور الفهم غير الإسلامية للسياسة. فقد عرّفت بتعاريف عديدة من قبل بعض الكتاب السياسيّين، المختلفين في مذاهبهم، ونظرياتهم السياسية، لنعرف الفارق بين مفهوم السياسة في الإسلام، ومفهومها في المذاهب غير الإسلامية.
فقد عرّفها سقراط الفيلسوف اليوناني بأنّها :"فن الحكم، والسياسي هو الذي يعرف فن الحكم".
وعرّفها أفلاطون بأنّها:"فن تربية الأفراد في حياة جماعية مشتركة، وهي عناية بشؤون الجماعة، أو فن حكم الافراد برضاهم، والسياسي هو الذي يعرف هذا الفن".
وعرّفها ميكافيلي بأنّها: "فن الابقاء على السلطة، وتوحيدها في قبضة الحكام، بصرف النظر عن الوسيلة التي تحقق ذلك".
ويرى دزرائيلي :"إنّ السياسة هي فنّ حكم البشر عن طريق خداعهم".
وهكذا نلاحظ الفوارق في الفهم والتعريف، وتحديد مفهوم السياسة وهويتها بين الكتاب والمفكرين والفلاسفة غير الإسلاميين، متأثّرين بفلسفتهم العّامة، وفهمهم للحياة والمجتمع والأخلاق، وحركة التاريخ، وباستقرائهم لمجالات النشاط السياسي، وتحديدهم لها في ظروف الممارسات المنحرفة، أو القاصرة للسياسة، فانتزعوا من هذين المصدرين فهمهم للسياسة، فقد رأينا أنّ بعض الكتّاب السياسيين يرى السياسة بأنّها: (فن الحكم)، ويراها فريق آخر بأنهّا: (فن الصراع من أجل السلطة والإبقاء عليها)، وينظر إليها آخرون نظرة أعم: (تتعلق بالنشاط السياسي للحاكم والمحكوم).
وكل ينطلق من فلسفته العامة لحركة التاريخ والمجتمع، وفهمه لفلسفة الحياة، والنوازع النفسية والمادية والأخلاقية للإنسان.
مفهوم السياسة في الإسلام:
وإذا تخطينا تلك المدارس الفكرية، وفهمها للسياسة، إنَّها: ( فنّ الحكم، وأنّها الكفاح من أجل السلطة) وأنها: ( أداة للتسلط، والسيطرة والتحكم) وأنّها ( فن الوصولية) وعدنا الى الإسلام، لنعرف رأيه في السياسة، وتحديده لمفهومها من خلال الممارسة التي تمّت على يد الرسول الكريم (ص) والمقتدين بنهجه، ومن خلال النصوص والمفاهيم الواردة في القرآن والسنّة... ومن خلال الدراسات السياسية والعقائدية، خصوصاً بحث (الإمامة) لدى العلماء والمفكرين الإسلاميين، نستطيع أن نحدّد هذا المفهوم بشكل واضح، وبعيد عن الاضطراب والضُبابيَّة التي اكتنفت المدارس الفكرية المختلفة خارج الإطار الإسلامي.
فبإستقراء، ومتابعة كلمة السياسة، والراعي والرعية، والإمام، والسلطان وولي الأمر، والبيعة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والشورى في الدراسات الإسلامية... وفي النصوص والمجالات ذات العلاقة، سنعرف انّ مفهوم السياسة في المدرسة الإسلامية، قريب من معناه اللغوي.
فكلمة (سياسة) تطلق على كل عمل يتعلق برعاية الأمة، وتدبير شؤونها.. سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو التعليمية، أو ادارة الدولة، أو نشاط الافراد والاحزاب الإسلامية، أو القضاء وإدارة العلاقات الخارجية والدفاع عن الأمة والعقيدة والأوطان... إلخ واذن فالحكومة مسؤولة عن رعاية شؤون الأمة، والأمة مسؤولة عن رعاية شؤونها، ومن رعاية شؤونها، مراقبتها للسلطة، ومحاسبتها، واسداء النصح والمشورة، وتحديد الموقف منها عند الإنحراف، والخروج عن الخط الإسلامي..
وهكذا نفهم انّ معنى السياسة هو ( الكفاح من أجل السلطة، والصراع عليها) وليس هو محصوراً في (فنّ الحكم المجرّد) وليس ( هي أداة تسلط طبقي) ولا هي ( فن الوصولية)... بل هي: " رعاية شؤون الأمة".
وتسأل عن هذا الواجب ابتداء الأمة الإسلامية بأجمعها، ثم تتركز المهمة (بالسلطة الإسلامية) مع بقاء المسؤولية السياسية قائمة من خلال واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على نحو الكفاية.
والواضح أنّ الرعاية، والاهتمام بشؤون الأمة ومصالحها، يدخل فيها فنّ الحكم، ونشاطات السلطة السياسية، ونشاطات الأمة السياسية، بما فيها الكفاح والثورة ضدّ الحاكم الظالم. وهكذا يتسع مفهوم السياسة في الإسلام، ليشمل كل ما هو رعاية لشؤون الأمة، ومصلحتها.
وبعبارة أخرى أنّ السياسة: عمل تقوم به الأمة، وجهاز السلطة، من أجل تحقيق الأهداف الأساسية للرسالة الإسلامية التي لخّصها الفقهاء بـ"جلب المصالح ودرء المفاسد".
وهكذا يتسع هذا المفهوم ليشتمل كل عمل ونشاط يمارسه، أو تقوم به الحكومة والأفراد والجماعة والمنظمات والأحزاب القائمة على أساس الإسلام من أجل: (جلب المصالح، ودرء المفاسد) لتحقيق الأمن، والدفاع الخارجي، والقضاء وتقديم الخدمات التعليمية، والطبية، وتقويم السلطة، وتحقيق العدل، وازاحة الظلم، وحماية الأخلاق، وتوجيه الاقتصاد، وفنّ إدارة السياسة، وأمثال ذلك ممّا يدور في دائرة الرعاية والعناية بشؤون الأمة، والحفاظ على مصالحها، ودرء المفاسد عنها.
وقد اتسع أخيراً مفهوم السياسة، كما فهمه الفكر الإسلامي، بعد التطور الذي حصل في الدساتير وموضوعاتها التي تعتني بعلاجها. بحيث أصبح الدستور وثيقة تحوي الأسس العامة لتنظيم الحياة وتوجيهها، وتطويرها بشتى مجالاتها، وأبواب نشاطها كما سبق الفكر الإسلامي إلى ذلك، ويتضح لنا ذلك من خلال دراسة النصوص الواردة في القرآن والسنة المطهرة.
- مفهوم السياسة في القرآن:
لقد تحدث القرآن الكريم عن السياسة والحكومة في موارد كثيرة من آياته، تحت عنوان الإمامة والخلافة والولاية والحكم فجعلها أمانة بيد الحاكم، وضرورة عقائدية لهداية الإنسان، واصلاح الحياة البشرية، لتحقيق العدل، وتطبيق القانون والنظام اللذين يحفظان إرادة الحق والعدل والخير في هذا الوجود، إرادة الله سبحانه.. وفيما يلي نقرأ مجموعة من الآيات الكريمة التي تعطينا صورة واضحة لمفهوم السياسة في الإسلام.
قال تعالى مخاطباً النبي داود (ع): (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (ص/ 26-28).
(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس/ 14).
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (البقرة/ 30).
(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء/ 58-59).
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص/ 83).
(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج/ 41).
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر/ 38).
(وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) (التوبة/ 12).
(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الانفال/ 61).
وكما ثّبت القرآن تلك الأسس الفكرية للحكم والسياسة. ثّبت كذلك مبدأ الشورى والتشاور كأساس من أسس النظام السياسي في الإسلام.
فقال تعالى مخاطباً نبيّه الكريم : (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) (آل عمران/159).
وقال تعالى : واصفاً المؤمنين في حياتهم السياسية والإجتماعية: (.. وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون) وفي موضع آخر تحدث عن البيعة والطاعة لولاة الأمور الذين يقيمون الإسلام وينفّذون سياسة الحقّ والعدل، واعتبرها واجبة على الأمّة فقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...) (الفتح/ 18).
وهكذا يثبت القرآن المبادئ الأساسية للسياسة، ويوضح مرتكزاتها في العديد من آياته اخترنا منها ما أوردنا اَنفاً للإيضاح والتعريف.
- مفهوم السياسة في السنة المطهرة:
وتتحدث النصوص الواردة عن رسول الله (ص) والأئمة الهداة (ع) والصحابة (رض) عن مفهوم السياسة والحكم والمسؤولية السياسية والعمل السياسي في الإسلام.
كما توضح السيرة العملية للرسول الكريم محّمد(ص) مفهوم السياسة والحكم أفضل ايضاح، فقد أقام الرسول (ص) دولته المقدّسة في المدينة المنوّرة، وطبق المفاهيم الإسلامية،لتكون نهجاً ودستوراً للحياة. ونختار من الأحاديث الشريفة، لنوضّح مفهوم السياسة في الإسلام وشموله ما يأتي:
روي عن رسول الله(ص) قوله: " فالأمير الذي هو على الناس راع ومسؤول عن رعيّته". وقوله (ص):"كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته...".
وروي عنه (ص) قوله:"ومَن لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم".
وروي عنه (ص) :" َمن ولي من أمر المسلمين شيئاً فولّى رجلاً، وهو يجد مَن هو أصلح منه للمسلمين، فقد خان الله وروسوله والمؤمنين".
" ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم، إلّا حرّم الله عليه الجنّة".
" ما من عبد استرعاه الله رعيّة، فلم يحطها بنصح، إلا لم يجد رائحة الجنة".
روي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قول النبي(ص):"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله وما اضاعتها، قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة".
وروى عن رسول الله(ص) قوله :"إنّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر".
وروى الإمام علي (ع) انّ رسول الله (ص) قال :"من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسنة رسول الله(ص) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغّير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله".
وروي عن الإمام الحسين علي بن أبي طالب(ع) قوله عندما أعلن الثورة على حكومة يزيد بن معاوية ورفض البيعة:"وإني لم أخرج اشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وانّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر..".
روي عن رسول الله (ص) قوله:"سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره فنهاه فقتله".
وروي عن الامام الصادق(ص) قوله:"إنّ رسول الله (ص) كان مسدّداً موفّقاً مُؤيَّداً بروح القدس، لا يزال ولا يخطئ فيما كان يسوس به الخلق".
وكتب الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر، واليه على مصر كتاباً بيّن فيه منهج العمل السياسي، وإدراة شؤون الدولة، وثبت اسس الحقوق، وسلوك الحاكم، وعلاقته بالأمة، ومسؤولياته. نقتطف منه :"واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكون عليهم سبعاً ضارياً، فانهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نضير لك في الخلق...".
ثم قال :"فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، وإنّ الله من فوق مَن ولاك وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم...".
"وتفقَّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنّ في صلاحه، وصلاحهم، صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض، ابلغ من نظرك في جلب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة، اخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً...".
"ثم استوصي بالتجّار، وذوي الصناعات، واوصي بهم خيراً..."
"واعلم مع ذلك انّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب مَضَرّةٍ للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فانّ رسول الله(ص) منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً، بموازين عدل، واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه، فنكِّل به، وعاقبة في غير إسراف".
" ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزمنى، فانّ في هذه الطبقة قانعاً ومُعترّاً، واحفظ الله ما استحفظلك فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك. وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فان للأقصى منهم، مثل الذي للأدنى... فإنّ هؤلاء بين الرعيّة أحوج إلى الإنصاف من غيرهم..."
إنّ استقراء النصوص الإسلامية التي أوردناها آنفاً توضح لنا معنى السياسة في الإسلام، ذلك لأنّها تشمل إدارة جهاز الدولة، وقيام الحاكم بواجبه المحدد له تجاه المحكوم، وفسح المجال أمام المحكوم لأن يمارس حقّه، وموقف المحكوم من الحاكم الملتزم والمتجاوز، وعلاقة لدولة بغيرها من الدول.
فالسياسة في الإسلام تعني إدارة شؤون الحكم، وتربية الإنسان على القيم والمبادئ الإسلامية، وتعني المعارضة ومقاومة الحاكم الظالم، وتقديم الخدمات، واعمار البلاد وتطويرها، كما تعني توجيه شؤون الإقتصاد وترشيدها، وحفظ أموال الأمّة وانمائها، كما تعني الإنتصار للمظلوم، والوقوف بوجه الظالم وكل علاقة يدخل فيها الحاكم والمحكوم ممّا يرتبط برعاية شؤون الأمّة وتدبيرها.
وتعني القيام بمهمّة القضاء، والدفاع، وحماية الأمن، وتمثيل الحاكم للأمة، والنيابة عنها، وحفظ حقوقها الأدبية والإنسانية...إلخ.
وهكذا يتّضح لنا: (إنّ كلمة سياسة في الفهم الإسلامي تُشِّكل وعاء لفظياً، يحوي كل هذه المعاني، وأمثالها..).
وبذا يتضخ انّ الفهم الإسلامي للسياسة يختلف عن الفهم الميكافيلي، والماركسي، والرأسمالي وأمثال تلك المفاهيم المذهبية للسياسة.
وقد عُرّفت السياسة في الفكر السياسي الإسلامي بأنّها:"رعاية شؤون الأمّة".
كما يمكننا أن نعرّف السياسة من وجهة نظر الإسلام أيضاً بأنّها:" كل عمل اجتماعي يستهدف توجيه الحياة الإنسانية، توجيهاً تكاملياً، ضمن علاقات الحاكم والمحكوم التي حدّدها المنهج الإسلامي".
لذلك نستعمل مصطلحات: السياسة المالية، السياسة الخارجية، السياسة التربوية، السياسة الإعلامية..إلخ.
ولا يكون النشاط سياسياً بمفهومه الاصطلاحي، الّا إذا كانت السلطة تشكّل أحد محاوره، كفّن إدارة شؤون العلاقات الخارجية بين الأمّة الإسلامية والأمم الأخرى، وكتوجيه التربية والتعليم، والأوضاع الاقتصادية في البلاد من قبل السلطة ..الخ.

المصدر: الثقافة السياسية في الإسلام والقرآن

 
 

جهاد عبد الحسن ناصر  

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : نشكرك جداً على هذا البحث الجميل والرائع ولكن النتيجة مفقوده او لايمكن لملمتها بسهولة فيمكن القول ان السياسية في الاسلام تعني (العدالة وفوقها الرحمة ) هذا ادق تعريف للسياسية في الاسلام .ودمتم سالمين

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 7052
 قيّم هذة المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 الحقوق والواجبات أساس تطور الحضارات
 موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب
 حقوق المرأة في الإرث اسلامياً
 علاج أمراض العين بعسل النحل
 آداب الاستئذان في الإسلام
 أدب المعاملة في ضوء القرآن الكريم
 حوار الحضارات
 معاني الألوان في القرآن الكريم
 الإسلام والبيئة
 شخصية النبي (ص) التربوية
 
الاکثر تعلیقا