علوم القرآن

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
د. صبحي ابراهيم الفقي
التحليل النصي للسور المكية

"سورة الأنعام"
نقول بداية إن النظرة الكلية التي تشمل ابعاد السورة كلها أمر يحتاج كثيراً من التأني في القراءة والتأمل والفهم. وذلك من أهم عناصر التحليل النصي؛ معرفة الفكرة الرئيسية أو الموضوع الرئيسي للنص. وهذا أمر ينقص الكثير من التفاسير؛ إذ يكتفي أغلب المفسرين بالتفسير الحرفي أو المعنوي، لكن على مستوى الآية الواحدة في الغالب.
"هذه السورة _الأنعام _ نموذج كامل للقرآن المكي... وهي تمثل طبيعة هذا القرآن وخصائصه ومنهجه، في موضوعها الأساسي بصورة فريدة...
وهذا يدفعنا إلى الوقوف عند هذه السورة بالتحليل؛ إذ فيها خصائص القرآن المكي ومنهجه، ومن ثم يكون من غير المنطقي تناول السور كلها بالتحليل.
الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة _مثل غيرها من السور المكية _ هو موضوع العقيدة الأساسي؛ "موضوع الألوهية والعبودية". وتعالج هذا الموضوع من خلال تعريف العباد برب العباد: "من هو؟ ما مصدر هذا الوجود؟ ماذا وراءه من أسرار؟ من هم العباد؟ من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود؟ من أنشأهم؟ من يطعمهم؟ من يكفلهم؟ من يدبر أمرهم؟ من يقلب أفئدتهم وأبصارهم؟ من يقلب ليلهم ونهارهم؟ من يبدئهم ثم يعيدهم؟ ... هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك من بثها من هذا الموات؟ هذا الماء الهاطل. هذا البرعم النابع. هذا الحب المتراكب. هذا النجم الثاقب، هذا الصبح البازغ، هذا الليل السادل. هذا الفلك الدوار... هذا كله من وراءه؟ ...
هذه القرون، وهذه الأمم، التي تذهب وتجىء، وتهلك وتستخلف.. من ذا يستخلفها؟ ومن ذا يهلكها؟.
فهذه الأسئلة كلها عبارة عن أمور مسندة إلى الله تعالى لا شريك له فيها، وكلها مرتبطة به. ومن ثم كان من الطبيعي أن يكون اتجاه السورة كله "يمضي إلى هذا الهدف المحدد ... ولذا فالموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل... وعلى الرغم من تعدد مقاطعها.
ومن جهة أخرى حين ننظر إلى مناسبة السورة _حيث تمثل السياق الخارجي الذي يسهم في بيان المرجعية الخارجية _ نجد أنها ترتبط بالموضوع الرئيسي للصورة؛ فمن المعلوم أن "حق التحليل والتحريم في أمور الذبائح والمطاعم، وحق تقرير بعض الشعائر في النذور من الذبائح والثمار والأولاد... كل هذه أمور ليس لأحد حق في تشريعها إلا الله تعالى. لكن الجاهلية كانت تبيح هذا التشريع لأنفسها لا إلى الله تعالى. وكذلك النظرة الثاقبة تقول إنه بما أن الذي خلق الخلق هو الله، فهو إذن الذي يعلم ما يصلح لهم وما لا يصلح؛ ومن ثم فهو الذي يحلل ويحرم. وهذا أمر عقائدي، ولهذا ارتبطت مناسبة السورة بهدفها.
والملاحظة للسورة تفضي إلى القول بأن السورة من بدايتها إلى نهايتها، تعالج موضوع العقيدة من خلال التعريف بالله تعالى، وذلك عن طريق وسائل عدة؛ منها كتاب الله المفتوح "الكون"، والعلم بما تخفيه النفس البشرية، والعلم بالغيب المتمثل في الأمم السابقة ومستقبل الأمم الحالية في الدنيا والآخرة، والإخبار بمشاهد القيامة، ومصير الخير والشر، وعن طريق إرسال الرسل... وغيرها من القضايا التي لا يمتلك التصرف فيها إلا الله العلي القدير.
إذا كان هذا باختصار موضوع السورة. فما علاقته بالتماسك النصي؟ ودور الضمائر في تحليلها؟
من الطبيعي، بعد عرض هذه الأمور المتعلقة بمناسبة السورة وموضوعها، أن نجد للضمائر دوراً في تحقيق التماسك بين الأجزاء التي تناقش هذه القضايا كلها لتربطها بخالقها ومسيرها.
الأول: الله تعالى.
الثاني: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث: المشركين.
الرابع: المؤمنين.
بالرجوع إلى الإحصائيات الموجودة بالجداول نلاحظ أن الضمائر التي تحيل إلى الله تبارك وتعالى بما فيها الإشارة والموصول يمكن تمثيلها في الجدول التالي:
الضمائر الشخصية
الإشارات
الموصولات
265 ضميراً
إشارتان في95،201
أحد عشر
وهذه الضمائر كلها، والذي يصل مجموعها إلى (278) ضميراً، تعود كلها إلى الله تبارك وتعالى. مع العلم بأن عدد آيات السورة (165) آية. فهل لهذه الإحصائية دلالة في التحليل النصي؟
والجملة الولى في هذه السورة تحمل نواة النص أو مفتاح النص الذي تتصل به الأطراف كلها وتتماسك معه.
ونحاول فيما يلي بيان حركة الضمائر التي تعود إلى الله تعالى. فنلاحظ أن الفكرة الأولى في هذه السورة تتمثل في مواجهة الكافرين والمكذبين وبيان مصائر المذنبين في الأمم السابقة؛ فنجد ان الآية الأولى تبدأ بـ :
(الحمدُ لله الذي خلقَ السمواتِ والأرض وجعلَ الظُّلماتِ والنُّور ثمَّ الذين كفروا بربِّهم يعدلون) / 1؛
فعلى الرغم من بيان تلك النعم من الله، نجد أن الذين كفروا لم يزدهم هذا إلا انصرافاً عنه سبحانه.
وملاحظة توزيع الضمائر التي تحيل إلى الله تعالى نجدها موزعة في السورة كلها. ولنلاحظ الكلمات التي تحمل ضمائر تعود إلى الله في الآيات الأولى:
الذي _ خلق _ وجعل _ هو _ الذي _ خلقكم _ قضى _ عند _ وهو _ يعلم _ يعلم_ أهلكنا _ مكناهم _ نمكن _ أرسلنا _ جعلنا _ فأهلكناهم _ أنشأنا نزلنا أنزلنا جعلناه _ لجعلناه _ وللبسنا_ كتب _ ليجمعنكم_ وله _ وهو_ فاطر _ وهو _ يطعم _ ولا يطعم _ رحمه_ كاشف _ هو يمسسك _ فهو _ وهو _ عباده _ وهو _ شهيد _ هو _ آتيناهم. فنجد أن الضمائر هي: الذي _ هو _ هو _ هو _ الذي _ هو _ هو _ الهاء _ هو _ هو _ هو _ هو نا _ نا _ نحن _ نا _ نا_ نا _ نا _ نا _ نا _ نا _ نا _ نا _ نا _ هو _ هو _ _ الهاء _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ هو _ الهاء _ هو _ هو _ هو _ نا.
فكلها تعود إلى الله تعالى السابق ذكره في النص؛ في الآية الأولى ومن ثم فهي مرجعية سابقة Anaphoric reference. وتعود كلها إلى نواة النص.
وكونها تعود إلى مرجع واحد، إذن فهي مرتبطة به شكلاً ودلالة، وكذا ترتبط الآيات بالآية الأولى محققة التماسك النصي. Cohesion بنوعيه الشكلي في اتفاق الضمائر، والدلالي في الإسناد والتماسك المعنوي بين الآيات.
فهذه الآيات تعرض للمحاجة الشديدة وعناد الكافرين على الرغم من آيات الله الكثيرة، والآيات من الله، والعناد من المشركين، ومن ثم كانت الآيات التي تحمل ضمائر تعود للمشركين أكثر الضمائر وروداً في السورة، وهذا تهويل من شأن هذا التكذيب والعناد، وحق التحليل والتحريم.
ولنتأمل مرة أخرى الضمير (هو) على مستوى السورة، ومرجعيته إلى الله تعالى، وما دلالة الآيات التي تحمل هذا الضمير التماسكية؟
من هذه الآيات قوله تعالى:
_ (وهوَ اللهُ في السّمواتِ وفي الأرضِ) / 3
_ (وهوَ السَّميعُ العليمُ) / 13
_ (وهوَ يُطعِمُ ولا يُطعَمُ) / 14
_ (فلا كاشفَ لهُ إلا هو) / 17
_ (فهوَ على كُلّ شيءٍ قديرٌ) / 17
_ (وهوَ القاهرُ فوقَ عبادِهِ) / 18
_ (وهوَ الحَكيمُ الخبيرُ) / 18
وإذا كان هذا شأن توزيع الضمير المنفصل، فإن موقف المتصل كالتالي:
_ (خلقَ السمواتِ والأرضَ وجعلَ الظُّلماتِ والنُّور) / 1
_ (خلقكُم من طينٍ ثُمّ قضى أجلاً) / 2
_ (يعلمُ سرَّكُم وجهركُمْ ويعلمُ ما تكسبونَ) / 3
_ (وإنْ يمسسكَ بخيرٍ) / 17
_ (قال أليسً هذا بالحقّ) / 30
أما الضمير المفرد المتصل؛ فأمثلته:
_ (وأجلٌ مسمّى عندَهُ) / 2
_ (كتبَ على نفسهِ الرحمةَ) / 12
_ (ولهُ ما سكَنَ في الليل والنّهارِ) / 13
_ (وهوَ القاهرُ فوقَ عبادهِ) / 18
إذن تمثل تلك المرجعية كالتالي:
مرجعية داخلية سابقة
ضمائر منفصلة (ظاهرة)
لفظ الجلالة ضمائر متصلة (ظاهرة)
ضمائر مستترة
وتلك الضمائر منها الغائب والمتكلم. ومنها المفرد والجمع، وكلها تعود إليه سبحانه وتعالى. وتوزيعها على آيات السورة، أغلبها، حتى الآية الأخيرة يحقق التماسك النصي بين هذه الآيات؛ فلفظ الجلالة يمثل العنصر الأول في بناء هذا النص.
والتماسك الدلالي في الضمائر المنفصلة أو الضمير المنفصل (هو) يبرز في كون الآيات التي بها هذا الضمير تتحدث عن الأمور التي تشرح هيمنة الله على الكون بأسره، وعلى الدنيا والآخرة، وتثبت أن كل شيء بيده تبارك وتعالى، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه خلق كل شيء، وعنده مفاتح الغيب... إلخ هذه الأمور التي أكدتها الآيات. ولكنها تؤدي في النهاية إلى تأكيد القضية الأساسية التي تدور حولها السورة كلها، وهي قضية العقيدة: الألوهية والعبودية.
وليس هذا في الضمائر المنفصلة فحسب، بل في الضمائر التي ذكرنا أمثلة لها ظاهرة ومستترة؛ كلها تؤكد، في تماسك عجيب، هذه القضية التي تمثل نواة السورة، أو الفكرة الأساسية في السورة، وهذا هو التماسك الدلالي الذي تحدثه الضمائر بالإحالة إلى مسند إليه واحد؛ وهو الله تعالى؛ فالإسناد هو العلاقة التماسكية الكبرى. التي تسهم في تحليل هذا النص.
وسياق السورة خاصة، والسور المكية عامة، يؤكد أو يقوي هذه المرجعية؛ فتقرير الألوهية والعبودية وأمور العقيدة وما يتصل بها من أمور سردتها السورة، هذا كله يجعل من الطبيعي تضافر هذه الضمائر كلها في الرجوع إلى الله تعالى. فلا يمكن، بحال من الأحوال، تصور هذه الآيات كلها بجانب بعضها دون رابط دلالي وشكلي يجمعها ويضمها في عقد واحد.
ومن المعلوم أن قائل هذا النص الكريم هو الله، وأن المخاطب المتلقي هو النبي صلى الله عليه وسلم لينذر الكافرين ويبشر المؤمنين. ومن الطبيعي، وهذا الخطاب من الله إلى نبيه، أن تكون هناك ضمائر ترجع إليه عليه الصلاة والسلام.
وبالرجوع إلى الجداول أمكن معرفة عدد هذه الضمائر كالتالي:
الضمائر الشخصية
الإشارة
الموصول
128 ضميراً
لا يوجد
لا يوجد
إذن تتوفر في هذه السورة وحدة المتكلم، وحدة المخاطب في الغالب، وحدة المكان، وحدة الزمان، بل وحدة القضية التي تعالجها السورة. وهذا كله ييسر السبيل أمام تحقيق تماسكه. هذا خلافاً لدور وسائل التماسك الأخرى كالتي تعرض هنا.
وبينما كانت مرجعية الضمائر التي تحيل إلى الله تعالى كلها داخلية، فإن الضمائر التي تحيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها خارجية؛ ذلك لأنه لم يذكر صراحة في النص، لكنّ هناك كثيراً من الدلائل التي توضح أنها تعود إليه، وهي تمثل السياق الموضح للمرجعية؛ فالمرجعية الخارجية Exophoric ref تكون للذي لم يجر له ذكر في النص.
ونماذج الآيات التي توجد بها مرجعية خارجية للنبي صلى الله عليه وسلم:
_ (ولو نزّلنا عليكَ كتاباً في قرطاسٍ) / 7
_ (وقالوا لولا أنُزلَ عليه مَلَكٌ) / 8
_ (ولقد استُهزىء برُسُلٍ من قبلكَ)/ 1
_ (قُل سيروا في الأرضِ) / 11
_ (قُل لِمَن ما في السّمواتِ والأرضِ)/ 12 _ (قُل للهِ) / 12
فالخطاب الموجه إليه صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن كونه تكليفاً بالتبليغ أو النذير أو البشير، أو رداً على حجج المشركين، أو تسلية له بإخباره أن ما يحدث له قد حدث للرسل من قبل. وهذه كلها أمور مرتبطة بقضية السورة الأساسية؛ قضية العقيدة التي يكذب بها المشركون ويؤمن بها المؤمنون.
إذن حتى مع تغير اتجاه الضمائر إلى الرسول عليه السلام، فإنها تصب في الاتجاه نفسه الذي تصب فيه الضمائر التي ترجع إلى الله تعالى.
وهذا سوف يلاحظ كذلك في الضمائر التي تعود إلى المشركين والمؤمنين؛ إذ كلها تدور حول المشرع الأول ثم الرسول الذي يتلقى التشريع ليبلغ به الناس كافة؛ فالله يريد لعباده الهداية إلى العبودية له تعالى، ورسول الله يبلغ هذه الإرادة عن الله، والمؤمنون يصدقون بما جاء به، والمشركون يكذبونه؛ فالكل يدور حول هذه القضية، ويمكن تمثيلها كالتالي:
الضمائر التي تحيل إلى لفظ الجلالة (278 ضميراً)
الضمائر التي تحيل إلى قضية الضمائر التي تحيل إلى
المؤمنين (50 ضميراً) العقيدة الكافرين (413 ضميراً)
الضمائر التي تحيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
(128 ضميراً)
فالكل يتجه نحو هذه القضية إما بالتكليف أو التبليغ أو التصديق أو التكذيب.
أما الضمائر التي ترجع إلى المشركين في هذه السورة، فإنها تتصل بالأفعال التي توضح أنهم الذين أباحوا لأنفسهم حق التحليل والتحريم، والذين كذبوا الرسل من قبل، وأشركوا بالله، واستهزءوا برسول الله والرسل من قبله، والذين لم يؤمنوا بآيات الله، والذين كانوا يمثلون الأغلبية، وكذا مع أغلب الرسل... إلخ من أعمالهم السيئة التي عملوها مع رسول الله ومن قبله، والتي أشارت إليها السورة في كثير من الآيات كما هو واضح من الإحصاء.
وربما يجيب هذا عن التساؤل القائل: لم كانت الضمائر التي تحيل إلى المشركين أكثر عدداً من غيرها؟.
وهذا أمر طبيعي؛ فالله واحد لا شريك له، والرسل كلهم دعوة واحدة، والمؤمنون كلهم طائفة واحدة، لكن المشركين ملل وطوائف كثيرة، وعددهم أكثر، وما فعلوه من تكذيب وسخرية واستهزاء وإعراض وكفر، هذا كله يحتاج إلى رد كثير على افتراءاتهم المتعددة، ومن ثم كانت الضمائر أكثر، وهي كالتالي:
الضمائر الشخصية
الإشارة
الموصول
المجموع
384 ضميراً
ضميران
27 ضميراً
314 ضميراً
فالمواجهة بل المواجهات كثيرة وصعبة، وسبل الإقناع ينبغي أن تكون لذلك كثيرة من تعريف بحقيقة الألوهية التي تشمل الهيمنة على الوجود كله، ومن تعريف بمواقف المكذبين على مر العصور، ومصارعهم، وتعريفهم بموقفهم يوم القيامة؛ يوم الحشر، وأنهم الخاسرون.
ولنعرض بعضاً من الآيات التي تحمل ضمائر تعود إلى المشركين:
_ (ثُمّ الذينَ كفروا بربّهم يعدلونَ)/ 1
_ (ثُمّ أنتُم تمترونَ) / 2
_ (إلاّ كانُوا عنها مُعرضينَ) / 4
_ (فقد كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهُمْ فسوفَ يأتيهم أنباءُ ما كانوا بهِ يستهزئونَ)/5
فالمواجهات لم تكن مع المشركين بالرسالة المحمدية فحسب، بل مع مشركي العصور السالفة كذلك، وضمنياً مع مشركي العصور القادمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه المرجعيات كلها بصفة عامة سابقة إذ ذكر الذين كفروا في الآية مفتاح السورة لكن بالنسبة للآيات التي بها موصولات نجد أن المرجعية سابقة ولاحقة؛ فمثلاً يقول تعالى: (ثُمَّ الّذينَ كفروا بربّهم يعدلونَ)/1
مرجعية مرجعية
الذين كفروا بربهم
بعدية قبلية
ومن الملاحظ أن الضمائر تكاد تتوزع على الآيات كلها بصورة واضحة؛ بل وجدت بعض الآيات، مثل الآية (25)، وصل عدد الضمائر التي تحيل إلى المشركين فيها إلى اثني عشر ضميراً، والآية (27) سبعة ضمائر. وهذه الضمائر تحقق التماسك الداخلي للآية التي هي نواة النص، وذلك بعودتها إلى محال إليه واحد.
والآية نفسها تحمل مرجعية بعدية كذلك مثل الضمير في (به) في الآية العاشرة، فإنه "يتعلق بـ (يستهزءون). التالية. وفي الآية نفسها توجد مرجعية قبلية أو سابقة؛ فالضمير في (منهم) يعود سابقاً إلى (رسل)، وتبادل هذه المرجعيات في آية واحدة يماثل ما يحدث على مستوى السورة.
وكذلك المرجعية الخارجية يمكن أن تتضح في قوله تعالى:
(حتّى إذا جاءتُهُم السّاعةُ بغتةً قالوا يا حسرتنا على ما فرَّطْنا)/ 31
"فالضمير في (فيها) يعود على الساعة، والتقدير في عمل الساعة، وقيل يعود على الأعمال، ولم يجر لها ذكر صريح، ولكن في الكلام دليل عليها".
فالأعمال غير موجود ذكرها صراحة داخل النص، غير أن سياق الكلام بيّنَها، لهذا فمرجعيتها خارجية.
أما العنصر الرابع من العناصر التي يدور حولها النص؛ فهو عنصر المؤمنين، وذكر أن مواضعه لم تتجاوز الخمسين موضعاً على الأكثر، وذكر السبب، فيما نعتقد سابقاً، أن المؤمنين طائفة واحدة مؤمنة، ولم تعترض حكم الله، ولم تجادل فيه، ولم تصنع لنفسها تشريعاً خاصاً بهم، وكذلك فالنص أصلاً في هذه السورة كان يهدف إلى توبيخ المشركين على ما فعلوه.
وأول ذكر ضمني لا صريح للمؤمنين كان في الآية السادسة عشرة:
(مَنْ يُصْرَف عنهُ يومئذٍ فقد رحِمَه وذلكَ الفوزُ المُبينُ).
وذكرهم لم يقتصر على المؤمنين برسول الله وحدهم، بل تعداه إلى المؤمنين بالأنبياء الآخرين، وكذلك من الضمائر التي تعود على المؤمنين، نعد الآيات التي تعود على الأنبياء منها؛ لأن الأنبياء بالطبع مؤمنون مثل قوله تعالى:
(ولقدْ كُذّبت رسُلٌ من قبلكَ فصبروا على ما كُذّبوا وأُوذُوا حتّى أتاهُمْ نصرُنا) الآية/ 34.
ونظراً لعدم ذكر المؤمنين صراحة في النص؛ فإن المرجعية لهم، بصفة عامة، مرجعية خارجية. وتعرف من خلال السياق؛ فالآية (16) من المعروف أن الذين يصرف الله عنهم العذاب، هم المؤمنون، وهذا يعرف من خلال السياق الذي يوضح أن العذاب للكافرين، والنعيم للمؤمنين. وهذا يرجع إلى دور المتلقي في هذه المعرفة.
وهناك آيات كثيرة لا تدرك مرجعيتها إلا بالسياق المحيط بالنص القرآني، ونستعرض بعضها فيما يلي: يقول تعالى:
(وهُمْ ينهَوْنَ عنْهُ وينْأونَ عَنْهُ)/ 26.
الآية السابقة على هذه الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم في مثل (إليك، جاءوك، يجادلونك)، وهذه الآية تواصل ذلك الحوار؛ ومن ثم فالسياق اللغوي يبين أن الهاء في (عنه) و (عنه) ترجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن السؤال:
إلى من ترجع الضمائر (هم) و (الواو) في (ينهون) و (ينأون)؟
هذا الغموض من الصعب إزالته بدون الرجوع إلى السياق كما أكد ذلك علماء النصية. والسياق هنا هو مناسبة النزول. وبالرجوع إلى كتب أسباب النزول نجد السيوطي يقول: "روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عما جاء به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال قال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر". ويضيف الواحدي قوله: "وقال محمد بن الحنفية والسدي والضحاك: نزلت في كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع محمد، ويتباعدون بأنفسهم عنه... فإنه لم يجر له ذكر صريح في السورة، ومن ثم فهي مرجعية خارجية تعتمد على السياق.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
(ومَنْ أظلَمُ ممّنِ افترى على اللهِ كذباً أو قالَ أُوحيَ إليَّ ولم يُوحَ إليهِ شيءٌ)/93
فتوجد سبعة ضمائر اجتمع فيها الغموض لعدم معرفة المرجوع إليه. ويقال إنها: نُزلت في مسيلمة (ومن قال سأنزل مثلما أنزل الله)، قال نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فيملي عليه: عزيز حكيم، فيكتب: غفور رحيم، ثم يقرأ عليه، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش. وأخرج عن السدى نحوه وزاد: قال: إن كان محمد يوحي إليه فقد اوحي إلى، وإن كان الله ينزله فلقد أُنزلت مثلما أنزل الله، قال محمد: سميعاً عليماً، فقلت أنا: عليماً حكيماً.
ونمثلها كالتالي:
مرجعية خارجية إلى
مَن (من)
إلى مسيلمة الكذاب أظلم (هو)
مَن (من)
أو افترى (هو)
عبد الله بن أبي سرح قال (هو)
إلى (الياء)
إليه (الهاء)
فمناسبة النزول هذه من بين الأمور الواجب توفر إدراكها لدى المتلقى للنص؛ فلو لا إدراكه لهذه المناسبات لما استطاع معرفة مرجعية الضمير، ومن ثم يغيب كثير من معالم الدلالة، وقد ينقص من تماسكها نظراً لعدم وضوح مرجعية الضمائر بها، وغموض دلالتها.
أما بالنسبة للإشارة فإنها تقوم، غالباً، بالدور نفسه الذي تقوم به الضمائر الشخصية، غير أن (هذا) لا تتعدى إشارته الآية الواحدة في الغالب.
أما (ذلك) فإن (ذا) يتعدى الجملة الواحدة إلى الربط بين أكثر من جملة مثل:
_ (ذلكَ هُدى اللهِ يهدي بهِ من يشاءُ من عبادهِ)/ 88
فقبلها قوله تعالى:
_ (وحاجَّهُ قومُهُ قالَ أتُحاجُّونّي في اللهِ وقد هدانِ)/ 8.
فالإشارة (ذا) إلى الهدى المذكور فمرجعيته سابقة، وربطت بين الآيات، وهذه من وظائف الضمير؛ فـ (ذا) أشار إلى ما سبق كله. مع ملاحظة أن الهدى مسند إلى الله تعالى.
وقد أشار الزمخشري إلى أن الضمير يجري مجري الإشارة. وهنا نؤكد أن الإشارة قد جرت مجرى الضمير من ناحية وظيفته الرابطة.
أما الموصولات، فإن دورها في التماسك النصي يعتمد، في أغلب الأحيان، على الجملة الواحدة، لكنها في النهاية ترجع إلى مرجوع واحد هو الله تعالى. فمرجعية (الذي) على مستوى الجملة داخلية، ولكن بملاحظة المرجعية العامة نجد أنها تعود إلى الله تعالى.
وكذلك (الذين) أغلب مرجعيتها إلى المشركين، وقليل منها يشير إلى المؤمنين.
فالضمائر الشخصية تحتل المرتبة الأولى في الانتشار في أرجاء السورة، وفي دورها في تحقيق التماسك النصي (الشكلي والدلالي)، ومن بعد تأتي الموصولات والإشارات ومن ثم كان عدد الضمائر الشخصية أكثر من الإشارات والموصولات بأضعاف كثيرة.
وبصفة عامة يلفت النظر وجود (1456) ضميراً في سورة الأنعام التي يبلغ عدد آياتها (165) آية، وهذا أمر يدعو للتأمل، والقول بأن للضمائر دوراً بارزاً في تحقيق تماسك هذه السورة.
-----------------------
*علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق /ج1

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com