|
* المهندس عدنان الرفاعي
لو نظرنا إلى أي نص من نصوص القرآن الكريم، لرأينا أنه يتألف من مجموعة من الكلمات المختلفة، وأن كل كلمة ترتبط مع نظيراتها ارتباطاً تاماً، ومطابقاً تماماً لحقيقة وجودها، وأن ذلك ينعكس في مجموع ورود هذه الكلمات في القرآن الكريم.
لو نظرنا الآن إلى هذا النص، من زاوية مجموع تعداد هذه الكلمات المختلفة التي يتألف منها. ضمن هذه الرؤية، سنجد أننا أمام بعد جديد آخر من أبعاد هذه المعجزة، فمجموع كلمات أي نص، يرتبط ارتباطاً تاماً مع حقيقة وجوهر المسألة، التي يصفها ويصورها هذا النص. إن العدد الدال على مجموع هذه الكلمات، هو العدد نفسه الدال على مجموع الواحدات الأساسية التي تخص وتميز المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص. وبحيث تكون كل واحدة وصف وتسمية من واحدات وصف وتسمية هذا النص، مقابلة تماماً لواحدة من واحدات المسألة التي يصفها هذا النص.
إن النص القرآني الذي يصف مسألة ما، يرتبط بجانب من جوانب هذه المسألة، ويأتي مجموع الكلمات (واحدات الوصف والتسمية) لهذا النص مطابقاً لجوهر وسر جانب هذه المسألة، وإن عدم إدراكنا لماهية وجوهر هذا الجانب، هو سبب عدم إدراكنا لسر مجمع كلمات النص التي تصف هذه المسألة من هذا الجانب.
وسنتعرض لبعض النصوص القرآنية الكريمة التي تصف وتسمي مسائل من جانب ارتباطها بمجموع واحدات الزمن التي تخص هذه المسائل. وسبب اختيار ذلك هو علمنا المسبق بمجموع واحدات الزمن التي تخص هذا الجانب.
لقد تم اختيار مسائل ذات جانب مرتبط بأعمار المرسلين (ع)، تلك الأعمار التي نعرفها، وهذا لا يعني أن كل نص يتحدث عن المرسلين (ع)، يحمل صورة جانب واحد هو الارتباط بمجموع واحدات الفترة الزمنية التي عاشها المرسلون (ع). إن هناك جوانب وأسراراً كثيرة تصفها وتصورها النصوص القرآنية التي تتحدث عن المرسلين، ولكن عدم علمنا بجوهر وأسرار هذه الجوانب، هو الذي جعلنا نختار المسائل المرتبطة مع الجانب الزمني المعروف مسبقاً.
وكل نص قرآني يصف مسألة ما، مهما كانت هذه المسألة، يرتبط مجموع كلماته بجانب من الجوانب التي يصفها ويصورها هذا النص. وإن عدم إدراكنا لمجموع الواحدات الأساسية التي يصفها جانب هذه المسألة عبر النص القرآني الكريم، يحول بيننا وبين إدراك سر مجموع واحدات الوصف والتسمية (الكلمات) التي يتكون منها هذا النص.
ولنأخذ أمثلة على ذلك:
نحن نعلم أن مجموع سني حياة عيسى (ع) قبل أن يرفع إلى السماء هو (33) سنة، ونعلم أن عيسي (ع) ولد بمعجزة، لذلك فإن مجيئه إلى الدنيا بهذه الخصوصية، أثار آنذاك مسألةً في المحيط الذي حدثت فيه هذه المعجزة.
(فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم مَن كان في المهد صبياً * قال) 19/ 27 ـ 29.
ويأتي النص الذي يصف ويصور ما قاله عيسى (ع)، وهو في المهد، وتأتي كلمات هذا النص بشكل يحمل معه دليل صدق هذه المسألة، التي يصفها ويصورها القرآن الكريم.
(إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبياً * وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً * وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً * والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) 19/ 30 ـ 33.
(33)
إن مجموع الكلمات التي قالها (ع) هو (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع). وهكذا نرى كيف أن مجموع كلمات النص مطابق تماماً لمجموع الواحدات الزمنية لماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
وتأتي الكلمات التي تلي هذه الكلمات مباشرة، لتكون نصاً يصف المسألة نفسها، وبواحدات وصف وتسمية مرتبطة تماماً مع عمره (ع).
(ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وهذا صراط مستقيم) 19/ 34 ـ 36.
(33)
إن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة، وهكذا نراها ترتبط ارتباطاً تاماً مع ماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
وهذا نص آخر يصف ويصور الافتراء الذي لحق بهذه المسألة.
(33)
(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه مَن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) 5 ـ 72.
(33)
ونجد أيضاً أن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة، بحيث يرتبط ارتباطاً تاماً مع حياته (ع).
وتأتي الكلمات التي تلي هذه الكلمات مباشرة، لتكون نصاً يصف ويصور المسألة نفسها، وبواحدات وصف وتسمية مرتبطة مع عمره (ع).
(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) 5/ 73 ـ 74.
(33)
(33) كلمة كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع) قبل رفعه إلى السماء.
وهذا نص يصف ويصور مسألة عيسى (ع):
(ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون * وقالوا أألهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) 43/ 57 ـ 59.
وأيضاً (33) كلمة تقابل (33) سنةن هي حياة عيسى (ع).
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، عبر خطاب من الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء الذين افتروا على الله جل وعلا، بأنه اتخذ عيسى (ع) ولداً.
(لقد جئتم شيئاً إداً * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولداً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً * إن كل من في السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبداً) 19/ 89 ـ 93.
(33)
ونرى أيضاً أن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة.
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، من خلال رد الله سبحانه وتعالى على قولهم وافترائهم بأنهم قتلوه وصلبوه.
(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) 4/ 157 ـ 158.
(33)
وأيضاً (33) كلمة، بحيث يرتبط مجموع كلمات هذا النص ارتباطاً تاماً مع مجموع سني حياته (ع).
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، عبر حديث يبين لنا مهمة القرآن الكريم، فمن مهمات القرآن الكريم، إنذار أولئك الذين قالوا اتخذ الله ولداً.
(وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً * ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً * فلعلك باخع نفسك على أثرهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) 18/ 4 ـ 6.
(33)
وأيضاً (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من حياته (ع).
وهذا نص آخر يصور ويصف مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة الرسول (ص) وعبر حديث يبين للمؤمنين كيفية مخاطبته ومعاملته (ص).
(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) 49/ 1 ـ 4.
(63)
إن مجموع كلمات هذا النص وهو (63) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياة الرسول (ص)، وهكذا نرى كيف أن مجموع كلمات النص يرتبط ارتباطاً تاماً بماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة يحيى (ع)، وذلك عبر حديث يبين دعاء زكريا (ع) واستجابة الله سبحانه وتعالى لهذا الدعاء، بأن وهبه يحيى (ع).
(وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيي وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) 21/ 89 ـ 90.
(30)
وهكذا نرى أن مجموع كلمات هذا النص هو (30) كلمة، حيث يرتبط ارتباطاً تاماً مع ماهية المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص.
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة سليمان (ع).
(ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب) 38/ 34 ـ 40.
(53)
إن مجموع كلمات هذا النص هو (53) كلمة، تقابل الـ (53) سنة التي عاشها (ع). وهكذا نرى كيف أن كل واحدة وصف وتسمية، تقابل واحدة من واحدات الزمن التي يصفها هذا النص.
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، مرتبطة ارتباطاً تاماً بحياة صالح (ع)، وذلك عبر كلمات يوجهها صالح إلى قومه، يدعوهم فيها إلى تقوى الله سبحانه وتعالى.
(كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتتركون في ما ههنا آمنين * في جنات وعين * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) 26/ 141 ـ 152.
(58)
إن مجموع كلمات هذا النص هو (58) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياة صالح (ع). وبحيث يكون مجموع كلمات هذا النص مطابقاً تماماً لمجموع سني حياته (ع).
وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة موسى (ع) والسبعين رجلاً الذين اختارهم.
(واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها مَن تشاء وتهدي مَن تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به مَن أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) 7/ 155 ـ 156.
(71)
إن موسى (ع) كان يتحدث باسم نفسه والسبعين رجلاً الذين اختارهم، أي أنه كان يتحدث باسم (71) رجلاً، فعناصر هذه المسألة هي (71) عنصراً، لذلك نرى أن مجموع كلمات هذا النص التي تصف هذه المسألة يطابق تماماً مجموع عناصرها.
وهكذا رأينا من خلال النصوص القرآنية السابقة، كيف أن مجموع كلمات النص، تصف وتصور المسألة تصويراً مطلقاً، بحيث يرتبط مجموع واحدات الوصف والتسمية، ارتباطاً تاماً مع مجموع الواحدات الزمنية لماهية المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص.
* * *
إن العبارة الكلامية المصورة لمسألة ما، هي الشاشة التي تظهر ساحة شعور المتكلم، وتبين تصوره ومفهومه بالنسبة لهذه المسألة.
عندما يوجد بداخلنا صورة ما لمسألة ما، ونريد إخراج هذه الصورة ـ عبر الكلام ـ من داخلنا إلى الخارج، فإننا نحتاج إلى عبارة تنضح من داخلنا هذه الصورة. وتكون الصورة الظاهرة التي ترسمها هذه العبارة، قريبة أو بعيدة من الصورة الحقيقية الموجودة بداخلنا ـ في ساحة شعورنا في زمان محدد ومكان محدد ـ بمقدار ما نملك من قدرة التعبير عن ذلك.
وأثناء حديثنا لا يمكننا أن نتصور أن كلمات العبارة التي نتحدث بها، تظهر أكثر من صورة واحدة، وأن تنضح من داخلنا أكثر من مفهوم واحد في الوقت نفسه. قد يفهمها الآخرون غير ذلك، وقد تحمل هذه العبارة عدة صور ومفاهيم، ولكننا أثناء النطق بها، لا يمكننا تصور صورتين مستقلتين زماناً ومكاناً في الوقت نفسه، لأننا أردنا ـ أثناء النطق بهذه العبارة ـ تصوير مفهوم ما، يحده زمان محدد، ومكان محدد، ولا يمكننا تجريد هذا المفهوم من إطار المكان والزمان الذي يحكمه، لأننا نحن محكومون بهذا الإطار.
لو فرضنا جدلاً أننا نريد ـ أثناء النطق بهذه العبارة ـ تصور أكثر من مفهوم واحد في الوقت نفسه، فإن ذلك يحتاج إلى أن نفلت من إطار المكان والزمان الذي يحكمنا، لكي نجرد كل صورة ـ من الصور التي يفترض أن تحملها هذه العبارة ـ من زمانها ومكانها الخاص بها، ودمجها مع بقية الصور الأخرى، والتي جردت جميعها من هذا الإطار (إطار المكان والزمان)، وبعد ذلك ندخل نحن وعبارتنا هذه إلى إطار المكان والزمان، لنجدها تحمل في كل مرة ننطق بها، صورة محدددة بمكان وزمان مستقلين عن بقية الصور التي حملتها هذه العبارة. وبما أننا نحن محكومون بإطار المكان والزمان، لا يمكننا في تلاوة واحدة لهذه العبارة تصور أكثر من صورة واحدة، ومفهوم واحد، من الصور والمفاهيم التي حملتها هذه العبارة، أثناء تجريدنا إياها من إطار المكان والزمان. وإذا أردنا رؤية صورة أخرى، من الصور التي حملتها هذه العبارة، علينا تلاوتها من جديد بتصور آخر.
إن تكوين عبارة تحمل هذه الصفة هو من المستحيل على البشر، لأنه يستحيل عليهم الإفلات من إطار المكان والزمان، وأن يعيشوا في لحظة واحدة زمنين مستقلين.
إن الأعظم من ذلك أن نتصور أن هذه العبارة المصورة لمسألة ما، قد اجتزئ منها جزء يصور مسألة أخرى مستقلة زماناً ومكاناً عن المسألة الأولى، وأن لكل من العبارتين ـ العبارة الكلية والعبارة الجزئية ـ استقلاليتها الخاصة بها زماناً ومكاناً.
والأعظم من ذلك أن نتصور أن كل صورة من هاتين الصورتين ـ الصورة الكلية والصورة المجتزأة منها ـ ترتبط بجوهر وروح المسألة التي تصفها وتصورها، وبحيث يكون مجمع واحدات الوصف والتسمية ((وواحدات التصوير)) لكل من الصورتين الكلية والجزئية، مطابقاً تماماً لمجموع الواحدات الأساسية المقابلة لكل حالة.
قد يتصور بعض الناس أن من الممكن تكوين مثل هذه العبارة التي تحمل صورة مسألة كاملة، وبحيث يكون مجموع واحداتها مطابقاً تماماً لمجموع واحدات المسألة المقابلة، وفي الوقت نفسه يمكن اجتزاء جزء منها، وبحيث يكون مجموع واحدات هذا الجزء مطابقاً تماماً لمجموع واحدات المسألة التي يصفها ويصورها. قد يتصور هؤلاء البعض أنه من الممكن تكوين مثل هذه العبارة. ولكن لو علم من تصور ذلك، أن هذه العبارة الكلية، وعباراتها الجزئية، وكلماتها، وحروفها ـ إذا قورنت بالعبارة القرآنية ـ لكل ارتباطاته الكثيرة التي لا يعلم حدودها إلا الله تعالى، لعلم، على قدر علمه، كم هو مستحيل على البشر تكوين مثل هذه العبارة.
لذلك في كلام البشر، لا يمكن اجتزاء جزء من الكلمات التي تصور مفهوماً ما، لتصوير مفهوم آخر مستقل عن المفهوم الذي تصوره الكلمات مجتمعة، وبحيث يكون لكل من المفهومين استقلاليته الخاصة به، وانعكاس ذلك في مجموع الكلمات التي تصف كل مفهوم والتي تطابق بشكل مطلق جوهر هذا المفهوم.
أما في القرآن الكريم ـ المتعلق بصفات الله تعالى ـ نجد أن اجتزاء جزء من العبارة القرآنية ـ شريطة اكتمال الصورة التي يصفها ويصورها هذا الجزء ـ يحمل صورة أخرى، مستقلة عن الصورة التي تحملها هذه العبارة كاملة. والإعجاز الإلهي وعظمة التصوير الإلهي تحيط بذلك، لذلك نرى أن مجموع واحدات كل من الصورتين ـ الصورة التي تحملها العبارة كاملة والصورة التي يحملها الجزء المجتزأ منها ـ يأتي مطابقاً تماماً لماهية الشيء الذي تحمله العبارتان في كل حالة. وهذه الصفة هي واحدة من مجموعة الصفات التي لا تنتهي والتي تميز كلام الله تعالى ـ القرآن الكريم ـ عن كلام البشر.
لننظر إلى الصورتين التاليتين، الصورة الكلية التي يحملها الجزآن معاً، والصورة الجزئية التي يحملها الجزء الأول.
(يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه وأحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سرح مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب).
(33)
(وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين) 61/ 6 ـ 7.
إن الجزأين معاً يصفان مسألة كاملة، هي الظلم في افتراء الكذب على الله تعالى، أثناء الدعوة إلى المنهج السليم الذي يريده الله تعالى لعباده، وذلك عبر خطاب من عيسى (ع) لبني إسرائيل، يبين لهم فيه هذا المنهج السليم، وكيف أنهم افتروا على الله تعالى الكذب أثناء دعوتهم إليه. فكلمة الكذب في هذه الصورة الكاملة التي تحوي الجزأين معاً، تتعلق بالافتراء على الله تعالى أثناء الدعوة إلى الإسلام. وفي هذه الصورة الكلية نرى أن الجزأين يرتبط بعضهما ببعض ارتباطاً تاماً، لإظهار الصورة التي تحملها هذه العبارة الكلية.
ولو نظرنا إلى الصورة المجتزأة التي يصفها الجزء الأول، وبشكل مستقل عن الجزء الثاني، لرأيناها تصف مسألة مستقلة تتعلق بعيسى (ع)، فكلمة الكذب التي انتهت عندها هذه الصورة، تعود إلى قولهم هذا سحر مبين. وهذه الصورة المجتزأة التي تخص مسألة عيسى (ع)، نراها مرتبطة ارتباطاً تاماً بحياته، فهي مكونة من (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع).
وهكذا نرى كيف أن كلمة الكذب تحمل صورتين مستقلتين، مرة جاءت متعلقة بقولهم هذا سحر مبين، بعد أن جاءهم عيسى (ع) بالبينات، لذلك رأيناها تدخل ضمن معادلة مرتبطة بحياة عيسى (ع)، ومرة جاءت متعلقة بافترائهم على الله تعالى أثناء دعوتهم إلى الإسلام، لذلك رأيناها تدخل ضمن معادلة أخرى.
وأثناء قراءتنا لكلمة الكذب، لا يمكننا بقراءة واحدة، تصور هذين المفهومين المستقلين بآن واحد، وحتى نتصور كل مفهوم علينا بقراءة جديدة. فتصور المفهوم المرتبط بحياة عيسى (ع)، يقتضي الوقوف عند كلمة الكذب. ولتصور المفهوم الكلي علينا عدم الوقوف عند هذه الكلمة، ومتابعة قراءة باقي الكلمات. وقد رأينا كيف أنها في كل حالة تأتي موافقة للمسألة التي تنتمي إليها بشكل مطلق.
وهذا مثال آخر.
لننظر في الصورة المجتزأة من الآيات الكريمة، والتي تحمل صورة مستقلة مرتبطة بمسألة مستقلة تخص عيسى (ع) وقومه، رغم ارتباطها التام بالصورة الكلية التي يحملها الجزآن معاً ..
(وقفينا على أثرهم بعيسى ابن مرسم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه).
(33)
(ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) 5/ 46 ـ 47.
إن الصورة كاملةً ـ الجزءان معاً ـ تصف لنا مسألة كاملة ومستقلة، هي ضرورة الحكم بما أنزل الله تعالى، وأن مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى فأولئك هم الفاسقون، وذلك عبر مثال يبين كيف أن الله تعالى أرسل عيسى (ع)، وأعطاه المنهج الذي يجب أن يحكم به الناس. ونرى في هذه الصورة أن الجزأين يرتبطان مع بعضهما ارتباطاً تاماً لتكوين صورة هذه المسألة.
ولو نظرا إلى الجزء الأول، لرأيناه يرتبط ارتباطاً تاماً بعيسى (ع) وبقومه، ليصف لنا مسألة مستقلة تخص عيسى (ع). لذلك نرى أن عظمة الوصف الإلهي تتجلى في ذلك، فمجموع كلمات هذا الجزء هو (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع).
ولو نظرنا إلى الجزء الثاني بشكل مستقل، لرأيناه يصف مسألة عامة، تخص جميع مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى، سواء أهل الإنجيل أم غيرهم. لذلك نرى أن كلمات هذا الجزء لم تدخل في المعادلة المطلقة التي تصف لنا حياة عيسى (ع) وقومه، والمرتبطة بمجموع السنين التي عاشها قبل رفعه إلى السماء. رغم ارتباط هذا الجزء مع الجزء الأول في مسألة واحدة.
وهذا مثال آخر ..
(يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين * قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر).
(33)
(قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) 3/ 45 ـ 47.
إن الصورة المجتزأة التي يحملها الجزء الأول، تخص حياة عيسى (ع) خاصة، فهي تنقل البشرى التي حملتها الملائكة إلى مريم (ع)، ورد مريم على ذلك، ذلك الرد الذي توجهت به إلى الله تعالى. ونرى أن مجموع كلمات هذه الصورة المجتزأة التي تخص مسالة عيسى (ع) بشكل خاص، أتى مرتبطاً تماماً مع عمره، فمجموع كلمات هذه الصورة هو (33) كلمة.
ولو نظرنا إلى الجزء الثاني ـ الذي يرتبط مع الجزء الأول ارتباطاً تاماً ـ لرأيناه يصف طلاقة القدرة الإلهية في خلقه عزوجل للأشياء. وكيف أن هذه القدر لا تحتاج إلى أسباب، فمجرد وجود الإرادة الإلهية تظهر هذه الأشياء للوجود.
صحيح أن هذا الجزء أتى جواباً على استفسار مريم (ع)، وكيف ستلد ولم يمسسها بشر، لكنه جواب عام يبين طلاقة القدرة الإلهية، فنحن البشر تعودنا على الأسباب، ويصعب علينا تصور حدوث الأشياء بعيداً عن الأسباب التي تؤدي إليها. فالحمل والولادة لابد له ـ في تصورنا ـ من اجتماع الذكورة والأنوثة والصورة التي يحملها هذا الجزء تبين أن الأسباب هي بيد الله تعالى، وأن قدرته وإرادته وخلقه للأشياء لا تحتاج إلى أسباب.
وهكذا نرى أن هذا الجزء الذي يصف ويصور مسألة عامة، لم تدخل كلماته في مجموع الكلمات التي تصف مسألة عيسى (ع)، بشكل خاص ومرتبط به بشكل مباشر.
وهذا مثال آخر ..
(ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذين تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا).
(33)
(من عذاب يوم أليم) 43/ 63 ـ 65.
إن الجزء الأول يصف مسألة تتعلق بحياة عيسى (ع) خاصة، وهي مسألة تامة وكاملة. لذلك نرى أن مجموع كلمات هذه الصورة هو (33) كلمة، تقابل الـ (33) سنة التي عاشها (ع) قبل رفعه إلى السماء. ونرى أن كلمة ظلموا في هذه الصورة المستقلة والمنتهية عند هذه الكلمة، تتعلق باختلافهم، بعد أن جاءهم عيسى (ع) بالبينات، فهي مرتبطة ارتباطاً تاماً بهذه المسألة التي تخص حياته (ع).
أما الجزء الثاني (من عذاب يوم أليم)، والذي يرتبط ارتباطاً تاماً مع الجزء الأول في مسألة واحدة، نراه يتعلق بالعذاب يوم القيامة، ذلك العذاب المرتبط بالظلم. لذلك نرى أن كلمات لم تدخل في المعادلة المطلقة المرتبطة بالصورة التي يصفها الجزء الأول.
ومن هنا ندرك أنه لا يحق لأحد أن يفرض تصوراً خاصاً على معاني العبارات القرآنية الكريمة، لأنه لا يستطيع أن يدرك من هذه المعاني سوى الشيء المحدد، والمسجون ضمن إطار المكان والزمان الذي يحدد تصوره، ولا يحق لأحد أن يفرض حدوداً على بدايات ونهايات العبارات والصور القرآنية، للسبب نفسه. إن الذي يملك القرار في تحديد بدايات ونهايات العبارات القرآنية، وما تحمله هذه العبارات من معان وصور لكل جيل، هو القرآن الكريم ذاته، وماهية الصور التي تصورها هذه العبارات، وحسب ما وصل إليه العلم، وما تحيط به الحضارة التي يملكها هذا الجيل. فلو كان القرآن الكريم يحمل معاني وصوراً محددة، لها عطاء محدد يحيط به جيل من الأجيال، لكان مماثلاً لكلام البشر، وعندها لا يترك شيئاً للأجيال اللاحقة من عطاءاته وإعجازاته، ولكان محكوماً بإطار المكان والزمان الذي يحكم البشر وكلامهم.
فمثلاً في الآية الكريمة التالية:
(وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين). 15/ 22.
اجتزأ القدماء من هذه الآية الكريمة ثلاث كلمات (وأرسلنا الريح لواقح) وفسروها تفسيراً مستقلاً عن الآية الكريمة، فعملية التلقيح حصروها في عالم النبات، وهذا التصور ليس خطأ، فالرياح تساهم في عملية تلقي أزهار النبات.
ولكن عندما تطور العلم، اتضح أن الكلمات الأربع التي تليها (فأنزلنا من السماء ماء) ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، فإرسال الرياح كان سبباً في نزول الماء من السماء، فهو يقوم بتلقيح الغيوم وبالتالي ينزل المطر.
إن التصور الأول صحيح، والتصور الثاني صحيح، وهذان التصوران لا يمثلان جميع معاني هذه الكلمات، فلربما يظهر المستقبل معاني وتصورات أخرى، تحملها الكلمات نفسها التي حملت المعنيين السابقين.
ولذلك لا يحق لأحد وضع حدود لبدايات ونهايات اكتمال الصورة القرآنية، وفرض معان خاصة على العبارة القرآنية، لأنه لا يستطيع حصر الصور القرآنية التي تصفها وتصورها هذه العبارة، فالقرآن الكريم حي، وصالح لكل مكان وزمان، ليصور وبالكلمات نفسها لكل جيل ما يناسب علمه وحضارته التي وصل إليها.
إن أي تصور يجمد الصور التي تحملها أي عبارة قرآنية، وفق حدود المكان والزمان التي تحكم جيلاً معيناً، أو فكراً معيناً، هو تصور ميت، ينطبق على كلام البشر، ولا ينطبق أبداً على كلمات هي صفة من صفات الله تعالى، وتحمل من المعاني والصور والتفاسير ما إن أصبح البحر مداداً لهذه الكلمات فند البحر قبل نفادها.
(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) 18/ 109.
|