علوم القرآن

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
د. محمد حسين الصغير
الإغراق في مد الصوت واستطالته

هنالك مقاطع صوتية مغرقة في الطول والمدّ والتشديد وبالرغم من ندرة صيغة هذه المركبات الصوتية في اللغة العربية حتى أنها لتعدّ بالأصابع، فإننا نجد القرآن الكريم يستعمل أفخمها لفظاً، وأعظمها وقعاً؛ فتستوحي من دلالتها الصوتية مدى شدّتها وهدّتها، لتستنتج من ذلك أهميتها وأحقيتها بالتلبث والرصد والتفكير.
من تلك الألفاظ: الحاقّة، الطّامة، الصّاخة. وقد تأتي مجرّدة عن التعريف فتهتدي إلى عموميتها، مثل: دابّة. كافة.
هذه الصيغة صوتياً تمتاز بتوجه الفكر نحوها في تساؤل، واصطكاك السمع بصداها المدويّ، وأخيراً بتفاعل الوجدان معها مترقباً: الأحداث، المفاجئات، النتائج المجهولة.
الحاقّة والطامّة والصاخّة: كلمات تستدعي نسبةً عالية من الضغط الصوتي، والأداء الجهوري لسماع رنتها، مما يتوافق نسبياً مع إرادتها في جلجلة الصوت، وشدة الإيقاع، كل ذلك مما يوضع مجموعة العلاقات القائمة بين اللفظ ودلالته في مثل هذه العائلة الصوتية الواحدة، فإذا أضفنا إلى ذلك معناها المحدد في كتاب الله تعالى، وهو يوم القيامة، خرجنا بحصيلة علمية تنتهي بمصاقبة الشدة الصوتية للشدة الدلالية بين الصوت والمعنى الحقيقي، فقوله تعالى: (الحاقّةُ، ما الحاقَةُ، ومآ أدراكَ ما الحاقَّة). إشارة إلى يوم القيامة، وعلم عليها فيما أفاد العلماء، قال الفرّاء (ت: 207ه‍): "والحاقة: القيامة، سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء".
وقال الطبرسي (ت: 548ه‍) "الحاقة اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين، وسميت بذلك، لأنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، لأن جميع أحكام القيامة واجبة الوقوع، صادقة الوجود. وقيل: سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم: حاققته فحققته، مثل: خاصمته فخصمته".
وقيل: لأنها تحق كل إنسان بعمله. ويقال: حقّت القيامة: أحاطت بالخلائق فهي حاقة. فإذا رصدت الصاخة، رأيتها القيامة أيضاً، وبه فسّر أبو عبيدة (ت: 210ه‍) قوله تعالى: (فإذا جآءَتِ الصّاخّةُ). فأما أن تكون الصاخة اسم فاعل من صخ يصخ، وإما أن تكون مصدراً وقال أبو اسحق الزجاج: الصاخة هي الصيحة التي تكون فيها القيامة تصخ الأسماع، أي: تصمها فلا تسمع.
وقال ابن سيدة: الصاخة: صيحة تصخ الأذن أي تطعنها فتصمها لشدتها، ومنه سميت القيامة.
ويقال: كأن في أذنه صاخة، أي طعنة.
وقال الطريحي (ت: 1085ه‍) الصاخة بتشديد الخاء يعني القيامة، فإنها تصخ الأسماع، أي تقرعها وتصمها، يقال: رجل أصخ، إذا كان لا يسمع. والمعاني كلها متقاربة في الدلالة، إلا أن الراغب (ت: 502ه‍) يعطي الصاخة دلالة أعمق في الإرادة الصوتية المنفردة فيقول: الصاخة شدة صوت ذي المنطق.
فيكون استعمالها حينئذ في القيامة على سبيل المجاز. فإذا وقفنا عند الطامة، فهي القيامة تطم على كل شيء. وإليه ذهب الزجاج: الطامة هي الصيحة التي تطم على كل شيء. وتسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها: طامة. قال تعالى: (فإذا جاءَتِ الطامةُ الكُبرى). قال الطبرسي (ت: 548ه‍) "وهي القيامة لأنها تطم كل داهية هائلة، أي تعلو وتغلب، ومن ذلك قيل: ما من طامّة إلا وفوقها طامة، والقيامة فوق كل طامة، فهي الداهية العظمى".
إن موافقة أصوات الحاقة والصاخة والطامة لمعانيها في الدلالة على يوم القيامة، من أعظم الدلالات الصوتية في الشدة والوقع والتلاؤم البنيوي والمعنوي لمثل هذه الصيغة الحافلة.
ودلالة هذه الصيغة في: دابة، وكافة، على الشمول والكلية المطلقة يوحي بالمضمون نفسه في الإيقاع الصوتي، قال تعالى: (ومَا من دآبّةٍ في الأرض إلا على اللهِ رزقُها ويعلَمُ مُستقرها ومُستودَعَها كلٌ في كِتابٍ مُبين). فشمل الخلائق كلها، وأصناف الأجناس المرئية وغير المرئية مما يدب أدركناه أو لم ندركه، علمنا طبيعة رزقه أو لم نعلم وقوله تعالى: (وَما أرسلناكَ إلا كافَّة للنّاس بَشيراً ونَذيراً). يدل أن هذا الرسول العربي الأمين، لم يختص بزمنية، ولم يبعث لطبقة خاصة، فتخطى برسالته حدود الزمان والمكان، فكانت عالمية السيرورة، إنسانية الأحياء، البشارة في يد، والنذارة في يد، لينقذ العالم أجمع من خلال هاتين.
-----------------------------
المصدر : الصوت اللغوي في القرآن

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com