علوم القرآن

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
د. محمد حسين الصغير
القرآن والصوت اللغوي

اتخذت المباحث الصوتية عند العرب القرآن أساساً لتطلعاتها، وآياته مضماراً لاستلهام نتائجها، وهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة، وتقارب بين اللغة والفكر، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن الكريم، فالقرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا، ولكنه من جانب لغوي كتاب العربية الخالد، يحرس لسانها، ويقوّم أوَدَ بيانها، فهي محفوظة به، وهو محفوظ بالله تعالى: (إنّا نحنُ نزّلنا الذّكرَ وإنّا لَهُ لحافظُونَ). لهذا بقيت العربية في ذروة عطائها الذي لا ينضب، وظلت إضاءتها في قمة ألقها الذي لا يخبو، فكم من لغة قد تدهورت وتعرضت لعوامل الانحطاط، وانحسرت أصالتها برطانة الدخيل المتحكم من اللُغة الأخرى، فذابت وخمد شعاعها الهادي؛ إلا العربية فلها مَددٌ من القرآن، ورافد من بحره المتدفق بالحياة، تحسه وكأنك تلمسه، وتعقله وكأنك تبصره، فهو حقيقة مستطيلة لا تجحد، مسك القرآن باللسان العربي عن الانزلاق، وأفعم التزود اللغوي عن الارتياد في لغات متماثلة، حتى عاد اللسان متمرساً على الإبداع، والتزود سبيلاً للثقافات الفياضة، لا يحتاج إلى لغة ما، بل تحتاجه كل لغة.
ورصد أية ظاهرة لغوية يعني العناية باللغة ذاتها، ويتوجه إلى ترصين دعائمها من الأصل، لأن الأصوات بانضمام بعضها إلى بعض تشكل مفردات تلك اللغة، والمفردات وحدها تمثل معجمها، وبتأليفها تمثل الكلام في تلك اللغة، والقدرة على تناسق هذا الكلام وتآلفه، من مهمة الأصوات في تناسقها وتآلفها، وتنافر الكلمات وتهافتها قد يعود على الأصوات في قرب مخارجها أو تباعدها، أو في طبيعة تركيبها وتماسها، أو من تداخل مقاطعها وتضامها، ذلك أن اللغة أصوات. "ومصدر الصوت الإنساني في معظم الأحيان هو الحنجرة، أو بعبارة أدق: الوتران الصوتيان فيها، فاهتزازات هذين الوترين هي التي تنطلق من الفم أو الأنف ثم تنتقل خلال الهواء الخارجي".
ولغتنا العربية كبقية لغات العالم؛ عبارة عن أصوات متآلفة تنطلق من الوتر بين الصوتيين لتأخذ طريقها إلى الخارج.
بيد أن العربية سميت باسم صوت متميز بين الأصوات فعاد معلماً لها، ومؤشراً عليها، فقيل: لغة الضاد.
ومن عجائب القرآن الأدائية، وضعه هذين الصوتين في سياق واحد، وبعرض مختلف، في مواضع عديدة من القرآن، ذلك من أجل الدربة الدقيقة على التلفظ بهما، والمران على استعمالهما منفصلين، بتفخيم الضاد وترقيق الظاء، قال تعالى: (... ولئن رُّجعتُ إلى ربي إنَّ لي عِندهُ للحُسنى فَلَنُنَبِئنَ الّذين كَفروا بما عَمِلُوا وَلَنُذيقنَّهم مِن عذابٍ غليظ، وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرضَ ونئا بجانبه وإذا مَسّه الشَّرُ ). فالظاء في (غليظ) والضاد في (أعرض) وفي (عريض) مما تواضع الأوائل على قراءته بكل دقة وتمحيص، وميزوا بذائقتهم الفطرية فيما بين الصوتين.
والحاء بالعربية تنطق (هاء) في بعض اللغات السامية، وكذلك صوتها في اللغات الاوروبية، فهما من مخرج واحد (ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء).
ولعمق التوجه الصوتي في القرآن لدى التمييز بين المقاربات نجده يضعهما في سياق واحد في كثير من الآيات، من أجل السليقة العربية الخالصة، قال تعالى:
(فَسيحوا في الأرضِ أربعةَ أشهُرٍ واعلموا أنّكُم غيرُ مُعجزي اللهِ وأنَّ اللهَ مُخزي الكافرين، وأذانٌ من اللهِ وَرَسولهِ إلى النّاسِ يومِ الحجِ الأكبرِ...).
فالحاء من "فسيحوا" والهاء من "أشهر" في الآية الأولى إلى جنب الهاء من "الله ورسوله" والحاء من "الحج" في الآية الثانية، جاءت جميعها بسياق قرآني متناسق في هدف مشترك للتمييز بين الصوتين حيناً، وللحفاظ على خصائص العربية حيناً آخر، ولبيان اختلاطهما عند غير العربي المحض، فلا يستطيع أداء "الحاء" تأديته "الهاء" إذ قد يلتبسان عليه، وهو جانب فني حرص القرآن على كشفه بعيداً عن الغرض الديني إلا في وجوب أداء القرآن قراءة كما نزل عربياً مبيناً.
لهذا نرى أن القرآن هو القاعدة الصلبة للنطق العربي الصحيح لجملة أصوات اللغة، ولا سيما الضاد والظاء أو الحاء والهاء، في التمرس عليهما والتفريق الدقيق بينهما.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البداية في اعتماد الصوت اللغوي في القرآن ضمن الدراسات العربية قد جاء ضمن مجموعتين دراسيتين هما: الدراسات القرآنية والدراسات البلاغية، ولا بد من الإشارة قبل ذلك إلى تردد جهود بعض الفلاسفة الموسوعيين لمجمل حياة الأصوات تمهيداً لخوضها في القرآن.
فهذا ابن سينا (ت: 428ه‍) يضع رسالة متخصصة نادرة في الأصوات أسماها (أسباب حدوث الحروف). وقد كان متمرساً فيها للإشارات الصوتية وتمييزها في الأسماع، وتحدث عن مخارج الأصوات وغضاريف الحنجرة، وعرض للفم واللسان تشريحياً وطبياً وتركيبياً، وعني عناية خاصة بترتيب مخارج الصوت العربي مقارناً باللغات الأخرى بحسب تركيب أجهزة الصوت الإنساني، وبحث مميزات الحرف العربي صوتياً، وحكم جهازه السمعي في معرفة الأصوات وأثر تذبذبها. وأما الدراسات القرآنية، فقد انطلقت إلى دراسة الأصوات من خلال الفصول القادمة في الرسالة ضمن موضوعاتها الدقيقة المتخصصة، وكانت على نوعين كتب إعجاز القرآن وكتب القراءات. أما كتب إعجاز القرآن، فقد كان المجلي فيها بالنسبة للصوت اللغوي علي بن عيسى الرماني (ت: 386ه‍) فهو أبرز الدارسين صوتياً، وأقدمهم سبقاً إلى الموضوع، وأولهم تمرساً فيه، إلا أنه بالضرورة قد مزج بين دراسة الأصوات وعلم المعاني مطبقاً تجاربه في باب التلاؤم تارة، ومتخصصاً لدراسة فواصل الآيات بلاغياً.
أما التلاؤم الصوتي عند الرماني فهو نقيض التنافر، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف، لأن تأليف الكلام على ثلاثة أوجه: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا.
ويعود الرماني بالتلاؤم إلى تجانس الأصوات، ولما كانت أصوات القرآن متجانسة تماماً، فإن القرآن كله متلائم في الطبقة العليا، وذلك بيّن لمن تأمله، والفرق بين القرآن وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى، وبعض الناس أشد إحساساً بذلك وفطنة له من بعض.
وأما كتب القراءات، فقد انتهى كثير منها بإعطاء مصطلحات صوتية اقترنت بالنحو تارة وباللغة تارة أخرى، وتمحضت للصوت القرآني بينهما، وكان ذلك في بحوث متميزة برز منها: الإدغام، والإبدال، والإعلال، الإخفاء، الإظهار، الإشمام، الإمالة، الإشباع، المدّ، التفخيم، الترقيق مما اصطنعه علماء الآداء الصوتي للقرآن.
وبعيداً عن هذا وذاك، فان الطبيعة التركيبية في اللغة العربية قد تمرست في تعادل الأصوات وتوازنها، مما جعل لغة القرآن في الذروة من طلاوة الكلمة، والرقة في تجانس الأصوات، لذلك فقد استبعد العرب جملة من الألفاظ لا تنسجم صوتياً في تداخل حروفها، وتنافر مخارجها، سواء أكانت قريبة أم بعيدة "فإن الجيم لا تقارن الفاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير.
والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا تأخير".
وفي هذا دلالة على "امتياز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها، وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات".
----------------------------------
المصدر : الصوت اللغوي في القرآن

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com