|
نلمس التشبيه القرآني ذا صورة دائبة بالحركة والاستثارة والتلوين، هذه الصور قد هدفت _بضم بعضها إلى البعض الآخر _ تقريب الأشياء، وإبراز الحقائق، واستخلاص العظات والبينات فيما تنبته الأرض، وما يهبط عليها من السماء، وفيما تتقاذفه الرياح، وفيما يطرأ عليها من تقلبات المناخ وتصريف الأجواء، وما يصاحب ذلك من نور وظلام، ورعد وبرق، وليل ونهار، وموج ولجج وسحاب وضباب، وأصداء وأصوات، وما تثير هذه العوالم مجتمعة أو متفرقة من رعب أو أمن واستقرار.
1_ هذا المظهر الطبيعي يرصفه القرآن الكريم في تشبيه حالة المنافقين تارة، وحالة الكافرين وأعمالهم تارة أخرى، فالأول قوله تعالى:
(مَثلُهُم كَمَثَلِ الذي استوقدَ ناراً فلمّا أضاءَت ما حَولَهُ ذهبَ اللهُ بنورِهم وتركَهُم في ظُلماتٍ لا يُبصرونَ* صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يَرجِعونَ* أو كَصَيبٍ مّن السماءِ فيه ظُلماتُ ورعدٌ وبرقٌ يجعلونَ أصابِعَهُم في آذانهِم مّنَ الصواعقِ حَذرَ الموتِ والله مُحيطٌ بالكافرين* يَكادُ البرقُ يخطفُ أبصارهُم كُلما أضاءَ لَهُم مَشوا فيهِ وإذا أظلمَ عليهم قامُوا ولو شاءَ اللهُ لذهبَ بِسمعهِم وأبصارهم إن اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ).
والثاني يصوره قوله تعالى:
(والذينَ كفروا أعمالُهم كسرابٍ بقيعةٍ يَحسَبُهُ الظّمأنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لَم يجدهُ شيئاً وَوَجدَ اللهَ عِندهُ فوقّاهُ حِسابهُ واللهُ سريعُ الحساب* أو كظُلماتٍ في بحرٍ لُجّي يغشاهُ موجٌ مِن فوقهِ موجٌ مّن فوقهِ سحابٌ ظُلُماتٌ بعضها فوقَ بعضٍ إذا أخرجَ يدَهُ لم يَكَد يراها ومَنَ لم يجعلِ اللهُ لَهُ نوراً فَما لَهُ مِن نُّور).
أرأيت كيف استوضحت حالة المنافق في هذه التشبيهات المركبة، مصوراً أزمته النفسية في الاضطراب ومعاودة الخوف من هذه الظواهر التي يتوقع فيها هلاكه، ومعبراً عن أمر الحيرة المقلقة له بخطف البرق للأبصار، وتردده بين الأحجام والأقدام، ووقوفه القاتل أو السير بلا هدى فهو بين مصير مجهول وتذبذب معلوم. هذا في النموذج الأول، أما في النموذج الثاني، فنرى التشبيه المركب مادة فنية خصبة تسيغها أفهام القوم، فالبدوي الذي يتطلب الماء، فإن أخفق في تحصيله أخفق في حياته وعاد يائساً، وهو في قيض لا يرحم، وظمأ لا يهدأ، فسكرات الموت حينئذ أقرب إليه من حبل الوريد، وأعمال الكافرين صورة لمتطلب الماء ثم لا يجده، ومثال للسراب الذي يشتد نحوه الظمآن فيفاجأ به وهو يظنه ماء يروي غلته، وإذا به يذهل لفقدان الماء ووجدان الله بالمرصاد، وهي مفاجأة أخرى ليست في الحسبان، وحينما يخفق من هذا الالتماع الخلب في السراب الذي حسبه ماء تصدمه الظلمات المتراكبة في بحر شديد الأمواج متراكمها، يعلوه سحاب، فتتكون بذلك طبقات من هذه الفوقيات: الموج فوقه موج من فوقه سحاب، فهو في ظلمات يفقد معها حاستي السمع والبصر، كما فقد حاسة البصيرة من ذي قبل.
2_ وبالإضافة إلى التشبيه بالظواهر الطبيعية، والسنن الكونية، عمد القرآن إلى الكائنات الحية من الحيوانات فوجد فيها ملاءمة لضرب الأمثال وتصوير الأحداث، وصدق التشبيه، ومسايرة الواقع المعاصر في الحال والاستقبال، فاختار أوهنها: لتشبيه ضعف العبادة ووهنها، وهو العنكبوت، وأغباها: لمن يحمل العلم ولا ينتفع به، وهو الحمار، وأضعفها: لمن حالفه العجز والاستحالة وهو الذباب. وأتبعها: لمن يشتد لهاثه لا إلى غاية مجدية معينة، وهو الكلب. وأصغرها لمن يستنكر ضرب الأمثال بالمخلوقات الضعيفة، وهو البعوض. وهكذا:
وتأتي هذه الكائنات في الاستعمال التشبيهي متقاطرة، ويبرز علمها متناسقاً مع التصوير الفني لحقائق الأشياء، وطبيعة الموصوفات، وأوجه الشبه المناسبة، بما يحقق الجانب البلاغي في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهي على الشكل الآتي:
أ_ فهؤلاء العاكفون على أصنامهم، والسادرون بأهوائهم، يسيئون صنعاً ويحسبون أنهم محسنون، يبذرون جهودهم في بناء الأوهام، واتخاذ الأنداد لله تعالى، فهم في عمل لا جدوى معه، وجهد لا تعويض عنه، فيبرز تشبيههم بالعنكبوت التي تجهد نفسها، وتشغل بيتها، باتخاذ بيت ليست له مقومات البيوت ولا إحكام البناء، فهو نتاج واهن ضعيف، وكذلك عبادتهم في الضعة والضعف، قال تعالى:
(مَثَلُ الذينَ اتَّخذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ كَمَثَلِ العنكبوتِ اتّخذت بيتاً وإنَّ أوهنَ البُيُوتِ لبيتُ العنكبوتِ لو كانوا يعلمُونَ).
ب_ وحينما يجد القرآن اليهود، وقد كلفوا ثقل الأمانة وأدركوا سر العقيدة، وتحملوا عبء التوراة، ثم نكصوا على أعقابهم، وتخلوا عن كل ذلك، فهم لا يعملون بمضمونها ولا يصيخون سمعاً لندائها، تاركين وراءهم الحق المبين، والصراط المستقيم، فهم والحالة هذه على درجة قصوى من الغباء والضياع حينما يلاحظهم هكذا وعلى هذا المستوى فتشبيههم بالحمار وهو يحمل كتباً نفيسة جاء مطابقاً لمقتضى ظروفهم الفعلية التي يحيونها، إذ ليس من شأن الحمار أن يستفيد بمضامين الكتب.
(مَثَلُ الَّذين حُمِلوا التوراةَ ثُمَ لم يحمِلوها كَمَثَلِ الحمارِ يحملُ أسفاراً بئسَ مثَلُ القومِ الذينَ كذّبوا بآياتِ اللهِ واللهُ لا يهدي القومَ الظّالمين).
ج_ وهذا الذي انسلخ من آيات الله بعد عرفانه بموضعها، وإدراكه لسرها، قد أخلد إلى الأرض، واتبع هواه وضل في غوايته ناصباً لاغباً، وجد له التشبيه أصدق صورة في الكلب اللاهث، يدلع لسانه، ويسيل لعابه، وتخفق جانباه، في حالتي راحته وتعبه، وصورتي إيوائه وإبعاده، فالكلب هنا: أنسب كائن يراعي مقتضى الحال، فالذي انسلخ يكد ويكدح في تحريف كلمات الله، فهو جاحد لها، أو رافض لمضمونها، فالحالة هذه تمثله وهو ينوء بعبء لم يستفد منه، ويعاني ثقلاً لم ينهض به، وهكذا الكلب في نصبه الكادح بداعٍ وبغير داعٍ، قال تعالى:
(واتلُ عليهم نبأَ الذي ءَاتيناهُ ءَاياتِنا فانسلَخَ مِنها فأتّبعه الشيطانُ فكانَ مِنَ الغاوين* ولو شئنا لرفعناهُ بِها ولكنَّهُ أخلدَ إلى الأرضِ واتَّبع هواهُ فَمَثَلهُ كَمَثَلِ الكلبِ إن تحمل عليهِ يلهَث أو تترُكْهُ يلهَث...).
3_ وهبات الطبيعة في المناخ والمياه والتربة والأنبات لمسات تشخيصية للتشبيه القرآني، متجانسة كل التجانس بما يحقق العمق الفني بأرقى مدركات التشبيه الحسية لتقريب المعنى العقلي البعيد فتجعله في متناول الفهم والتخييل عند الإنسان.
أ_ فالقرآن الكريم حينما يشبه أمراً معنوياً طيباً، وعملاً إنسانياً صالحاً، وكلمة نزيهة صادقة، يجد في معطيات الطبيعة، ومنح الكون، تشخيصاً لهذا المدرك العقلي فهو يعده مباركاً ثابتاً متطاولاً، والشجرة الطيبة في نموها وظلالها ورسوخها خير مثال له في التشبيه المنتزع من أمور متعددة، والعكس بالعكس في الأمر المعنوي الخبيث في ملاءمته للشجرة الخبيثة في بقعتها وثمرتها وزعزعتها عن الأرض، وهو بهذا يضفي الظل المحسوس المعاصر للإنسان على ذلك الظل الخفي المعقول الذي لا يدرك إلا بتصويره وتخيله شاخصاً، وذلك قوله تعالى:
(أَلَم تَرَ كيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ* تُؤتي أُكُلَها كُلَّ حين بإذنِ ربها وَيَضربُ اللهُ الأمثالَ للنّاس لعلَّهم يتذكّرون* وَمَثلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوقِ الأرض ما لها مِن قرارٍ).
ب_ وهو حينما يريد تشبيه الصدقات التي لا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، ولا تستنزل رحمة، لأنها امتزجت بما يفسدها من الرياء بين الناس تارة، واختلطت بما يعكرها من المن والأذى تارة أخرى، يجد في "الصفوان" الذي يغطيه غشاء شفاف من التراب فيصيبه المطر فيتصلب ويتجمد عليه، فيعود متحجراً صلداً، صورة شاخصة لبلوغ التشبيه ذروته في التجسيد.
(ياأيُّها الذينَ ءامَنوا لا تُبطلوا صَدَقاتِكُم بالمنِّ والأذى كالّذي يُنفقُ مالَهُ رئاءَ النّاسِ ولا يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَمَثَلهُ كَمَثَلِ صفوانٍ عليه ترابٌ فأصابَهُ وابلٌ فتركَهُ صَلداً لا يَقدرونَ على شيءٍ ممّا كَسَبوا واللهُ لا يهدي القومَ الكافرين).
ج_ ويحاول التشبيه القرآني أن يقرب صورة تكالب الناس في الحياة الدنيا، وتفاخرهم بما لا يبقي، وتكاثرهم بما يفني فتتمثل أمامه هيأة الغيث المنقطع عن الزرع بعد إنعاشه له لحظات ولمحات، وإذا به يجف دون إنذار، فيصفر الزرع ويتفتت نتيجة لعدم الموازنة في السقي والإرواء، ليصبح حطاماً تذروه الرياح، وهشيماً تتناقله الأجواء، فبينا هو نبات يعجب الزارعين، وإذا به هباء يتطاير من هنا وهناك، والتشبيه يضع هذه الصورة في ملابساتها المتناقضة، ومضاعفاتها غير المترقبة تجاه أمر الدنيا، وحيال المعجبين بزخارفها، والمكاثرين بأوضارها لتكون مثلاً لقوله تعالى:
(كَمَثلِ غيثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فتراهُ مُصفراً ثُمَّ يكونُ حُطَاماً...).
-------------------------------------
المصدر: أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
|