|
استوقفتني مقالة الصادق النيهوم حول الحروف المقطعة في السور القرآنية، وفيها يقدّم النيهوم تفسيراً جديداً للموضوع لا يخلو من الجدة والاثارة. كيف ترى أنت بعينك النقدية إلى المسألة؟
_ من الأمور المثيرة للجدل في النص القرآني ما يُسمّى بالمقطّعات، وهي الحروف التي تتصدّر أوائل السُور مثل "ألر" أو "كهيعص"... وقد اختلف المفسرون بشأنها. فمنهم من تعامل معها بوصفها آيات مستغلقة لا يسع أحد معرفتها، إذ لا يعلم تأويلها إلاّ الله، شأنها بذلك شأن أمور أخرى كالغيب والساعة والروح. ومنهم من صنّفها في فئة الآيات المتشابهة التي تخضع للتأويل، ويمكن لأهل العلم الوقوف على معانيها الغامضة أو دلالاتها الخفية.
وأنا أعترف بدوري بأن مقالة الصادق النيهوم المنشورة في مجلة "الناقد" (العدد 58) قد استوقفتني وأثارت فضولي. وفيها يذهب النيهوم إلى معارضة المفسرين على اختلاف مواقفهم، سواء منهم الذين اعتبروا المقطعات ألغازاً غير قابلة للتأويل أو الذين لجأوا إلى تأويلها. وهو يهاجم بشكل خاص المحاولات التي يقوم بها البعض اليوم ممن يتعاملون مع المقطعات كشيفرة إلهية تحتاج إلى حاسوب جبار لكي يوقفنا على أسرارها العجيبة. إذن ينفي النيهوم أن تكون هذه الحروف في أوائل السور ألغازاً تحتاج إلى مفاتيح أو رموزاً خفية ينبغي تفكيكها. ومنطلقه في ذلك أن الله لا يتكلم بالألغاز وأن القرآن كتاب مبين لا رموز فيه ولا أسرار.
* ما هي إذن برأي النيهوم؟
_ إنها علامات مألوفة في مذهب صوفي معروف يعرف باسم "القبّالة" عند اليهود، وهو عبارة عن نظام تدريبي تربوي يتبعه المريدون في مسالكهم نحو المقامات التي يسعون إلى بلوغها. وكل حرف منها يشير إلى مسلك من تلك المسالك، أي يرمز إلى مرحلة من مراحل السلوك أو إلى تقنية من تقنيات التدريب. وهذا ما حاول النيهوم أن يبيّنه في مقالته شارحاً مفسراً.
غير أن النيهوم لم يفعل في تفسيره سوى ما فعله المفسرون الذين ينتقدهم. إنه قام بفك الرموز أعني تعامل مع الحروف المقطعة كألغاز، وحاول أن يقدّم لنا مفاتيحها التي لا يعلمها أحد سواه، أي التي لا يسع عربي أو مسلم معرفتها.
ولكن تأويلاته لا تقنع أحداً. إنها من قبيل الرجم بالغيب. لأنه ليس هناك أي مسوغ يتيح إقامة تلك المماثلات التي أقامها النيهوم بين المقطعات وبين نظام القبّالة لدى اليهود.
هل يعني ذلك أن الحروف القرآنية هي كلام لا يُحسِن أحدٌ تأويله بمن فيهم الراسخون في العلم؟ هذا ما أذهب إليه. ولهذا فإنني أرى أن هذه الحروف هي شيفرات لا أحد يملك مفاتيحها لأنه لا مفاتيح لها أصلاً. إنها حقاً ألغاز أُريد لها أن تبقى ألغازاً، إذا استبعدنا كونها مجرد تقنيات بيانية سحرية يمتاز بها النص. فالكلام المُلغِز يضفي على الخطاب مزيداً من المهابة، إذ المهابة هي احتجاب الشيء عن أن يظهر أو يُعرف... بهذا المعنى فإن الكلام الملغز، يجعل المخاطب الذي يتوجّه إليه يشعر بالعجز عن الفهم والقصور ويشعر في الوقت نفسه بالقهر إزاء الخفيّ المستور. وهذه آلية من الآليات التي يستخدمها النص لتعزيز مصداقيته وإثبات تفوقه أو ثبيت سلطته.
هذا ما يقود إليه نقد النص: الكشف عن الآليات والتدابير التي يستخدمها الخطاب في إنتاج المعنى والحقيقة. طبعاً يمكن للمفسر أن يبحث عن التأثيرات التي تركتها العقائد الدينية والموروثات القديمة في النص القرآني. ولكن مثل هذه اللعبة، أيّا كانت قيمتها التفسيرية، مآلها طمس حقيقة النص، أي نفي ما يولّده من مفاعيل وما يتركه من أثر حقيقي.
---------------------------------
المصر : الممنوع والممتنع
|