سيرة و تاريخ

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
المستشار عبد الحليم الجندي
المذهب الجعفري

أخرج الحاكم في تاريخه بالإسناد إلى أبي بكر عن رسول الله قال (من كتب عليَّ علماً أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث).
وأجمع أبو بكر أيام خلافته على تدوين الحديث فجمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا. قالت عائشة. فغمني تقلبه. فلما أصبح قال لي: "أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك" فجئت بها فأحرقها.
وعن الزهري عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما فقال (إني كنت أريد أن أكتب السنن. وإني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فكبوا عليها وتركوا كتاب الله. وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً).
لكن علياً دوَّن. وخلَّف في شيعته طريقة (التدوين). فلقد كان على ثقة من طريقته. وهو الذي يقول فيه الرسول (عليٌّ مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) وعنه قال الرسول (يا معشر قريش. والله ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال لا. ولكن ذلك الذي يخصف النعل).
وكان علي يخصف نعلا للنبي عند ذلك.
وبالتدوين الفقهي استقر المذهب في صدور الحفظة والنقلة، من علي إلى بنيه، فبنيهم، وبخاصة زين العابدين وزيد والباقر والصادق. ثم عملت مجالس الإمام الصادق في نشره كمثل عمل التدوين في استقراره. وأدرك الأئمة الذين تلمذوا له وتلاميذهم أموراً ترفع مجس الصادق فوق المجالس، سواء مجالس أهل السنة أو "أهل البيت" منها:
1_ أن الذي يلقي هذا العلم إمام موصي إليه "باسمه" من أبيه. وبهذا ينماز من عمه زيد بن علي صاحب المذهب الزيدي ومن غيره من الشيعة.
2_ أن هذا الإمام يقف بين العلماء جميعاً في مكان خاص. فالسنة عند الشيعة بعد موته تثبت عن طريقه _إلا ما ندر _ فعنه يروى آلاف، وعنهم جاءت الأحاديث المروية في كتبهم.
3_ أن الآراء الفقهية في أصول الدين وأصول الفقه وفروع المعاملات والعبادات سيراها اللاحقون منسوبة إليه. وربما اقترن به أبوه الباقر، أو أشير إلى رأي جده، السجاد، لكن نبع العلم منه هو الأشهر والأكثر.
وإذا لم يعرف التاريخ إماما في السنن من درجته أو إماما في الفقه من مرتبته. فالتاريخ _كذلك _ لا يعرف إماما اجتمعت له الإمامتان مثله.
4_ أنه الإمام الذي يوثقه أئمة المسلمين جميعاً. ويستوي في ذلك من أهل السنة أئمة الرأي فهم تلاميذه، وأئمة الحديث فهو في القمة منهم.
وروايته للحديث يوثقها واضع الأساس العلمي لقبول الحديث "الشافعي"، وعلماء الجرح والتعديل كيحيى بن معين وأبي حاتم والذهبي وابن حنبل والآخرين. وتتردد في كتب الصحاح أحاديثه. كما يبايعه إمام أهل البيت الذي سبق بفرقة عظيمة وفقه خالد، عمه زيد بن علي زين العابدين، صاحب "المذهب الزيدي". ويضعه موضع الإمامة فيقول (في كل زمان رجل من أهل البيت يحتج به الله على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر لا يضل من كان من شيعته ولا يهتدي من خالفه).
5_ أن هذا الإمام هو أول وآخر من صلب آبائه وأجداده مَنَّ الله عليه بهذه الفرصة: أواخر الدولة المروانية المشغولة عنه بتثبيت دعائمها المهتزة، وأوائل عهد الدولة العباسية، التي تمد إليه بسبب، من السلام أو الخصام، وآصرة من النسب، تخدمانه أو تخدمانها _وهي ترفع شعار أهل البيت والدفاع عن الدين _ وبهذا أتيحت له حرية الجلوس لكل الناس، والتدريس لكل العلوم، وأن تسيل الأباطح بأعناق المطي إليه من بقاع العالم، في حقبة ممتازة من التاريخ العالمي والإسلامي.
6_ أنه الإمام الذي طمأن الخلفاء (الملوك) في الدولتين، وكانوا سفاحين غلاظ الأكباد. فهو كما يقول الشهرستاني وأبو نعيم في الملل والنحل وحلية الأولياء (ما تعرض للإمامة قط ولا نازع في الخلافة أحدا. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط. ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط).
7_ أنه الإمام الذي أتيح له على مدار ثلث قرن من الزمان بعد موت أبيه سنة 114 أن يكون "الإمام". فامتد به عصر سلام، ضروري لنشر العلم، باطمئنان طالبه، وواهبه، والدولة التي ينتشر في رعاياها.
هذه العناصر التي لم تجتمع لواحد من آبائه أو أبنائه جميعا، هي التي سوغت لمن تبع فقهه من الشيعة أن يطلقوا على مذهبه المذهب (الجعفري). وما هو في صميمه إلا "مذهب علي". وإنما تخول السماء بركاتها لبعض الأسماء في شكل حظوظ. وكان الإمام جعفر الصادق جديرا بنعمة السماء قدر ما صدق وكافح في خدمة الإسلام.
وما كان علي بحاجة إلى ما يخلد اسمه. فالإسلام في أعظم أيامه يقترن باسم علي، قدر ما اقترن اسم علي بالنبي وبيت النبي.
والمذهب يحمل اسم جعفر لأنه صاحب مدرسة سقيت منه السنة الصحيحة، ومصادر الفقه العظيم، والمنهاج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نهجه تابعوه، وروى ذلك كله الآلاف. وروى عنهم أمثالهم.
وكسب الأمم من علم الأئمة. كاقتران أسماء أصحاب الكشوف بكشوفهم وأرباب الابتكارات بفتوحهم، ليس صدفة. ولا محض جزاء. وإنما هو توفيق من الله للإنسانية وللناس، لتكريم أمم، ورجال، فتحوا أرض الله لعباده. أو مكنوهم من أنعم السماء، أو سنن الأنبياء، ليشجع الشجعان، ويستمر ضوء الفكر الإنساني في إشراقه. جفزاً للعزائم وظهوراً للعلم.
-----------------------------------------
* المصدر:الامام جعفر الصادق

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com