سيرة و تاريخ

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
فاطمة المرنيسي
الخصي المسلم

يشكل إلغاء الحريم وتشتت محظيات السلطان عبدالحميد الثاني وخصيانه عام 1909 منعطفاً تاريخياً مهماً في التاريخ العثماني وتاريخ المجتمعات الإسلامية عموماً، لأن هذه التدابير أعلنت نهاية الحجر على النساء وحصولهن على التعليم كجزء لا يتجزأ من برامج الحركات القومية. وقد تبنى زعماء القومية الإسلامية على غرار أتاتورك في تركيا الحركة النسوية منذ أواخر القرن التاسع عشر، لا سيما تعليم النساء، كإحدى دعائم بناء الدولة الوطنية، وضرورة لتجديد وتنشيط المجتمعات الإسلامية أمام الغزو الاستعماري. وكانت أيضاً مناسبة ليرى الغربيون للمرة الأولى أكثر النساء خضوعاً لحراسة مشددة في الامبراطورية، أي محظيات السلطان.
بيد أن لا السلاطين العثمانيين ولا الخلفاء العباسيين من قبلهم اخترعوا الخصي. ويجمع كل الباحثين الغربيين الذين تناولوا هذه الظاهرة على أن عادة إخصاء الفتيان لغايات مختلفة (حراسة الحريم، الغناء، الخ ..) كانت تقليداً غربياً معروفاً لدى الإغريق والبيزنطيين، ولم يعرفه الأتراك قط قبل سقوط القسطنطينية في القرن الخامس عشر. وقد اعتمدوه لدى احتكاكهم بالعالم المسيحي: ((بالرغم من أن استخدام الخصيان كان شائعاً في الشرق الأوسط والأقصى، كانت هذه العادة غير معروفة عملياً وغير ذات أهمية لدى الأتراك، قبل أن يؤسسوا عاصمتهم في أوروبا ويأخذونها عن البيزنطيين. ولم تكن هذه العادة جديدة في القسطنطينية. وبالرغم من أن دوميتيانس قد حظّر استخدام الخصيان في القرن المسيحي الأول، فقد شاع هذا الاستخدام لدى البيزنطيين)). ويضيف بنزر أن السلاطين العثمانيين الأوائل لم يعرفوا الخصيان والحريم ولا طقوس البلاط المعقدة التي اعتمدوها بعد أن فتحوا بيزنطية.
وتقول الباحثة التركية أليف لايتل كروتييه:
((كان السلطان محمد الثاني ... مهووساً بتحيول عاصمته الجديدة التي أطلق عليها اسم اسطمبول إلى نسخة جديدة عن القسطنطينية، إنما أكثر عظمة وترفاً. وقد سمح للسلطانة الأم بتنظيم قصره على طريقة خدر (أجنحة الحريم) الامبراطورة هيلانة، أرملة قسطنطين. كان الحريم يقع في جناح منعزل ومقصي، وراء الحدائق الداخلية، وتعيش فيه النساء حياة منفصلة تماماً عن حياة القصر ... وقد اعتمد السلطان محمد الثاني عادات بيزنطية أخرى كعادة سجن أفراد العائلة المالكة، مؤسساً مدارس داخل القصر، وكعادة إحاطة نفسه بكوكبة من العبيد الذين كانوا يعيشون في البلاط)).
وتخلص الباحثة إلى أن ممارسة تعدد الزوجات، الذي كان تقليداً مسلماً قبل احتكاك الأتراك ببيزنطية، قد انسجمت انسجاماً تاماً مع العادات البيزنطية، وأتاحت للعثمانيين تطوير السراي إلى درجة لم يسبق لها مثيل. وقد كان تطوير هذه المؤسسة الذي يجسد قوتهم هو الذي جعلهم يصبحون محط الأنظار.
أما الخلفاء العباسيون فقد أنفقوا مبالغ طائلة قبل العثمانيين بقرون عديدة لاقتناء الخصيان واستخدامهم. وكان أول خليفة عباسي اشتهر بتعلقه المفرط بالخصيان، هو الأمين، ابن هارون الرشيد. ويروي المسعودي أن الخليفة الأمين ((قد قدَّم الخدم وآثرهم ورفع منازلهم))، بحيث أن والدته، الأميرة زبيدة الشهيرة، إبنة عم هارون الرشيد والزوجة الوحيدة من سلالة بني العباس التي أنجبت له ولداً (فقد كان أبناؤه الآخرون من الإماء)، أشاعت عادة الغلاميات لاجتذاب ابنها إلى النساء. ويقول المسعودي أنها ((اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه وعممت رؤوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقبية والقراطق والمناطق ... وبعثت بهن إليه)). ويرى المسعودي أن زبيدة وفقت في مسعاها لأن الخليفة ((استحسنهن واجتذبن قلبه إليهن ... واتخذ الناس ... الجواري المطمومات وألبسوهن الأقبية والمناطق، وسموهن الغلاميات)).
وقد استمرت ظاهرة الخصيان لفترة طويلة بعد سقوط الامبراطورية العثمانية في الكثير من الدول العربية، حتى إلغاء العبودية التي استمرت في الخفاء بالرغم من قيام الدول الغربية بحظرها. وخلافاً لكلمة حريم التي أصلها عربي، من كلمة حرام التي تدل على المحظور وتصف النطاق المخصص للنساء، فكلمة خصي أصلها يوناني eunokhos (وتعني حرفياً الذي يحرس eune مخدع النساء). وكان هؤلاء الخصيان مكلفين بمراقبة النساء الحبيسات ((للإشراف على سلوكهن، والحؤول دون قيامهن بما يتنافى مع العفة أو الواجب الزوجي)).
------------------------------------
* المصدر :هل انتم محصنون ضد الحريم

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com