|
كان لمعركة سنة 657 بين الأمويين وأتباع علي (شيعة علي) أثر بالغ في القضية الجوهرية، الخاصة بالمساواة بين المسلمين على أساس الإيمان. ولم يؤدّ انتصار الأمويين إلى حسم هذه المسألة حسماً قاطعاً، بل بذر بذور الصراع حول قضية شرعية الخلافة، واستمر هذا الصراع قروناً، فيما بعد. وإضافة إلى ذلك، فقد أوجد الحكم الأموي الأسري الخلفية للتمييز بين المسلمين العرب والموالي أو المسلمين الجدد من أصل غير عربي (ليفي،1971: 54-62).
وتبلور، في مرحلة التكوين هذه، بعض الجماعات الاجتماعية. وبرزت قبيلة قريش (وهي قبيلة النبي) من بين كل التجمعات الإسلامية الكبرى، لتأخذ دور الأرستقراطية الجديدة. وتكشف عودة الولاء القبلي عند القرشيين والعرب المسلمين عن نشوء الخلافات بين الأنصار والمهاجرين، واتخذ هذا العداء وجوهاً مستترة، خلال الفترة الأولى من حكم الأمويين (طه حسين، 1975، الجزء الأول، 87-181). كما كان التنافر بين عرب الجنوب (اليمنيين) وعرب الشمال واضحاً (Ashtor 1976:29).
وظهرت كذلك تجمعات صغيرة، ضمن كل من التجمعات الكبيرة للمسلمين والموالي. وتميزت هذه التجمعات الصغيرة بعوامل أخرى، غير العوامل الدينية والعرقية، وغالباً ما كانت عوامل سياسية واقتصادية. واختلفت الأرستقراطية الإسلامية الجديدة عن الأرستقراطية القبلية القديمة، في كونها شريحة من ذوي الرتب العالية والمقام الرفيع، الذين يستمدون الشرعية من مراكزهم السياسية والعسكرية، فضلاً عن قرابتهم للنبي. وتميز الموالي بالثراء (كالنبلاء أصحاب الأراضي الواسعة، والدهاقين) وبالمهارات الفكرية والسياسية (إذ ظهر بينهم العلماء والقضاة والوزراء) كما تميزوا بالبراعة الحرفية.
ومن التجمعات الصغيرة الأخرى، كان هناك العبيد والفقراء، من العرب والموالي، الذين كانوا يقومون بنمط من أنماط "العمل الإجباري" أو "السخرة"، وقد أشار إليهم ابن خلدون مرات عديدة (1969: 230-242-304-308). وترافق تبلور هذه الجماعات في القرن التاسع، مع عمليات التحضر (أي مع نشوء المراكز الحضرية الأساسية) ومع ترسيخ البيروقراطية المركزية، التي نقلت السلطة السياسية من زعماء القبائل التقليديين إلى المراكز الحضرية.
أما التبلور النهائي للشرائح الاجتماعية (الفترة الثالثة من المرحلة الكلاسيكية) فقد ترافق مع بعض التعديلات، التي طرأت على العوامل المحددة لنظام التدرج الطبقي، الذي كان في طور الظهور والبروز. واتخذ التبلور الوجه التالي:
أ_ اعتناق الإسلام على نطاق واسع، وتحسن المكانة الاجتماعية للموالي.
ب_ تراكم الثروة ورؤوس الأموال لدى بعض القطاعات الأرستقراطية، عن طريق التجارة وملكية الأراضي.
ج_ تنوع الحرف وتزايد الاختصاصات فيها، وهذه كان يسيطر عليها كلها غير العرب.
وقد اسهمت كل هذه التطورات في تدعيم دور العوامل السياسية والاقتصادية، وفي إضعاف دور العامل الديني في التدرج الطبقي: (Ashtor 1976:22-35).
وقسّم إخوان الصفا (القرن العاشر) البشر على النحو التالي:
"أ_ حرفيون يعملون بعضلاتهم وبأدواتهم.
ب_ التجار الذين يشترون ويبيعون، وهدفهم تكوين فائض بين ما يأخذون وما يعطون.
ج_ الأثرياء الذين يملكون المواد الخام، ويشترون البضائع الجاهزة".
كما يقدم ابن خلدون (1969: 299-300) الذي عاش في القرن الرابع عشر، تصنيفاً أكثر تفصيلاً. فهو يقول: "إن تحصيل لقمة العيش ونيل الربح"، يمكن أن يتمّا عبر الوسائل التالية:
أ_ فرض الضرائب، وهذا يعني القدرة على أخذ الضرائب من الآخرين والاستيلاء عليها، بحسب قوانين معترف بها.
ب_ الزراعة، زراعة الأرض، وجني المحصولات الطبيعية.
ج- الحرف، استخدام طاقة العمل البشرية في أغراض مادية محددة.
د- المهن، استخدام طاقة العمل البشرية في أغراض مادية غير محددة.
ه_ التجارة، نقل البضائع أو خزنها للحصول على فائض القيمة بين سعر الشراء وسعر البيع.
كما تقدم (نظام الملك)، وزير السلاجقة الأتراك، تصنيفاً سياسياً في كتاب له بعنوان (كتاب سياسة نامه) ألفه حوالي العام 1092م. وقد صنف العاملين بالدولة، بحسب الترتيب الآتي:
1_ الملك.
2_ حكام المقاطعات أو جباة الضرائب.
3_ الوزير.
4_ ملاك الأراضي (الإقطاعيون).
5_ الفلاحون التابعون لهم.
6_ القضاة والخطباء والمحتسبون... إلخ.
--------------------
* في البدء كان الصراع
|