|
يشكِّل التاريخ تجربة إنسانية وصيغة تشكيلية لوقائع وأحداث وقعت في الماضي، وفق قوانين وسنن اجتماعية تكشف عن وضع ومستوى الإنسان الفكري والنفسي والحضاري، ومع التسليم بوجود سنن وقوانين تتحكم بتاريخ البشرية، تتم القناعة باحتمال تكرر الأحداث والوقائع المشابهة في الحاضر والمستقبل، إذا ما توفرت أسبابها وشروطها كاملة.
ولقد اهتمّ الإنسان بحفظ أحداث الماضي وتدوينها ونقلها إلى أجيال الحاضر والمستقبل، ولعلّ اليونانيين هم أول مَن دوّن التاريخ وكتبه واعتنى به بهذا الشكل.
ولم تكن العرب لتعرف التدوين التاريخي، بل كان الشعر والأخبار والقصص التي تروى شفاهة هي سجل العرب وديوان معارفهم وثقافتهم التاريخية.
وحين بزغ نور الإسلام وهبط الوحي في أرض الجزيرة العربية، وبدأت أحداث ووقائع الدعوة وتاريخها بكل ما فيه، من سيرة النبي الكريم محمد (ص) العملية، وسيرة أصحابه، وكيفية قيامه بمهام الدعوة والصراع ضد خصوم الإسلام، ومواقف الرسول العسكرية والسياسية، وخطبه ومراسلاته وأحاديثه وتوجيهاته ومحاوراته.
لقد وقعت كل تلك الأحداث العظيمة والخطيرة، ولكنها لم تكن تدوّن أو تسجّل، بل كان أصحابه ومَن يسمعونها أو يشاهدونها يتحدثون بها ويروونها شفاهة، عدا مراسلاته المكتوبة التي كان يبعث بها إلى الملوك والرؤساء.
وقد اشتدّ اهتمام المسلمين بحفظ ورواية ما يصدر عن الرسول الكريم (ص) من أقوال وأفعال وتقريرات بتبليغها ونشرها بين الناس، إلا أن عدم تدوين ما كان يصدر عن الرسول الكريم في حينه قد تسبب في ضياع الكثير من تلك الآثار العظيمة، خصوصاً ما صدر منه في مكة المكرّمة.
وقد كان الرسول (ص) يبعث ببعض أصحابه للدعوة والتبليغ والقضاء، فيوسع دائرة النشر لما يصدر عنه، ويعمم تبليغه.
كما كان يحثّ الناس على نشر وتبليغ ما يصدر عنه (ص) من أقوال وممارسات.
فقد روي عنه قوله (ص) يوم حجة الوداع:
((نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها مَن لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه)).
ولقد شعر المسلمون بالحاجة إلى الكتابة وتدوين حديث رسول الله وسيرته المباركة بعد وفاته، إلا أنهم واجهوا رفضاً من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كما صرّح بذلك ابن سعد في كتاب الطبقات، غير أن الرواة والمؤرخين يذكرون أن أول مَن دوّن في الإسلام وسمح به بعد عصر النبوة هو الإمام علي بن أبي طالب، وولده الحسن (ع).
ولقد كثر الكذب والدس على رسول الله (ص)، فتسرّب التحريف إلى السنة النبوية وزوّر كثير من وقائع التاريخ وأحداثه، بسبب الصراعات السياسية والنزاعات الفكرية، وبسبب الزنادقة والمندسّين والوضّاع والكذّابين، وتسرّب الإسرائيليات وأمثال ذلك، لذا فإن معرفة الحقيقة التاريخية والسنة النبوية صارت أمراً يحتاج إلى بحث وتحقيق، وتحرّ علمي دقيق، وموضوعية أمينة من الباحث والمحقق.
وواضح لدينا كم هو مهم وخطير الحصول على السيرة والسنة النبوية بكمالها وصحتها، ذلك لأن السنة النبوية تشكل المصدر الثاني للفكر والتشريع الإسلامي بعد كتاب الله سبحانه، والدليل الهادي للأمة ولمسيرتها في الحياة.
وهذه الأهمية هي التي دعت المسلمين بمختلف مذاهبهم إلى الاهتمام بحفظ السنة والسيرة النبوية، وتدوينها فيما بعد، وتأسيس علم الرجال، وتأليف كتب التراجم والطبقات لمعرفة أحوال الرواة ورجال الحديث والسير وضبط أسانيدها، لتمييز الصادق من الكاذب، ومعرفة عقيدته وضبطه للرواية، وطبقته في الرواة، لمعرفة مدى الوثوق بما يرويه، كما أسس علم الدراية، (علم الحديث والرواية) ليتعهد هذا العلم بدراسة متن الحديث ونصوص الروايات ونقدها، وتأسيس القواعد والأسس لتقويمها ومعرفتها، كما وضع علماء أصول الفقه القواعد الأصولية لفهم السيرة العملية وحل التعارض بين الروايات والأخبار، وتقديم بعضها على بعض، إلا أن هذه الدراسات نفسها على الرغم مما قدمته من خدمة جليلة للسنة والسيرة والتاريخ، لم تستطع أن تتجاوز مشاكل الباحث الذاتية وميوله الشخصية، وقدراته العلمية القاصرة أحياناً، إضافة إلى مشاكل البحث المنهجي وتعدد النظريات والآراء الرجالية والروائية التي بني عليها علم الرجال والدراية وأصول الفقه.
وبذا تكرّس جانب كبير مما كان ينبغي تصحيحه، ومما هو مشكوك فيه، أو موضوع ومدسوس على السنة، أو من محاولات طمس بعض أجزائها ومعالمها.
فقد واجهت السنة والسيرة النبوية عملية الوضع والكذب على رسول الله (ص) حتى في زمانه، مما دعاه إلى أنْ يخطب الناس وينادي:
((أيها الناس قد كثرتْ عليَّ الكذّابة، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوء مقعده من النار)).
كما عرّضت السنة إلى التحريف بتعمد إهمال بعض النصوص أو الحوادث والشخصيات وطمسها، وعدم ذكرها، وحذف عبارات من أقوال الرسول (ص).
وإذن فالتحريف الذي أُدخل على السيرة والسنة النبوية تركّز في:
1 ـ وضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص)، خصوصاً في مجال العقائد والمناقب والإشادة بالشخصيات.
2 ـ طمس بعض الحوادث والمواقف والأقوال الصادرة عن رسول الله (ص) وعدم روايتها، والحيلولة دون إخراجها في كتب الحديث والسيَر والتاريخ والرواية لتضييعها ولئلا يطّلع عيها الرأي العام الإسلامي، دفاعاً عن موقف سياسي، أو معتقد فكري يراه هذا الحاكم، أو ذاك المؤرخ والراوي، وأمثالهم.
3 ـ التلاعب بما روي، وعدم ضبط الألفاظ أو أسماء الأشخاص كما صدرت عن رسول الله (ص) لتضييع الحقيقة، أو تغيير معناها.
4 ـ التلاعب بحوادث التاريخ التي تلت رسول الله (ص) والمرتبط بامتداد السنة والسيرة النبوية.
5 ـ قطع بعض الجمل والعبارات الواردة في بعض أقوال الرسول (ص).
إن الدارس لحوادث التاريخ والسيرة والسنة المطهرة يشاهد كل ذلك، ويجد التلاعب والتحريف بمستوى أريد له أنْ يغيِّر حقائق كثيرة وخطيرة، خصوصاً في المجال السياسي منها، لذا لابد لنا من أنْ ننادي جميعاً بضرورة إعادة كتابة التاريخ وتنقيح ما بأيدينا من مصادر ووثائق.
* المصدر : البلاغ
|