|
اجتاحت عدة بلدان إسلامية في السنوات الأخيرة حركة انبعاث اسلامية متطرفة ترفض كل التسويات الممكنة في المعايير الإسلامية. لكن هذا التوكيد من جديد لمعايير الوحي، الذي يذكر بالمذهب الحنبلي والمذهب الإسلامي بشكل أو بآخر، ليس جديداً في البلدان الإسلامية. ففي العصر الحديث كان يوجد دائماً في صفوف كل الجماعات من أنصار النهضة تقريباً أعضاء متطرفون يرفضون التسويات ويصرون على تطبيق معايير الوحي تطبيقاً صارماً. ولعل أوضح هؤلاء المتطرفين بياناً وأشهرهم صرحة آية الله الخميني الذي وجدت تعاليمه تعبيراً في الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979.
ليس غرضنا الحديث عن مبادئ الثورة الإيرانية وأهدافها التي ما تزال تحتاج من العلماء إلى مَن يدرسها ويحللها، بل نريد إيجاز أفكار مفكر إسلامي رائد ومُثُله حول العدل إيجازاً قد يلقى الضوء على التيار الفكري للمتدينين الآخرين الذين يكافحون في سبيل وضع المعايير الدينية في موضعها الصحيح.
قبل أن تشتعل الثورة بزمن بعيد وضع الخميني عدة مؤلفات في موضوعات مختلفة في ايران ثم في منفاه، لا سيما في النجف، حيث حاضر ووجه عدة رسائل إلى أتباعه. ولكن أفكاره حول العدل معروضة على نحو خاص في كتاب حول الحكومة الإسلامية. يقول الخميني: ((الإسلام ملتزم بالحق والعدل)). إلا أن معناهما يتضح من خلال استعراضه بنية الحكومة الإسلامية المقترحة وأهدافها الواسعة. فقد عَني بالحق ـ حق الوحي، وعني بالعدل ـ العدل الإلهي. وكلاهما متجسد في الوحي بوصفه المصدر الرئيس للسلطة ـ السلطة التي تصدر عن الله ويفوض النبي بممارستها نيابة عن الله، ثم الإمام من بعده. وبوصف الخميني عالماً شيعياً قَبل شرعية الإمام طبقاً لمبدأ التعيين ـ تعيين علي، الإمام الأول، من قبل النبي ثم لذرية علي بالتسلسل. والإمام، بحسب المذهب الشيعي، يفهم معنى الحق التام، وأوعز إليه أن يسوس الناس بالعدل. لكن آخر الأئمة، الذي اختفى ليعود لاحقاً بصفة المهدي، ترك مجتمع المؤمنين قطيعاً بلا راع تحت رحمة حكام ظالمين. وفي أثناء غيبة الإمام كان من المفروغ منه أن يقوم المجتهدون (العلماء) بهداية المؤمنين الشيعة. وفي ايران أخذ الشاه يمارس السلطة المدنية بدءاً من القرن السادس عشر نيابة عن الإمام افتراضاً تاركاً شؤون الشريعة والدين للمجتهدين. لكن هؤلاء المجتهدين لم يقفوا جميعاً متحدين بوجه الشاه حين ساد الفساد والظلم، إذ كان من رأيهم أن واجبهم إسداء النصح للحاكم لا الانخراط في الفعاليات السياسية. أما الخميني فذهب إلى أن واجب المجتهدين لا يقتصر على إسداء النصح: فإذا ما ضرب الحاكم عرض الحائط بنصيحتهم وجب عليهم أن يتسلموا مقاليد الأمور ويضعوا حداً للفساد والظلم. ودعا الخميني المجتهدين إلى إقامة نظام يرأسه الفقهاء يُطلَق عليه (حكم الفقهاء)، ويتولى كل السلطات وفقاً للشريعة. وبعبارة أخرى يرى الخميني أن الشريعة الإسلامية إذ تحل محل التشريعات المدنية هي القانون الوحيد الذي تُتخَذ استناداً إليه كل القرارات ـ السياسية والاجتماعية وسواها.
يبدو أن نظام الحكم الذي ورد في كتابات الخميني لا يحوي قدراً كبيراً من الأصالة والابتكار، لأنه يقوم من حيث الأساس على المجموعة ذاتها من المبادئ المجسدة في معيار العدل الشيعي وفقاً للفرقة الشيعية (الاثني عشرية) أو (الجعفرية) السائدة في ايران. على أن أهمية مقترحات الخميني ليست في كونها ذات محتوى جديد، بل في كونها قد وردت في برنامج جيد الصياغة لتلبية المطالب المباشرة. ودعا الخميني، وهو الزعيم المحرض، جميع العلماء إلى أداء واجبهم الديني بممارسة سلطة قد انتقلت إلى أيدي حكام علمانيين طغاة ظالمين. وكان يقول إن من واجب العلماء أن يتعاونوا ويتحدوا ضد الطاغوت، الحاكم الذي أضلته نوازع الشر، حتى يعود حكم الشريعة والعدل إلى سابق عهده. ثم إن الحاكم (الشاه) لم يصبح جائراً مضطهداً وحسب، بل خضع للضغوط الأجنبية، وأخذ بأساليب مادية فاسدة تتنافى مع المعايير الإسلامية. هذا ولم تكن دعوة الخميني للوقوف ضد الظلم موجهة إلى العلماء في ايران فقط بل إلى كل العلماء في البلدان الإسلامية حيث يسود الفساد تطغى المادية. وبالفعل حين بدأ الخميني التبشير بأفكاره كان آنذاك يقيم في النجف (العراق) حيث أمضى عقداً من السنوات منفياً. ويحوي كتابه في الحكم الإسلامي محاضرات ألقاها على شبان كانوا يدرسون الشريعة وعلم الكلام قبل أن يُنشر بالعربية والفارسية.
كان اهتمام الخميني المباشر منصباً بالطبع على أحوال ايران، إلا أن دعوته إلى (الحق والعدل) كانت رسالة موجهة إلى علماء كل الأقطار الإسلامية كي يتحدوا ضد الحكام الذين عجزوا عن مقاومة الضغوط الأجنبية وسمحوا للمادية بأن تطغى. وبعد عودته إلى ايران لم يخفِ نيته في تحريك الثورة الإسلامية لا في ايران وحدها بل في البلدان المجاورة أيضاً. وبالفعل استجابت العناصر المتطرفة التي أعادت تأكيد المعايير الدينية في مصر والعربية السعودية (إذا اكتفينا بمثالين) لدعوة الخميني وذلك بإثارة الاضطراب السياسي والخروج على السلطات. ولم يُخف الشيعة في العراق وفي منطقة الخليج المجاورة استعدادهم لنصرة دعوته الثورية. ولو قدّم الخميني نفسه زعيماً اسلامياً، بصرف النظر عن الفروق في التسميات، كما يريد في دعوته الأصلية فيما يبدو، لكان تأثيره على الانبعاث الإسلامي أعمق وأوسع انتشاراً. لكن كان لابد لانشغاله بحاجات ايران ومطامحها المباشرة أن يحد من دائرة تأثيره ويقصر شرعية دعوته على تحقيق معيار العدل الشيعي. وكلما زاد انهماك الخميني في شؤون ايران ونشاطات (المجلس الأعلى) الذي يرأسه زاد انكماش حركته لتصبح حركة شيعية تقترن غالباً بالقومية الفارسية. لكن أفكار الخميني ومثله ارتفعت فوق التسميات القومية، لأنه كان يتكلم بصوت إمام سابق للقبة القومية، ولم يتجه بدعوته إلى الشيعة فقط، بل توجه أيضاً إلى كل المؤمنين برسالته العالمية الداعية إلى (الحق والعدل) في جميع أقطار العالم.
*المصدر :مفهوم العدل في الاسلام
|