سيرة و تاريخ

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
إحسان الأمين
الظروف التي منعت الأمة من الاستفادة من علم علي (ع)

على الرغم من التأكيد الكبير من لدن رسول الله (ص) على علم علي (ع) وموقعه من الرسالة واختصاصه وأهل البيت (ع) بالقرآن و(أنهما لن يفترقا) حتى يردا عليه الحوض؛ على الرغم من كل ذلك، فإنه لم ينقل الصحابة عن علي (ع) شيئاً كثيراً، وأما التابعون فلا يبلغ ما نقلوا عنه المائة رواية في تمام القرآن، وأما الحسن (ع) فلعل المنقول عنه لا يبلغ عشراً، وأما الحسين (ع) فلم ينقل عنه شيء يذكر.
وبذلك فقدت الأمة كنوزاً عظيمة من المعرفة القرآنية والسنة النبوية المتوارثة عند أهل البيت (ع)، ولأجل التعرف على الأسباب الكامنة وراء ذلك لابد من الرجوع إلى الظروف التاريخية التي مرت على أهل البيت (ع)، فإن من المسلم به أن الناس قد انزووا بعد وفاة الرسول (ص) عن أهل بيته، وأنه مرّت عليهم ظروف صعبة انشغل الناس فيها بغيرهم، كما إن السياسة العامة كانت أيام أبي بكر وعمر قائمة على تجريد القرآن من حديث الرسول (ص) والذي كان في أغلبه بياناً للقرآن وتفسيراً له.
حتى بلغ الأمر إلى معاقبة مَن يسأل عن تفسير القرآن، ومن ثم منع تداول الحديث النبوي وإحراق ما كتب منه، وروى الذهبي أن الخليفة الثاني حبس ثلاثة ـ من أئمة الحديث ـ ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري، وقال لهم: أكثرتم من الحديث عن رسول الله.
ومن ثم كان ما كان إذ روى ابن كثير في تاريخه عن أبي هريرة، قال: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله (ص) حتى قبض عمر.
ثم كانت أيام الفتنة في زمن الخليفة عثمان واضطراب البلاد الاسلامية حتى تسلم الإمام علي (ع) الخلافة، فعمل جهده على إرساء دعائم العلوم الاسلامية، فدعا دعوة عامة للسؤال عن تفسير القرآن وإحياء سنة الرسول (ص) في إقراء القرآن وإكرام القراء، وأملى على تلميذه أبي الأسود الدؤلي أسس علم النحو لصيانة اللسان العربي وبالتالي حفظ تلاوة القرآن، إلا أن ذلك، وما لازمه من إحياء سنة رسول الله (ص) بالسوية في العطاء والحقوق بين المسلمين وعدم التمييز بينهم، ومحاسبة الولاة وعزل الفاسقين منهم؛ دفع البعض ممن تضرروا بسياساته العادلة إلى إثارة الفتن، فكانت واقعة الجمل وحرب صفين وحرب النهروان خلال السنوات الأربع التي كانت مدة خلافته حتى امتدت يد الفتنة والبغي إليه ليستشهد وهو في محراب صلاته.
ثم كانت أيام معاوية الذي كتب إلى عماله بقتل مَن كان على دين علي ورأيه والتمثيل به.
وكتب إليهم: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
وأمرهم بشتم علي وذمه.. والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم.
بل لعنه على المنبر وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا، فكتبت أم سلمة زوجة النبي (ص) إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومَن أحبه، وأنا أشهد الله أن الله أحبه ورسوله، فلم يلتفت إلى كلامها.
وروى أبو عثمان الجاحظ أن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين! إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن الرجل. فقال: لا والله، حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً.
وعلى هذه السياسة كانت سياسة الخلفاء الأمويين، من بعده، ابتداء بابنه يزيد الذي قتل الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، ومن ثم سائر الخلفاء سوى عمر بن عبدالعزيز.
فكيف يمكن نشر علوم علي وأهل بيت الرسول (ص) وهم ما بين قتيل وشريد، وكذا أصحابهم الذين صبّت عليهم المصائب والمحن؟
ولم تكن أيام العباسيين بأفضل من أيام الأمويين إن لم يكونوا قد تعدوهم في الظلم وتشديد الخناق على أهل البيت (ع)، ومحاولة منع علومهم، حتى أنه ذكر أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور عندما طلب من الإمام مالك كتابة (الموطأ) طلب منه أن يقل الرواية عن علي.
وكل هذه الظروف كانت لإبعاد الناس عن أهل البيت (ع) وبالتالي حرمانهم من معارفهم: وهم حملة علوم القرآن وحفظة السنة النبوية.
ولم تتوفر ظروف مناسبة نسبياً إلا للإمامين الباقر (ع) (ت: 114هـ)، والصادق (ع) (ت: 148هـ)، إبان انحطاط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، فقاما بتجديد العلوم الاسلامية ونشر الحديث وتفسير كتاب الله، وهو ما تدل عليه كثرة الروايات نسبياً عنهما.
وكان طبيعياً أن يحرص كل إمام، ابتداءً من علي (ع) وفي مقابل تلك الظروف الصعبة على إيصال ما بلغه من علوم القرآن والسنة إلى الإمام الذي بعده سواء بالتعليم المباشر كما مر في قول الصادق (ع): ((إن الله علّم نبيه التنزيل والتأويل فعلّم رسول الله (ص) علياً (ع) وعلمنا والله)).
أو بواسطة التراث الذي تركه، فكان من ذلك القرآن الذي جمعه (ع)، والذي يعتقد شموله على أسباب النزول والتفسير، و(الجامعة) وهي من إملاء رسول الله (ص) على أمير المؤمنين (ع)، وقد تضمن ما يحتاج إليه الناس من حلال وحرام وجاء مفصلاً كل ما جاء في كتاب الله من أحكام وأوامر ونواه، وقد ورث الأئمة من أهل البيت هذا الكتاب كابراً عن كابر، وكانوا يطلقون عليه اسم الجامعة، وتارة الصحيفة وأخرى كتاب علي ورابعة الصحيفة العتيقة.
وقد وردت الروايات عن الإمام الصادق (ع) لتؤكد أهمية هذه الصحيفة، إذ روي عنه (ع) أنه قال: ((إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا كتاباً أملاه رسول الله (ص) وخطه علي (ع) صحيفة فيها كل حلال وحرام)).
كما وردت روايات أخرى بوجود كتب أخرى ورثها الأئمة (ع) عن الإمام علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع)، ولا شك بأن علوم القرآن وتفسيره كانت من أهم ما تضمنته هذه الكتب، إذ روي عن الباقر (ع): ((إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه)).
جدير ذكره أن هذه الكتب مختصة بالأئمة ولا توجد بين أيدي الناس، ولم يرجع إليها المفسرون الشيعة، خلافاً لما توهمه الدكتور الذهبي.
ولم يكن أهل البيت (ع) كسائر الناس يعملون بالرأي أو يأخذون حظهم من العلم بالاجتهاد، لذا فإن أهل البيت (ع) ما كانوا مجتهدين ولا عاملين بالرأي، بل كانوا يحملون العلوم النبوية، إماماً عن آخر حتى ينتهوا بذلك إلى رسول الله (ص).
وفي ذلك يقول الإمام الباقر خامس أئمة أهل البيت (ع): ((لو أنا حدثنا برأينا ضللنا، كما ضل مَن كان قبلنا، ولكن حدثنا ببيّنة من ربنا بيّنها لنبيه فبيّنها لنا)).
وقال الإمام الصادق (ع) مؤكداً أن العلم الذي يحمله أهل البيت (ع) قد توارثه عن رسول الله (ص): ((إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنها آثار من رسول الله (ص) اصل علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضتهم)).
وقد سأل رجل أبا عبدالله الصادق عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال (ع) له: مَه ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (ص)، لسنا من ((أرأيت)) في شيء.
وهو أيضاً يقول: ((حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث أبيه، وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب وحديث علي حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله (ص) قول الله عزوجل)).
ولهذا السبب كان أهل البيت (ع) مرجعاً في الرواية والتفسير لأنهم ينهلون من رسول الله (ص) علومهم ومعارفهم، ويهتدون بهديه ويقتدون بسيرته، فهم الراسخون في العلم والأمناء على الرسالة. فعن سماعة عن الإمام الرضا (ع)، قال: ((قلت له: كل شيء تقول به في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه برأيكم؟ قال: بل كان شيء نقوله في كتاب الله وسنة نبيه)).
*المصدر : التفسير بالمأثور وتطويره عند الشيعة الامامية

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com