|
إن عرب ما قبل الاسلام هم غير عرب الاسلام. لذلك فالعرب (عَرَبان) إذا صح التعبير. فإن عرب ما قبل الاسلام ليسوا في نظري هم نفس العرب بعد أن غزا الاسلام مشاعرهم ووجداناتهم واتخذوا منه منهجاً وفكراً وسلوكاً وعقيدة. لقد تبدل القوم غير القوم، فأصبحوا وقد اعتنقوه شيئاً آخر لم يكونوه من قبل، هذا مع ان هياكلهم العظيمة وجميع مقوماتهم البيولوجية والفسيولوجية والوراثية لم يطرأ عليها تغيير يُذكر.
ان الفرق بين (العَرَبَيْن) هو فرق في ثروة الأفكار وثورة الأفكار، كالفرق بين إنائين أحدهما فارغ والآخر ممتلئ أو شيء من هذا القبيل، أو كالفرق بين بئر معطّلة أصبح ماؤها غوراً، وبئر تفجرت عيوناً ينبجس منها ماء معين. هل يستويان مثلاً؟ لكن على حين أن الفرق بين البئر المعطلة التي جف ماؤها والبئر التي يتدفق منها الماء وينساب جداول وأنهاراً يُدرك بالعين الباصرة، فإن الفرق بين (العَرَبَين) لا يدركه إلا بعض البصائر النادرة. بل هيهات أن يدركه إلا بعد الكثير من الفحوص والتحليلات القادرة. فعرب الاسلام هم عرب ما قبل الاسلام بحكم بادي الرأي والسحنة الظاهرة، ولكنهما عالمان مختلفان أحدهما أرض قفر والآخر واحات عامرة. هكذا تفعل الأفكار في العقول السادرة!
لقد نفذ الدين الجديد إلى الأغوار العميقة، التي ينتهي عندها فعل البيولوجيا ويبدأ فعل السيكولوجيا. هنالك يُصنع الانسان وهنالك يكمن جوهر الانسان وهناك تتبلور حقيقة الانسان. هنالك لا تجدي قوانين البيولوجيا ولا تغني عن أصحابها شيئاً، مهما ابيضّت وجوه ومهما اسودّت وجوه، ومهما اتسعت أحجام الجماجم أو ضاقت، ومهما كانت فئة الدم، ومهما صفت أو اختلطت بغيرها من الدماء. لقد تغلغل الاسلام في أغوار، ومسّ شغافاً، ووصل إلى تخوم وأبعاد هيهات أن تبلغها البيولوجيا والفسيولوجيا، إنها من حيِّز السيكولوجيا لا شريك لها فيه ولا نديد. فوريت الزناد، وتفجرت الطاقات، وظهرت الآيات البينات! ولم يكن ذلك لمزية في العرب لم تسنح لغيرهم من الأمم والشعوب. وإلا وقعنا في عنصرية بغيضة طالما نددنا بها وأعلنا النكير عليها.
وسنرى إلى أي حد لم يكن العرب الجاهليون هم أنفسهم عرب الدعوة. الناس هم الناس إذا أردت ظاهر الناس، ولكن الناس غير الناس إذا أردت حقيقة الناس: الرؤى غير الرؤى، والتطلعات غير التطلعات، والتبعات غير التبعات، والآمال غير الآمال، وكذا الأهداف والغايات والحقوق والواجبات، وكذا النظر إلى الكون والانسان والحياة وما بعد الممات.. هذا هو الانسان وهذا هو ما يختلف فيه الانسان عن الانسان حتى الأخوين التوأمين يختلفان في الرؤى والأحلام والنظر إلى خالق الأكوان، فما ظنك بالأباعد من بني آدم المختلفين في الزمان والمكان؟ الأجسام هي الأجسام وعالم الأعيان هو عالم الأعيان، ولكن الخلاف إنما يكمن في عالم الأذهان، أفتشككون بعد هذا فيما طرأ على تاريخ شبه الجزيرة العربية في صدر الاسلام من أطوار وتطورات، وتساوونه بتاريخها فيما خلا من الدهر وفات؟ لعمري وعمرك إنها لإحدى الكبريات! مسافات شاسعة تفصل بين الناس والناس وتفرق بين الناس والناس. إلا شتان بين الناس، ناس بلا أهداف ولا غايات غير غزو الناس للناس، وافتعال المعارك مع الناس، وإثارة النعرات وتبديد شمل الناس للناس، في سبيل لقمة الخبز وتأمين معيشة الناس وتحقيق الحاجات المادية العاجلة للناس ـ وناس تبدلوا غير الناس، وتبدلت معهم الأهداف والغايات والمثل، هكذا هكذا يكون الناس، وإلا فبطن الأرض خير من ظهرها لهم ولسائر الناس. فبئس الناس قبل ثورة الناس، ونِعمَ الناس ونعَمتْ ثورة الناس! وهجمت الأفكار والمبادئ واقتحمت عرين الناس، وعقدوا الرهان عليها وصحت عزيمة الناس، وجاءت المهمات والتبعات والحقوق والواجبات لتقويم إعوجاج الناس وتصحيح مسيرة الناس وملء فراغ حياة الناس وأعقبتها الآمال والأحلام والوعود لتمد في حياة الناس، وتكثف وتغني وتعمق وجود الناس، ولتزيد كذلك في أحجام الناس، وتمنحهم أبعاداً وتفتح لهم آفاقاً وعوالم لم تخطر على بال الناس، وتستبدل بما رثّ وهان ما يحيي ويجدد نشاط الناس، ويفجر المواهب والطاقات المستكنة في أعماق الناس، ويشحن القوى والمشاعر بكل ما يستجيش حوافز الناس. تالله هنا يكمن السر في بينونة الناس عن الناس! الأرض هي الأرض والأجسام هي الأجسام والمناخ هو المناخ ولكن الناس ليسوا الناس! أرأيتَ كيف يختلف الناس عن الناس؟ هكذا تفعل الأفكار في الناس إذا اخترقت وجدان الناس وأعمق أعماق كيان الناس، لتغير ما بالناس وتجعل الناس غير الناس!!
إن هذا لا ينطبق على (العَرَبَيْن) فقط، عرب ما قبل الاسلام وعرب الاسلام، بل هو ينطبق أيضاً على عرب اليوم وعرب الأمس. ما الفرق بينهما؟ هناك أيضاً (عَرَبان): عرب يتسكعون في الطرقات وعرب يبنون الطرقات، عرب فرحوا بما أوتوا ورضوا بالقعود، وعرب انتفضوا وأبوا إلا التحليق ومطاولة النجوم! عندما كنا صناع أفكار حفظنا الذمام وحفظنا الديار، وعندما فرّطنا في الأفكار انتهكت الذمام وانتهكت الديار. فإنما الفرق إذن فرق في القدرة أو عدم القدرة على صناعة الأفكار. ولا يقتصر ذلك على العرب وحدهم، بل هو يسري كذلك وبالمقدار ذاته ـ على جميع الأمم والشعوب التي كانت ثم صارت. ما الفرق بين البرابرة جرمان الأمس وأخلافهم الألمان الحاليين؟ قوم بربرتهم خصاصة الأفكار واشتدت بهم فاقة الأفكار، وقوم عرتهم رعشة الأفكار وهذبت طباعهم الأفكار، حتى غدوا من أرباب الأفكار!
إيتوني بأي فرق يذكر في السحنة أو الأرض أو العرق أو المناخ بين الفايكونغ القدماء وبين أحفادهم الاسكنديناف الحاليين غير فرق شح الأفكار وغزارة الأفكار. لقد مسختهم قلة الأفكار ثم بعثتهم وفرة الأفكار. أسطورة أصبحت حقيقة واقعة بفضل الأفكار وفائض الطاقة أنتجتها مكتشفات الأفكار. لقد امتلأ الرأس فامتلأ الجيب فدبت العافية، فتبدلت أشكال الحياة. هذه هي القصة من أولها إلى آخرها. الاقتصاد لا يصنع صاحبه، صاحبه هو الذي يصنعه، ثم يرتد أثر الصنعة على الصانع. انه لا يصنع صاحبه ولا يرتد أثره على صاحبه إلا بعد أن يصنعه صاحبه، وهو لا يصنعه إلا إذا صح عقله، واكتملت مواهبه وتفجرت طاقاته، وكان مثلاً يحتذى في ضخ الأفكار وصناعة الأفكار. فجميع الطرق تؤدي إلى الأفكار فإذا كنت تملك أفكاراً فقد ملكت العالم..
* * *
وغنيّ عن البيان أن هذه التغيرات الشاملة لا تنطبق فقط على اليونان والعرب والألمان والاسكنديناف وحدهم، وإنما هي تنطبق أيضاً على جميع الأمم والشعوب في كل زمان ومكان، على تفاوت في ذلك بطبيعة الحال، تبعاً لقوة الأفكار المجتاحة واللحظة التاريخية التي حصل فيها الاجتياح. فالبشر إنما هم أوعية متحركة بالأفكار، أي مجموعة من المعاني والرموز والهموم والهواجس والمخاوف والأوهام والأخيلة والمثل والمقاصد والغايات تثيرهم وتغزو مشاعرهم. الأفكار كالسهام، فإن الفرد عندما تعروه فكرة في حالات معينة من الإشراق والتنبه واليقظة والإثارة والانفتاح ـ ولا سيما في عصور التحول ـ فان ثورة حقيقية تنشب في رأسه. لقد اتخذت هذه الفكرة طريقها في المفاوز والأدغال ومضت إلى الشغاف حيث تفعل الأفاعيل. لقد نفذت إلى الأغوار السحيقة حيث الحل والعقد وحيث يُصنع القرار. فتختل توازنات وتتزعزع ارتباطات وتُدك حصون وتُشق مسارب ودروب تتيح للفكرة الجديدة أن تستقر في قرار مكين. وهناك تفعل فعلها بعد أن تُدرس وتمحص وتقدم تقارير وافية عنها من قبل خبراء مختصين بشحنات الأفكار فيحيلونها على الأجهزة الفنية في الدماغ، وهي الأجهزة المسؤولة عن تنفيذ ما يتخذ من قرارات وتوصيات. انسان جديد ـ أو يكاد ـ برز إلى الوجود. والأمر مرهون بقوة الفكرة الجديدة وحجمها وقدرتها على الصيال والنزال، حتى تشق طريقها إلى مستقرها بين لداتها وأترابها من الأفكار وأشباه الأفكار. لقد دخلت في نظام جديد من الأفكار وعلاقات جديدة، فسرى إليها من هذا النظام نصيب، كما سرى إليه منها نصيب، وتفاعلت عناصر البناء كله واختلط النصيب بالنصيب، وغلب أحد النصيبين النصيب. وكل ذلك يتوقف على طابع الفكرة المهاجمة وطبيعتها ومكانها في النظام العام المتفجر أو الرتيب، وبيئتها العقلية الجديدة وما تعج به في كل علم عجيب، وعلائقها مع غيرها من الأفكار وجملة البناء الفكري المهتز العصيب. لقد عرفت طريقها وموقعها من تلقائها بنظام محكم فذ أريب، يستوقف النظر ويحير العقل الفطن اللبيب. لقد دالت أفكار وتشتت أفكار، وتولدت أفكار، وأجهضت أفكار واشتعل اللهيب، ووضعت الحرب أوزارها أخيراً وفتر اللهيب، وفي كل يوم يتجدد لهيب ويفتر لهيب!
والأمر شبيه هنا إلى حد ما ـ وأقول (إلى حد ما) كيلا يؤخذ هذا التمثيل حرفياً لأنه غير دقيق إذ الأمور هنا أكثر تعقيداً ـ بنزع كلية مريضة من البدن وزرع كلية سليمة في مكانها. فقد يرفضها البدن وقد يقبلها، وهو لا يقبلها إلا بعد عمليات طويلة معقدة يثيرها جهاز المناعة حتى يستقر على رأي حاسم فيها. وكذلك الأفكار لها جهازها المناعي الخاص.
وعلى كل حال، لقد خرج الفرد ـ بعد هدوء العاصفة ـ كيوم ولدته أمه أو شيئاً من هذا القبيل، فكلما استقوت عليه الأفكار اندفع في تيار الأفكار، فإذا به يتطلع إلى آفاق غير تلك التي كان يتطلع إليها، ويتحول إلى مفاهيم وشعارات وعقائد يهيم بها، إلى حد الجنون، فإذا به بين عشية وضحاها يغير ولاءه وعلاقاته وارتباطاته حتى يغدو شخصاً آخر. ولقد حدث الكثير من ذلك في أيام النبي نفسه، عندما كان الأب يثب على ابنه والابن على أبيه، وحيث اكن يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته التي تؤوبه، وكانت الزوج تنكر زوجها وتأتمر به لتقتله وتتقرب بدمه إلى الله. والمثل على ذلك الإخوان الشقيقان نشآ في بيت واحد فانتمى أحدهما إلى حزب وانتمى الثاني إلى حزب آخر. وحدثت القطيعة بينهما. إن كلاً منهما لا ينفك يعيب أخاه ويحقره ويربأ بنفسه عن أن يتردى إلى مثل ما تردى إليه أخوه. هذا ما يحدثه اختلاف الأفكار بين الأخوين الشقيقين، فما ظنك بما يحدث بين الأباعد؟ وهذا أيضاً ما كان يفرق بين الأب وابنه، بين الزوج وزوجه، بين الأخ وأخيه في مكة عندما بدأ محمد دعوته كما ذكرنا. حتى لقد وصفوا القرآن بأنه قول ساحر. ولابد أن الكثيرين منا قد لاحظوا هذه الظاهرة في لبنان بلد الشيع والأحزاب والطوائف والمذاهب والأقليات الدينية والعرقية. فهو تربة خصبة لكل ما يثير ويفرق ويشجع على اقتتال الأخوة. فكل فريق مشحون بطائفة من الأفكار مغايرة للفريق الآخر، ثم جاءت المصالح الحزبية والطائفية والسياسية والاستعمارية لتصبّ الزيت على النار. فكان ما كان مما لست أذكره من هذه الحرب الأهلية الشريرة التي استمرت ستة عشر عاماً. وإذا كان لبنان له عذره لأنه بلد متخلف ينتمي إلى العالم الثالث، فما عذر بلد كبريطانيا التي لم تستطع، ولعلها لا تريد أن تضع حداً للخلاف الطائفي أيضاً بين الكاثوليك والبروتستانت في المملكة المتحدة؟ حروب الأفكار أقوى من حروب المصالح، فإذا انضمت المصالح إلى الأفكار، فآذِنْ بعد ذلك بالخراب والدمار!
المصدر : الفكر العربي في مخاضه الكبير
|