|
متى ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
روي الحاكم عن أبي قتادة؛ أن أعرابيّاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: "إن ذلك اليوم الذي وُلدتُ فيه وأُنْزِلَ عليَّ فيه"1.
روي الترمذي عن قيس بن مخرمة قال: وُلدتُ أَنا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الفيِلِ، وسأل عثمانُ بن عفّانُ قُبُاثَ بن أُشَيمَ أخَا بني يَعْمَر بن ليثٍ: أنت أكْبرُ أم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أكبرُ منْي، وأَنا أقدمُ مِنهُ في الميلادِ، قال: ورأيت حَذْقَ أخضَرَ مَحِيلاً2.
روي الطبراني عن قَيْسِ بن مَخْرَمَة قال: وُلِد النبي صلى الله عليه وسلم عامَ الفيل، وبين الفِجار والفيل عشرون سنة، وبين الفجار وبناء الكعبة خَمْسَ عشرةَ سنةً، وبين بناء الكعبة ومَبْعَثه صلى الله عليه وسلم خمس سنين، فبُعث وهو ابنُ أربعين3.
فائدة:
قال الشيخ الغزالي في فقه السيرة:
كانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعاً عن قداسة الأشهر الحرم، ومكانة أرض الحرم، وهذه الشعائر بقية مما احترمه العرب من دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفع كبير لهم، وضماناً لانتظام مصالحهم وهدوء عداوتهم. كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه الحرمات.
ولكن أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتُلوا بمن استباحها، فظلموا أنفسهم فيها، وكانت حرب الفجار من آثار هذه الاستباحة الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها، وقد ظلت أربعة أعوام كان عُمْرُ (محمد صلى الله عليه وسلم) في أثنائها بين الخمسة عشرة والتسعة عشرة، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان المقاتلين.
أقول:
اختير له ـ عليه الصلاة والسلام ـ في جملة ما اختير له عام الميلاد، فكان ميلاده في عام الفيل، وهو العام الذي وقع فيه أعظم حدث في تاريخ الجزيرة العربية وقتذاك، مما مكن لقريش ولكعبتها.
ولد يتيماً صلى الله عليه وسلم:
روي الحاكمُ عن قَيْسِ بن مَخْرَمَة أنه ذكَر وِلادَةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: تُوُفِّيَ أبوه وأمه حُبْلَى به4.
أقول:
يذكر أهل السير أن أباه توفي في المدينة وأمّه حُبْلَى به، وأن أمه توفيت بعد زيارة لقبر زوجها، وهو ـ عليه الصلاة السلام ـ في السنة السادسة من عمره. ودفنت بالأبواء، وتوفي جدّه عبد المطلب بعد السنة الثامنة من مولده فانتقل إلى كفالة عمّه أبي طالب الذي كان فقيراً.
تعليق حول الحكمة من هذا اليتم وذاك الفقر:
يقول الدكتور سعيد رمضان البوطي في كتابه فقه السيرة:
لقد اختار الله عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكمٍ باهرةٍ، لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة للقلوب، أو إيهام للناس بأن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما رضع لَبانَ دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه، بإرشادٍ وتوجيهٍ من أبيه وجده، ولم لا؟ وإنَّ جده عبد المطلب كان صدراً في قومه، فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية.
ومن الطبيعي أن يُربِّي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث.
لقد شاءت حكمة الله ـ عز وجل ـ أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة، فنشأ رسوله بعيداً عن تربية أبيه وأمه وجده، وحتى فترة طفولته الأولى، فقد أرادت حكمة الله عز وجل أن يقضيها في بادية بني سعيد بعيداً عن أسرته كلها، ولما توفي جده وانتقل إلى كفالة عمِّه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات كان من تتمة هذه الحكمة أن لا يُسلم عمه. حتى لا يُتوهم أن لعمه مدخلاً في دعوته، وأن المسألة مسألة قبيلةٍ وأسرةٍ وزعامةٍ منصب.
وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيماً، تتولاه عناية الله وحدها، بعيداً عن الذراع التي تمعن في تدليله، والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.
--------------------------------------------
المصدر : السيرة النبوية
1 المستدرك (2/602)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
2 الترمذي (5/589) 50 ـ كتاب المناقب ـ2ـ باب ما جاء في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق.
حَذْقُ الطير: الحَذْقُ والذَرْقُ والخُرْءُ، كلها بمعنى واحد، وهو العَذِرَةُ، أي: براز الطائر. وقد قيل: إن المراد هنا الفيل لا الطير، وهو يعني أن الراوي رأى براز الفيل أخضر محيلاً، أي: بالياً قد دثر، وذلك لأن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وهو أسن من النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر وعلل ذلك بأنه رأى حذق الطير أو الفيل. ولأن رواية "حذق الطير" صحيحة، فلعله أراد الطير التي أرسلها الله على أصحاب الفيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وذلك صحيح أيضاً.
3 قال في مجمع الزوائد (8/257): رواه الطبراني، وفيه جعفر بن مهران السباك، وقد وثق وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
الفجار: اسم للحروب التي اندلعت في الجاهلية في الأشهر الحرم.
4 المستدرك (2/605) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
--------------------------------------
المصدر: السيرة النبوية
|