|
لقد أجمع المحدثون والمؤرخون على ان النبي (ص) وجماعة من بني هاشم كانوا قبل نبوته على شريعة ابراهيم الخليل ولم تنحن رؤوسهم ولا خشعت قلوبهم لغير الله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
السؤال الذي يفرض نفسه في المقام ولا يغيب عن بال الكثير من الباحثين هو ان عيسى ابن مريم(ع) كان رسولاً لجميع البشر بلا استثناء وان الشرائع العامة ينسخ المتأخر منها ما تقدمه من الشرائع والأديان، وقد جاء عيسى بعد موسى وابراهيم وغيرهما من الأنبياء ولابد وان تستمر شريعته ورسالته الى اليوم الذي بعث فيه محمد بن عبدالله (ص) ومع هذا الواقع الذي لا كلام حوله، فلماذا كان محمد بن عبدالله قبل نبوته على شريعة ابراهيم ولم يكن على شريعة عيسى التي فرضها الله على الناس أجمعين واستمرت إلى الزمن الذي بعث فيه محمد بن عبدالله(ص)؟
ويمكن الجواب عن ذلك ان جميع الأنبياء والمرسلين يتفقون على الدعوة إلى إله واحد لا شريك له ولا نظير وعلى الخير والاحسان ومحاربة البغي والعدوان ونحو ذلك مما يعود بالخير على جميع الناس.
ولا بد مع ذلك بأن يأتي المتأخر بتشريعات وتوصيات جديدة حسب مقتضيات الزمن وتطورات الحياة والمصالح التي لا يحيط بها في الغالب إلا الله.
ولقد بعث الله عيسى ابن مريم إلى جميع الناس وقبل أن يرفعه إليه غالى فيه اتباعه أسوأ أنواع المغالاة وعبدوه وأمه من دون الله. وقد حكى الله ذلك بقوله:
(يا عيسى أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) وكان الجواب من عيسى:
(ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله).
ووقع منهم مع هذا الفلو الفاحش اختلاف شديد في طبيعته وطبيعة أمه وكيفية ولادته وتفرقوا من بعده شيعاً وأحزاباً يتلاعنون ويتراشقون بالسباب والتكفير والحروب الدامية طيلة قرون من الزمن .
وأعلن العاقبة انشقاقهم عن الكنيسة روما ظل النساطرة على ولائهم لها، وسادت الحيرة على انسان تلك العصور وغطت بضبابها الكثيف على كل ما جاء به عيسى من مبادئ وتشريعات وحرفوا الانجيل حسب أهوائهم ومصالحهم حتى أصبحت المسيحية لا تعني إلا مجموعة من المتناقضات التي لا تقبلها العقول ولا تحدها الأفهام كما كان الحال في اليهودية قبلها، في هذا الجو المضطرب وجد محمد بن عبدالله قبل نبوته وليس للمسيحية معنى معقول ومقبول يمكن لإنسان كمحمد بن عبدالله الذي أدرك بفطرته الصافية زيف الوثنية وتناقضات النصرانية وانحرافها عن مفاهيم الرسالات، وضلال قومه أن يرجع إليه ويتخذه دينا من بين تلك الديانات المنتشرة هنا وهناك ولكن منها أنصار وأتباع يكفر بعضهم بعضاً.
في هذا الجو وجد محمد بن عبدالله فكان ينظر إلى المسيحية فلا يرى فيها إلا ما يثير الدهشة والاستغراب ويرى ضلال قومه في عبادتهم الأصنام والأحجار فيعود إلى تأملاته بعيداً عن إنسان عصره يعبد إله الأرض والسماء والبحار وما فيها من المخلوقات الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له شريك ونظير كما كان يعبد ابراهيم واخوانه الأنباء ولا يمكن لنبي من الأنبياء أن يحيد عن ذلك ويدعو الناس إلى غيره وان ضل اتباعهم وتفرقوا في متاهات الهوى والجهل وأصبح بعضهم يلعن بعضاً وستنهال اللعنات على كل من يعتنق المسيحية كما جاء على لسان عالم من النصارى عندما سأله زين بن عمرو بن نفيل عن المسيحية يوم ذاك ليتخذها ديناً له كما تنص على ذلك المؤلفات في سيرة الرسول (ص).
ومهما كان الحال فلقد اعتاد محمد (ص) على التفكير والتأمل في خلق الله وأحوال هذا العالم وتقلباته منذ شبابه ولم يكن ليشغله شيء عن التفكير والتأمل بما تموج به الدنيا من فتن وعدوان ومظالم وكان يتلوى حسرة وألماً وحيرة لأنه لم يكن يملك العلاج لما تتخبط به البشرية من ضلال طمس على أعين الناس فأصبحوا لا يبصرون.
لقد أصبح الصمت والتفكير وكأنهما جزء من حياته يتلمس في صمته أسباب الهدى وفي تأملاته في الحياة ومشاكلها أسباب السعادة لجميع الناس ليخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور الهداية والمعرفة ومن التمادي في الباطل إلى حظيرة الحق لا ليكون كاهناً أو عرافاً يخبر الناس عن ضمائرهم وما يجري عليهم في غدهم القريب والبعيد، ولا ليكون حكيماً كحكماء الاغريق وفيلسوفاً كفلاسفة اليونان.
والتجأ قبيل مبعثه إلى جبال مكة وشعابها ليكون بعيداً عن الناس ولغوهم وضوضائهم، ووجد في غار حراء ما ينشده من الوحدة والخلوة مع نفسه، فكان يذهب إليه في شهر رمضان من كل عام يقيم فيه الشهر بكامله مكتفياً بالقليل من العيش تحمله إليه زوجته خديجة الكبرى يطلب الحقيقة وحدها في خلواته مع نفسه ومن تأملاته في السماء ونجومها وكواكبها وفي الصحراء ولهيبها ساعة تكسوها الشمس بأشعتها المحرقة، وفي البحار وأمواجها والأرض وما فيها من أشجار ونبات وأثمار وأزهار وفصول وتقلبات وعجائب المخلوقات.
في كل ذلك كان يفكر في غار حراء ليبلغ الحقيقة العليا ويخترق الحجب إلى ما وراء هذه المظاهر وهو على قناعة بأن ما يباشره قومه مع شؤون الحياة وما يتقربون به إلى آلهتهم ما هو إلا جهل وضلال وفي كل ساعة بل ولحظة يضيفون جهلاً إلى جهل وضلالاً بعبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه.
ان هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وكل الأنصاب والأصنام التي تراكمت حول ا لكعبة وفي جوفها وعلى سطحها لم تخلق يوماً ولو ذبابة ولم تدفع عن أحد شر ذبابة ولا صنعت لمكة وأهلها خيراً، وما هي إلا أخشاب وأحجار وتماثيل صنعها الإنسان بيده واتجه إليها بقلبه ولسانه من دون الله جهلاً وضلالاً وكلما رأهم يلوذون بها تتلوى نفسه حسرة وحيرة وتمنى عليهم ان يرجعوا إلى رشدهم فيعبدوا رب البيت الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف.
في غار حراء كان محمد بن عبدالله في شهر رمضان من كل عام قبيل مبعثه وقد أخذت سنه تتجه نحو الأربعين يتجه إلى الله خالق الكون بعقله وقلبه نائباً بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهلية والوثنية ومساوئهما حتى بلغت نفسه الطاهرة مرتبة تنعكس فيها أشعة الغيب لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، فإذا انقضى الشهر عاد إلى مكة وعلى وجه الكريم شحوب وفي جسمه نحول مما كان يعانيه على قومه وعلى المستضعفين
في الأرض فتستقبله زوجته الوفية الصادقة التي كانت تتلوى من أجله ولم تكن تعلم ما سيكون من أمره.
ثم يستأنف حياته العامة وادارة شؤونه وأهل مكة وكل من عرفه من الأعراب خارجها ينظرون إليه باكبار واعجاب وهو مع كل ذلك يزداد تواضعاً ووفاء وعطفاً على الفقراء والمعذبين، فإذا استدار العام وجاء الشهر الذي اعتاد أن يأوي فيه إلى حراء رجع إلى عبادة ربه وتفكيره وتأملاته، ونفسه تزداد صفاء واشراقاً والحقائق تنجلي لديه شيئاً فشيئاً وتنعكس على صفحات قلبه فيبصر في يومه ما سيكون في غده، ثم يعود إلى ما بأيدي الناس من تراث الهداة الأولين رسل الله موسى وعيسى (ع) فيجد أهل الأهواء قد عبثوا فيه فغيروا وبدلوا وحملة تلك الآثار قد سخروها لصالحهم وجهلة المسيحيين واليهود لم تتسع عقولهم لمعاني النبوات وحقائق الرسالات فتاهوا وضلوا سواء السبيل وأصبح ما جاء به أولئك الهداة كالجوهر الممزوج بالتراب في منجم مظلم لا يهتدي إليه أحد من الناس ولو بذل كل جهوده وامكانياته وحتى لو كان عند أولئك الاتباع شيء من الحق ففي أيديهم إلى جانب هذا الحق صور مذهلة من الأوهام والأباطيل وألوان من الوثنية لا يمكن أن تتفق وتسير مع الحق المجرد الذي لا يعرف كل هذه المضاربات والتناقضات والأوهام مما يمعن فيه هؤلاء وأولئك من أهل الكتاب.
هذا الحق الذي تجلى لديه كما تجلى لاخوانه الأنبياء من قبله غريب عما يؤمن به قومه وغيرهم من أهل الكتاب الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله، كما اتخذ اليهود من قبلهم عزيراً وعبدوه من دون الله.
لقد تكشف له حراء عن نور يسطع من قلبه بالإلهام والهداية بين يدي وحي مبارك يناديه بصوت لا ينفذ لغير قلبه اقرأ يا محمد، فيصفي إليه بدهشة وحيرة، ثم يجيب مستفسراً ما أنا بقارئ، ويتكرر الطلب والرد بينهما وبالتالي يقرأ عليه الأمين جبرائيل ويقرأ معه.
اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.
-----------------------------
المصدر: سيرة المصطفى
|