|
بعد ثلاث سنين من حين البعث أمر الله رسوله أن يُظهر ما خفي من أمره وأن يَصْدَعَ بما جاءه منه، ونزل الوحي: (وَأَنذِرْ عَشيرتَكَ الأَقْربِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحكَ لِمَنِ اتَّبعَكَ مِنَ المَؤْمِنينَ فَإِنْ عَصوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرئٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (سورة الشعراء/ 214-216). (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكينَ) (سورة الحجر/ 94). ودعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته، وحاول أن يحدِّثهم داعياً إياهم إلى الله؛ فقطع عمه أبو لهب حديثه واستنقر القوم ليقوموا. ودعاهم محمد في الغداة كرَّةً أخرى، فلما أطعِموا قال لهم: ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومَه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة. وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه. فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ فأعرضوا عنه وهُّموا بتركه. لكن عليّاً نهض، وهو ما يزال صبيّاً دون الحُلم، وقال: "أنا يا رسول الله عونك. أنا حربٌ على من حاربتَ". فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم، وجعل نظرهم ينتقل من أبي طالب إلى ابنه، ثم انصرفوا مستهزئين.
اِنتقل محمد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعاً. صعد الصَّفا يوماً ونادى: يا معشر قريش! قال قريش: محمد على الصفا يهتف. وأقبلوا عليه يسألون ماله؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسَفح هذا الجبل أكنتم تصدِّقون؟ قالوا: نعم! أنت عندنا غير متهم وما جرَّ بنا عليك كذباً قطُّ. قال: فإني نذيرٌ بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف، يا بني زُهْرة، يا بني تَيْم، يا بني مخزوم، يا بني أسَد، إن الله أمرني أن أُنْذِر عشيرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعةً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، أو كما قال: فنهض أبو لهب ـ وكان رجلاً بديناً سريع الغضب ـ فصاح: "تَباً لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا!".
وأُرْتجَ على محمد فنظر إلى عمه، ثم ما لبث أن جاء الوحي بقوله تعالى: (تَبتْ يَدَا أَبِي لَهبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنهُ مَالهُ وَمَا كَسبَ. سَيَصْلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ).
لم يُحلْ غضب أبي لهب ولا خصومة غيره من قريش دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة. فلم يكن يوم إلاّ أسلم فيه بعضهم لله وجهه. وكان الزاهدون في الدنيا أشدَّ على الإسلام إقبالاً. أولئك لا تلهيهم التجارة ولا يلهيهم البيع عن التأمّل فيما يدعوهم الداعي إليه. وهم قد رأوا محمداً في غني من مال خديجة وماله، وهاهو ذا مع ذلك لا يعبأ بهذا المال ولا بالمزيد عليه والإكثار منه، ويدعو إلى الحب والعطف والمودَّة والتسامح. بل هاهو ذا يجيئه الوحي بأن الإكثار من الثروة لعنة للروح. أليس يقول: (أَلهَاكمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتمُ المَقَابِرَ. كَلاَّ سَوْفَ تَعلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعلَمُونَ. كَلاَّ لَوْ تَعلَمُونَ عِلمَ اليَقِينِ. لَتَروُنَّ الجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَروُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ. ثُمَّ لَتُسألُنَّ يَومئِذٍ عَنِ الَّنعِيمِ).
وأي شيء خير مما يدعوا إليه محمد! أليس هو يدعو إلى الحرية! إلى الحرية المطلقة التي لا حدود لها! إلى الحرية العزيزة على نفس العربي عزة عليه!. نعم!
أليس يطلق الناس من التقيد بأية عبادة غير عبادة الله وحده! أليس يحطم كل ما بينهم وبينه من أغلال! لا هُبَل ولا اللات ولا العُزَّى ولا نار المجوس ولا شمس المصريين ولا نجوم عبَّاد النجوم ولا الحواريُّون ولا أحد من الإنس أو من الملائكة أو من الجان يحجب بين الله والإنسان. وأمام الله، أمامه وحده لا شريك له، يُسأل الإنسان عما قدم من خير أو من شر. وأعمال الإنسان هي وحدها شفيعه. وضميره هو الذي يزن أعماله، وهو وحده صاحب السلطة عليه، وبه يُحَاسَب يوم تجْزَى كلُّ نفس بما كسبت أية حرية أوسع مدى من هذه الحرية التي يدعو محمد إليها؟! وهل يدعو أبو لهب وأصحابه إلى شيء من مثلها؟! أم هم يدعون للناس لتظل نفوسهم في رقٍّ وعبودية بما تكدّس عليها من خُرافات حجبت عنها نور الحق وضياء الهدى!.
--------------------------------------------
المصدر: حياة محمد
|