|
أقول المقدرات الوطنية، ولا أقول، المقدرات الاسلامية لماذا؟
في دستور الصحيفة، وهو أول دستور مكتوب في العالم القديم لأول دولة، تنشأ بموجب عقد اجتماعي حقيقي وليس نظرياً، ومن وحي المبادئ الاسلامية العامة، ورد النص صراحة، على أن يساهم يهود دولة المسلمين في يثرب، في تجهيز القوات المقاتلة من اليهود، للدفاع عن الدولة، يثرب (المدينة المنورة)، ضد أي عدوان قد تتعرض له. وهي ذات المساهمة المادية والبشرية من المسلمين للرد على أية قوة إقليمية تعتدي على دولة المسلمين.
إذن، مقدرات دولة المسلمين في يثرب، ليست قوة خالصة من المسلمين وحدهم، بل هي مزيج من مقدرات المسلمين وحلفائهم.
وإذا كانت هي كذلك، ذات صفة وطنية ذاتية، وبالرضا التعاقدي الوطني الاسلامي والتحالفي، فهي ليست بالإكراه، على غير المسلمين وحلفائهم.
بمعنى، أن الاستراتيجية المحمدية في استخدام المقدرات الوطنية، لتحقيق مطالب البيئة الاسلامية الوطنية، لم تكن تسعى لاستخدام المقدرات غير الوطنية، أو التحالفية. فلم يكن الرسول محمد يفرض على غير المسلمين، المشاركة في المعارك التحررية ضد الظلم والمحتلين.
عقب تحرير مكة، واتساع إقليم الدولة العربية الاسلامية، دخل في رعوية الدولة العديد من القبائل المسيحية، في جنوب بلاد الشام.
وتم دخول أولئك في مواطنية الدولة، بموجب اتفاقات صلح وأمان، أعطاها الرسول الكريم بنفسه لتلك القبائل، عقب النهاية السلمية لحملة تبوك.
ترتب على دخول القبائل المسيحية العربية من جنوب بلاد الشام، في رعوية الدولة العربية الاسلامية، مع بقائهم على ديانتهم المسيحية، أن اعفوا من أي التزام بالمشاركة العسكرية في القتال، دفاعاً عن الدولة ضد أي عدوان. حيث أصبحت القوة العسكرية البشرية للدولة، من المسلمين فقط، والتزم النصارى مقابل ذلك، بدفع الجزية.
ما يهمنا في هذا الصدد إيضاحه، هو أن مقدرات المسيحيين في الدولة العربية الاسلامية، أصبحت خارج نطاق الدائرة الاستراتيجية المحمدية في إدارة الصراع، باستثناء الجزية.
إضافة إلى ذلك، فقد تجلى مبدأ الاستخدام الأمثل للمقدرات الوطنية الاسلامية لإدارة الصراع، في جانبه العسكري، لدى القيادة المحمدية، في أروع المبادئ الانسانية حيث أن الرسول محمد، وضع قاعدة سياسية اسلامية، لكل المعارك الاسلامية، وهي تحقيق النصر العسكري بأقل الخسائر الانسانية الممكنة.
تتجلى هذه القاعدة الانسانية الاسلامية، في الكشف الوثائقي عن محصلة الخسائر الانسانية في جميع معارك التحرير التي تمت في عهد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
فقد بلغ مجموع تلك المعارك (26) ستاً وعشرين، وبالرغم من أن جميع تلك المعارك والتي شارك صلوات الله وسلم عليه، في سبعة منها، كانت لرد الظلم ودحره فقط، فإن إجمالي كشف الخسائر الانسانية في تلك المعارك جميعها، بلغ (1040) ألف وأربعين قتيلاً، من بينهم الشهداء المسلمين. ومن هذا العدد أيضاً (600) ستمائة من اليهود وحدهم، بقدر حجم مؤامراتهم الرهيبة ضد رسالة الاسلام وضد دولة المسلمين.
أي أن الرسول الكريم، كان شديد الحرص على عدم إهدار المقدرات الاسلامية في المعارك العسكرية وهي معارك ضد الظلم والعدوان، الذي تعرض له المسلمون أساساً.
لا بل أن الاستراتيجية المحمدية، كانت تقوم على مبدأ التمييز، خلال معارك الصراع العسكري، بين قوة العدو العسكرية، واقتصاد سكان المناطق التي تحتلها قوى الظلم والاحتلال الأجنبي. حيث دعا صلوات الله عليه، قادة المعارك الاسلامية، إلى عدم المساس بالثروة الاقتصادية للشعوب الخاصعة للاحتلال.
يقول صلوات الله عليه في وصيته لزيد بن حارثة، الذي قاد غزوة مؤتة، ليثأر، من والي الروم في بلاد الشام، الذي اغتال مبعوث الرسول إلى الروم.
(... ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا بصيراً فانياً، ولا تقطعوا شجرة ولا تهدموا بناءً).
تجلت الاستراتيجية المحمدية في الاستخدام الأمثل للمقدرات الوطنية، ضمن القاعدة المحمدية في الحصول على النصر العسكري السياسي العظيم بأقل الخسائر الانسانية الممكنة، في معركة تحرير مكة.
فلقد اتبع صلوات الله عليه تكتيكات مبتكرة أدخلت الفزع والرهبة في قلوب قوات قريش الكافرة. من ذلك، إشعار النار في جميع الجبال المحيطة بمكة، وإطالة أمد الحصار، مع إتاحة الفرصة لقريش، لأن تسعى للتوصل إلى تسوية ورفض الاستجابة لطلبها لتجنب معركة ستقودها ـ أي تقود قريش ـ إلى الهزيمة لا محال. مما زاد في انقسام وحدة الرأي بها، وانهيار معنويات قواتها.
وهذا ما حصل فعلاً. إذ من يصدق أن معركة مكة الفاصلة أسفرت عن هذا العدد الرمزي من المسلمين وقتلى قريش والذي بلغ (11) أحد عشر قتيلاً، منهم الشهيد المسلم الوحيد في معركة التحرير تلك. بل إن بعض المؤرخين يحدد القتلى بخمسة فقط.
هذه القاعدة (التقليل ما أمكن من حجم الخسائر) الاستراتيجية نفذت في معركة تحرير مكة. كما نفذت في حملة تبوك، وفي معركة مؤتة، بل وفي كل المعارك التي جرت في عهد القيادة المحمدية.
نعود إلى معركة تحرير مكة العظيمة والخالدة.
فلقد اتبع الرسول الكريم التكتيكات (الأساليب) التالية خلال حصار مكة ثم تحريرها:
1 ـ إطالة أمد الحصار، بحيث انهارت القوة المعنوية لقريش، وازدادت صلابة المسلمين. فها هي مكة، قلعة دولة الشرك والعدوان على المسلمين، تخضع لحصار محكم يفرضها عليها المسلمون، ومنهم أبناء مكة الذين أجبرهم القمع القريشي الكافر على النزوح عن وطنهم، مكة.
2 ـ أوامر الرسول الكريم المشددة بعزل أي قائد عسكري مسلم، يبدي تعطشاً للفتك بالقريشيين، انتقاماً لما عملوه بالمسلمين.
ضمن هذه المبادئ، تم عزل سعد بن عبادة الأنصاري أحد القادة الذين كانوا يحاصرون أحد مداخل مكة، وتم تعيين ابنه مكانه، بسبب ما بدر منه من عزم على التنكيل بالمشركين عند بدء المعركة.
3 ـ (الاحتواء) السياسي من الرسول الكريم لوفد قريش الذي جاء يفاوض للسلم، وكان على رأس الوفد أبو سفيان بن حرب (والد معاوية الذي اغتصب الحكم فيما بعد من الخليفة الشرعي سيدنا علي بن أبي طالب) فلم يرفضهم الرسول، كما لم يوافقهم ثم إعلان أبو سفيان إسلامه، بعد أن أدرك الفرص الكبيرة المتاحة للمسلمين لتحرير مكة.
4 ـ إعلان الرسول الذي ردد على مسامع أهل مكة (من دخل الحرم فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن). إذ ساهم هذا الإعلان لقريش بإتاحة الفرصة لطلب النجاة بما يحفظ ماء الوجه. ولم يكن إعلاناً من الرسول بمساواة بيت أبي سفيان بمنزلة الحرم. بل كان الهدف حقن الدماء فقط.
5 ـ دخول قوات المسلمين مكة من جميع مداخلها، وفي وقت واحد، مما عجل باستسلام قريش.
كان لا بد لهذه الاستراتيجية المحمدية الاسلامية، العبقرية في آن واحد، أن تجعل من تحرير مكة العظيم بشهيد مسلم واحد فقط، وبعشرة قتلى من كفار قريش!.
بينما في معركة أحد خسر المسلمون (70) سبعين شهيداً، وخسر الكفار 24 قتيلاً!
-----------------------------------------------------
المصدر: السياسة الخارجية للدولة الاسلامية
|