|
دعا داعي الاسلام في مكة المكرمة، واستقبل الناس ـ خصوصاً في الجزيرة العربية ـ هذه الدعوة بكثير من التعصب فقد شق عليهم أن يدعو صبي يتيم لنظام يطيح بكيان آلهتهم وينفي جميع مبررات وجودها، فكان من جراء ذلك أن بقي قسم كبير من هذه الزمرة معلنين الحرب الشعواء على المسلمين يسومونهم سوء العذاب، وينكلون بهم أشد التنكيل بدافع من روح عدائية حاقدة، ولاقى المسلمون المخلصون في إسلامهم كل الأذى من هذه الطغمة القاسية التي صهرتها دوافع الضغينة وقسوة المصير.
ولكن رغم هذه الصعوبات فالدعوة أخذت بالازدهار وأخذت الجموع تلتف حولها، تؤمن برسالة الاسلام تلك الرسالة التي جاءت لإنقاذ البشرية، مما اضطر البعض من تلك الشراذم أن يسلموا في ظاهرهم، وهم يكتمون في سرهم غير ما يعلنون.
ومن هؤلاء النفر الذين نافقوا في الدين، هو عبدالله بن أبيّ بن سلول الأنصاري، ذلك الرجل الذي كان سيد الخزرج وكبيرها وشريفها ـ طبعاً في قاموس الجاهلية ـ وقد اجتمعت قبيلته على أن يكون زعيمهم ويسندوا إليه أمرهم، ويكون عليهم ملكاً ـ وذلك قبل بعثة الرسول الأعظم ـ .
وعندما صرح الرسول بالدعوة، والتف الناس حوله، تهدمت آمال عبدالله بن أبي، لقد كانت آمال هذا الرجل واسعة، فقد كان يأمل أن ينال ملك (يثرب) بعد أن دانت له قبيلته وأمرته عليها.
والخزرج: قبيلة يعتد بها، فإذا ما دانت له، واقتنعت بإمرته فلا بد أن يخضع له مما حولها كرهاً أو رضاً.
ويشرق نور الاسلام، وتزحف الخزرج إلى رسول الله، تمد يدها مسلمة لدعوة الحق، ويحسن إسلامها، ويتفرق العدد المرصود من حول هذا الرجل الطامع، فلم يبق له إلا أنفار يستنشق بواسطتهم ريح ملكه المنهار، وسطوته المتداعية على عتبة الاسلام، ويضطر أن يمد يده طائعاً ضامراً الكره إلى محمد (ص)، يبايعه على الاسلام، ولكنه يكتم في قلبه أكثر من موجدة على (فتى هاشم) ودعوته، ولا بد أن ينتقم لمجده السليب.
وعبدالله بن أبي كان معروفاً لدى الجميع، وكانوا يعلمون موقفه من الاسلام، لهذا لا نستغرب إذا رأينا داره تصبح بعد زمان قصير موئلاً للمنافقين، والحاقدين على الاسلام، يجتمعون فيها آناء الليل، وأطراف النهار يتهامسون في أمر الدعوة الجديدة، ووضع الحواجز والأشواك في طريقها.
وتجمعت أجهزة السوء يوماً تتداول أمرها وتستعرض الموقف وإذا بابن أبي يطل عليها. طلع عبدالله بن أبي على جماعته، وهو يأكله الحسد، ويجلجله النفاق، يطوي نسه على صرخة مكبوتة ولوعة كامنة في أعماقه، ويتحرق ألماً وغيظاً، ويعود إلى داره ملتاع الجانب فتستقبله زمرته تخفف منه المأساة.
ـ أهلاً بأبي الحباب، ماذا وراءك؟
ويحتقن وجه الرجل، فتغور نظراته، ويتصبب عرقاً وتعلوه صفرة، ويجاهد كتمان صرخة تحاول أن تنطلق من بين أسنانه فيشد عليها بقوة.
وزمرته تلحظ عليه كل هذا، فتتهامس فيما بينها، وتبحث عن السبب، ولكن محاولتهم تذهب سدى، ويلتفت إليه بعضهم يخاطبه:
ـ ما حل بك يا أبا الحباب؟
فيمتعض الرجل، ويزداد ضيقاً، ثم يلتفت إليهم، وصفرة وجهه قد مالت إلى الكدرة.
ـ لا تدعوني بهذا الاسم بعد هذا، لقد هدم شموخي الحباب وخابت آمالي فيه، فلا أرغب به.
وتعلو على الوجوه مسحة من تساؤل، لماذا يا ابن أبي؟
ـ لقد صبا الحباب لدين محمد، وخلص له، وأبدل اسمه بعبدالله.
أتريدون أن أعتز بهذا الولد بعد هذا المصيبة؟
وخرست الألسن، وكفوا عن الحديث.
وامتد الزمن، والولد يحضى بالعطف عند الرسول، ويزداد كرهاً لأبيه، الذي ما فتأ يحارب رسول الله، ويعلن المعصية عليه في كل مناسبة، وعجز الولد في محاولاته المتكررة لتوجيه والده إلى طريق الصواب، ولم يترك طريقة توصله إلى مرماه إلا وسلكها، ولكن مع الأسف كانت النتيجة الفراق مما اضطر الابن أن يهجر أباه، ويترك داره.
والأب متمادي في غيه لا يرتدع عن عقد الاجتماعات المشبوهة في داره، ضد الإسلام، ولم يرض لنفسه أن يخضع للحقيقة لحظة دون أن يثير المشاكل في طريق المسلمين.
وهاجر رسول الله من مكة إلى المدينة، وكان الحباب (عبدالله) من جملة الذين لازموا النبي في هجرته، فقد ثقل عليه موقف أبيه، فتركه ولزم نبيه، وكأنه لم يعرف هذا الأب المنكر والمتنكر للاسلام مما زاد كره عبدالله لولده، وأخذ ينتظر الساعة التي يفرغ فيها حقده.
وتبقى في نفس كل من الأب والولد لوعة، ومرارة على الآخر. لقد عز على الولد الذي أسلم فأحسن إسلامه أن يكون أبوه من أشد الحاقدين على الإسلام، وأن يكون مصدراً للأذى والشغب، وسبباً قوياً في عذاب النبي. وكانت هذه الأرزاء تثير في نفسه خواطر فتدفعه على الإقدام على قتله وإراحة الاسلام والمسلمين منه، غير أن رسول الله ـ وهو ممثل الانسانية ـ كان يخفف من برم الحباب إزاء والده، ويطلب منه أن يعامله بالحسنى، وأمر رسول الله مطاع ممتثل على كل حال، ويسكت المؤمن على مضض.
ويشرق الاسلام، ويبسط جناحيه على المدينة ويضطر الرجل الحاقد أن يمد يداً غير مخلصة لمحمد، فيسلم ظاهراً، ويعود بعدها لزمرته، فيقول لبعض أصحابه:
ـ مادت الأرض بي، وأنا أمد يداً لمحمد فأبايعه مكرهاً.
ويرد الرجل عليه: وما يضرك منها، ومصلحتك الشخصية اقتضتها.
ويعرف الكل أن ابن أبي مسلم في لسانه، كافر في قلبه.. يتربص الفرصة ليوقع بالاسلام وأتباعه ما يروي حقده الجاهلي.
حتى كانت وقعة بدر فخرج المسلمون، وتخلف (عبدالله بن أبي) عن مساندة جيش المسلمين متمارضاً، لقد كان ـ كما يقولون ـ مسلماً في لسانه، أما في عمله فهو على الاسلام، ولكن موقف الولد المعتز بالاسلام كان الامثولة الحية، فقد أبلى بلاء حسناً في ذلك اليوم، وانتهت بدر، وزادت هذه الوقعة والمسلون منتصرون، من غلواء (عبدالله الأب)، وبقي مستمراً في غيه وتعنته ضد الاسلام.
وبعد أيام خرج المسلمون لأحد، والموقف صارم والحرب على الأبواب، ولاحظ (ابن أبي) الظرف فرآه مناسباً لأخذ الثأر من رسول الله، فأخذ يجول على المسلمين يخذلهم، وتمكن بخبثه من إرجاع الكثير من المسلمين القريبي العهد بالاسلام عن نصرة رسول الله حتى حددها البعض بالثلث.
ولوى الحباب ـ ذلك الرجل المؤمن ـ رأسه حياء من هذه الحادثة أمام رسول الله، وشهر سيفه في وجه الخزرج، وقاتلهم قتالاً شديداً، مما جلب انتباه النبي فرعاه، وأحسن رعايته وإن كانت صورة أبيه، وموقفه المخزي لم تفارق مخيلته أبداً.
وأعلن الرسول (ص) سنة ست، أو خمس ـ على اختلاف في التاريخ ـ عزمه على غزو بني المصطلق، وهم من خزاعة بعد أن وصلت الأخبار، بأنهم عقدوا العزم على قتاله بقيادة الحارث بن أبي ضرار: سيد هذه القبيلة، وكبيرهم.
وبادرهم الرسول، وهم يتوجهون إليه، وكان (المريسيع) ـ وهو موضع فيه ماء ـ مركزاً لتقابلهم، وقتالهم.
ولم تمض ليلة على العسكرين، حتى أمر الرسول علياً أن يزحف بالراية عليهم، واشتبك الجيشان، ولم تقع خسائر بالأرواح فيها كثيرة، فقد شعر بنو المصطلح بضعفهم فاستسلموا ونقل رسول الله أبناءهم وأموالهم، فأفاءهم عليهم.
وكان ابن أبي مع المسلمين الذين خرجوا في هذه الغزوة خرج لا ليدافع، بل ليغنم شيئاً.
ووضعت الحرب أوزارها، وتفرق المسلمون يخففون عن أنفسهم ثياب الحرب وعدتها، بينما البعض منهم ذهب إلى بئر ماء تجمع عليها نفر من المسلمين ليملأوا جرارهم وقربهم بما يحتاجون إليه من الماء.
وفي هذه الأثناء يحدث بين شخصين من المسلمين نزاع على الماء وكان أحدهم من المهاجرين، والآخر من الأنصار، وإذا ما اشتد النزاع بينهما، نادى كل منهما أصحابه، وكادت تقع الواقعة بين المسلمين.
وسمع ابن أبي بهذا النبأ فيضطرب ويولول، ثم يصرخ في وجوه الجالسين حوله من الخزرج:
(أو قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: (سمن كلبك يأكلك) أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضر مجلسه من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحولوا إلى غير بلادكم، لقد قلت لكم لا تنفقوا عليهم، لو تركتموهم ما وجدوا ما يأكلون ويخرجوا أو يهربوا).
ثم سكت والحقد يغلي في صدره كأنه المرجل، وانتشر الخبر حتى بلغ مسمع رسول الله فتأثر منه غاية الأثر، وطلب البعض من رسول الله أن يسمح بقتله، ولكن الوفاء الاسلامي المتجسد في رسول الله أبى أن يفعل ذلك بل أراد أن يضرب مثلاً أعلى للإنسانية جمعاء فأجابهم: (إني أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).
واضطر نبي الرحمة وهو بعد لم ينفض يديه من غبار الحرب وفي تلك الظهيرة القاسية، أن يعلن الرحيل، ولم يثنه عن أمره توسل المسلمين بأن يتأخر عن أمره. فإنه (ص) حاول بأن يسير ليطوي هذا الحديث عن أسماع الناس، ويشغلهم عن التحدث به، والحيلولة دون التمهيد للنتائج الوخيمة المرتبة عليه أن انتشر.
ولملم المسلمون أمتعتهم امتثالاً لأمر رسول الله بالسفر، وتقدم إليه شيخ من المسلمين هو أسيد بن خضير يلتمس من النبي أن يؤخر سفره في هذه الساعة التي يصعب بها المشي، وشمس الظهيرة تلفح وجوههم.
ولكن رسول الله التفت إليه وقال: أو ما بلغك ما قاله صاحبكم؟
ـ وأي صاحب يا رسول الله؟
ـ عبدالله بن أبيّ.
ـ وما قال؟
ـ زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل.
ـ يا رسول الله أرفق به. فوالله: لقد جاء الله بك، وأن صحبه لينظمون لها لخرز ليتوجوه، وانه ليرى أنك قد سلبته ملكاً.
ولكن رسول الله أصر على المسير، ليشغل الناس عن حديث ابن أبي، وأمر الرسول المسلمين بالتوجه إلى المدينة عائدين.
ويتألم الحباب لهذا النبأ، وكاد يصعق لهول ما سمع، ويهرع إلى الرسول، ودموعه تتقاطر على خديه، ويقف قبالته، والألم يعصره عصراً ويقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنت والله الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وأهل يثرب ليعلمون: ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار.
فقال رسول الله: بل نرفق به ونحسن صحبته معنا.
ولكن عبدالله الابن لم يقتنع بهذا، وبقيت كلمة أبيه القاسية تصرخ في أعماقه، وشق عليه هذا الأمر، ولا بد أن يثأر لنبيه ولله، فكتم في نفسه أمراً، وصمم على تنفيذه.
وفي صباح مشرق كانت فلول المتخلفين تدخل المدينة، وكان شيخ المنافقين ابن أبي معهم، وشاهد الناس الحباب بن عبدالله ممتشقاً حسامه يقف على عتبه المدينة، والناس لا تعرف من أمره شيئاً، غير أن مظاهر الغضب كانت تثير في المشاهدين أن شيئاً يكتمه الحباب، وسوف ينفجر.
وأقبل ركب المتخلفين تتقدمهم ناقة شيخ المنافقين، فوصل باب المدينة يحاول أن يلجها.
فتقدم الحباب وضرب وجه ناقة أبيه بالسيف، فأثناها عن سيرها، وتعجب الناس من هذا الفعل، وصدوره من الابن البار، وصاح به أبوه، ولكن الولد الذي دفعه إخلاصه لدينه لم يأبه لصراخ أبيه، وإنما وقف أمامه وقد شهر سيفه وقال له:
الست القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟
أما والله لسوف تعرفن العزة لك، أم لرسول الله، والله لا يأويك سقف إلا بإذن من رسول الله.
واصفر وجه الأب، وكاد يغشى عليه، ماذا يرى، إن ولده يمنعه من دخول المدينة بدافع من إيمانه وعقيدته، وأدار عينيه فيمن حوله فوجد القوم في حيرة وذهول، فصاح مشدوهاً: يا للخزرج ابني يمنعني من بيتي.
وكرر النداء، وصدى النداء يكر راجعاً إليه.
فقد شده الناس هول المنظر، فقال الحباب لأبيه: والله لا تأويه أبداً إلا بإذن من رسول الله.
وزحف المشاهدون إلى الحباب يلتمسون منه أن يسمح لأبيه بالدخول، فأبى وقال: والله لا يدخله إلا بإذن من الله ورسوله.
وفشلت جميع المحاولات والتوسلات، فقد أصر الحباب ن يضرب أباه بسيفه لو حاول أن يخطو خطوة واحدة باتجاه المدينة.
والأب المنكسر يقف على عتبة البلد، والذل قد كساه خزياً وعاراً، كل شيء كان ينتظره شيخ المنافقين، إلا هذا الموقف لم يحسب له حساباً.
وطال به المقام، كما طال بالمشاهدين الوقوف، ولما عيتهم الحيلة ولم تنفع التوسلات مع الحباب ركض نفر إلى رسول الله ونقلوا له موقف الحباب من أبيه ـ رأس المنافقين ـ ذلك الذي نزلت في حقه سورة المنافقين كلها وانزاحت غمامة حزن، كانت قد ألمت بمحيا رسول الله، وقال: اذهبوا إليه، فقولوا له: إن رسول الله يأمرك بأن تترك أباك ليذهب إلى بيته.
وأخبروه بأمر الرسول. فقال بفخر واعتزاز:
ـ أما إذا جاء أمر النبي فنعم..
وأرجع حسامه إلى غمده، ورمق أباه بنظرة طويلة فيها كل معاني التحدي والصرامة، وقال له:
ـ لولا أمر رسول الله لما تركتك تدخل بيتك، ولو اجتمعت علي الخزرج برمتها، إلا أن يفل صارمي ويسكت نفسي.
وغض الأب عينيه على حديث ولده، وأرخى عنان ناقته، وسار مخذول الجانب إلى بيته ليتقي فيه عيون الناس التي لاحقته من باب المدينة حتى بيته، وهي كسهام المنية توغر صدره وتذكر بموقفه المخزي، وبطولة ولده في الدفاع عن عقيدته ودينه تلك التي سيمجدها التاريخ مهما طال وامتد.
واستقبل الرسول الحباب مبتسماً، ثم يلتفت إلى أصحابه الملتفتين حوله فيقول:
(لقد وقف الحباب موقفاً من الاسلام تجلى فيه صدق العقيدة والإيمان. وفق الله الحباب، وجزاه عن الاسلام خيراً).
-----------------------------------------------------
المصدر : بين يدي الرسول الأعظم (ص(
|