سيرة و تاريخ

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
ديانة في صعود
لماذا محمد؟

لماذا محمد؟
_ 1 _
بما أن الإسلام دين، والدين هو البعد الآخر لهذا العالم، فينبغي أن نبدأ بأمنيتين _لهما صبغة دينية _ يتمناهما المسلمون. أولاهما: الاعتراف بمحمد، وثانيتهما: إسقاط صفة الألوهية عن المسيح. ويتبع ذلك موضوع ذو صبغة عملية، ألا وهي العنصرية.
_ 2 _
غالباً ما لا نملك تفسيراً لمشيئة الله. ولكن من الملائم أن يتساءل، ليس المسيحيون وحدهم بل كذلك المسلمون، خاصة في موطن هيجل: لماذا سير الله تاريخ الدين كما حدث؟
يمكن للمسيحيين أن يتساءلوا: لمَ كان ميلاد المسيح في الشرق الأدنى على حدود الإمبراطورية الرومانية؟ ولماذا ولد المسيح يهوديا يتحدث الآرامية؟ ويطرح المسلمون أسئلة مشابهة: لماذا اختير محمد (ص) الأمي بالذات في بلادالعرب في القرن السابع الميلادي ليكون رسول الله حاملاً الرسالة والدين الخاتم بالعربية لينشرها في العالم كله؟
وكما أن مشيئة الله لا تفسير مضمون لدينا لها، فإن إجابات مثل هذه الأسئلة هي ذات طبيعة تأملية. ولكنه ليس من قبيل الخروج عن الدين أن يجتهد المرء ليتوصل إلى إجابات، بل على النقيض، فإن الله يأمر _من خلال النصوص التي وردت في القرآن _ المؤمنين بالتفكر والتأمل وإعمال العقل (القرآن هو النص المقدس الوحيد _بين الأديان الثلاثة _ الذي يحث على ذلك).
هناك مجموعة من الأسباب الوجيهة للظروف التاريخية التي أحاطت ببعثة الرسول العربي محمد _صلى الله عليه وسلم _ فلنبدأ بالجغرافية: كانت بلاد العرب في القرن السابع الميلادي، تقع خارج منطقة نفوذ القوتين العظميين، الإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الفارسية التي امتدت سلطتها حتى اليمن. لقد كان هناك صراع دائر بين الإمبراطورية الرومانية الشرقية ذات الديانة المسيحية وبين الإمبراطورية الفارسية الساسانية التي يحكمها الشاه كسرى الثاني من ناحية أخرى، ولقد شهد عصر هذا الحاكم صعود نجم الديانة الفارسية الثنائية حيث تضم الزرادشتية والمازدكية.
فإذا كان الرسول قد بعث بهذا الدين الجماعي الجديد _الإسلام _ وهو الدين الذي يعادي نظام تلك الممالك والملوك، فكيف كانت تتاح له الفرصة داخل هذه الإمبراطورية أو تلك؟
وهناك سبب معقول ومقبول منطقيا لنزول القرآن باللغة العربية، ففي هذا الزمن كانت اللغات المتداولة هي الرومانية واليونانية والفارسية والعبرية. وكانت هذه اللغات _وهي لغات الديانات السابقة _ قد استنفدت في هذا السياق وباتت معزولة بأحكامها.
ولقد كانت الديانة الجديدة والرسالة التي تحملها والتي ستأتي بتحول برجماتي جديد إلى العالم، في حاجة إلى لغة عذرية على المستوى الديني والفلسفي، لغة لم تستنفذ بعد، يأتي بها القرآن. وأهمية ذلك تتضح إذا ما نظرنا إلى ترجمات للقرآن يقوم بها مستشرقون حسنو النية، عندما يقحمون عليه مفردات تعبر عن الخلفية المسيحية الدينية والفلسفية.
كانت اللغة العربية التي تتحدث بها قبيلة قريش بمكة قد تطورت في القرن السابع الميلادي، حى صارت لغة فصحى بليغة تصلح لأن تكون وسيلة ووعاء لغويا للرسالة الجديدة.
ولقد كان توقيت الوحي القرآني ذا مغزى عميق؛ لذا فقد بات واضحاً منذ القرن السادس الميلادي أن المسيحيين واليهود المتفرقين في جميع أنحاء العالم، عاجزون عن تصحيح التحريفات التي ألحقوها بدياناتهم، وبخاصة تصور شعب الله المختار عند اليهود، والطبيعة الإلهية للمسيح عند المسيحيين.
_ 3 _
لم تعرف المسيحية الأولى فكرة الثالوث، أو حتى تلميحات عنها، حتى عند بولس الرسول المؤسس الحقيقي للمسيحية. وهذا القول ليس مثارا للدهشة؛ لأن القول المؤسس لفكرة الثالوث في الرسالة الأولى ليوحنا (5_7) لم يظهر إلا عام 380م في إسبانيا وهي: "ثلاث موجودون هم شهود في السماء: الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاث هم واحد".
ولقد تمكن الباحثون منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، من إثبات أن هذه الآية تعد من حالات التزوير البينة والواضحة والمهمة جدّاً في العهد الجديد.
ولقد كان غالبية الأساقفة في الغرب المسيحي وكذلك في الشرق المسيحي حتى القرن الرابع، متفقين مع رأي القسيس السكندرى آريوس Arius (260 _ 336) القائل بأن المسيح مخلوق مباشر من الله (ولذلك فهو مميز على سائر البشر)، ولكنه ليس الله كما أنه لا يتمتع بحياة أبدية. وكان في هذا الوقت _أي قبل القرن الرابع _ كل من يعتنق الإيمان الذي أقره مجمع نيقيه فيما بعد، يجازف بأن تلصق به تهمة التجديف.
ولقد كان المجمع الأول الذي عقد في نيقيه في الفترة من 19 يونيو حتى 25 اغسطس عام 325 معلما فارقا في تطور المسيحية لأنه عارض تمامّا فكرة آريوس عن المسيح، وأقر أن المسيح من جوهر الأب، وأنه ولد ولم يُخلق، وأنه يتساوى في الجوهر والكيان مع الإله الأب.
لم يمنع هذا من انتشار الآريانية في الفترة من 337_361، حتى صارت الفكر الرسمي لبيزنطة، والفكر المسيطر لقرون عديدة على مسيحية الشعوب الجرمانية. ولكن بعد ذلك اكتسب الفكر الذي أقره مجمع نيقيه قوة كبيرة، وتوطد منذ عام 451 بسبب انعقاد المجمع الكنسي الرابع في إسكدار. في هذه المرة أدانت الكنيسة الفكر القائل بطبيعة واحدة للمسيح (رقم 1) القائل بأن المسيح إله فقط (بجسد يبدو في صورة آدمية)، وعارضت هذا الرأي وقالت بنقيضه وهو فرضية وجود اتحاد بين المسيح والله، والاثنين في المسيح "غير مختلط وغير منفصل". وهذه المقولة التي تبدو متناقضة، ظلت إلى يومنا هذا الدين الرسمي المعترف به كاثوليكيا.
وفي هذه الأثناء، ظهرت _بتأثيرات من فكرة الثالوث في الميثولوجية المصرية والأفلاطونية السكندرية الجديدة _ ظهرت فكرة الثالوث، وأضيف إلى الأب والابن الروح القدس.
بعد ذلك تم القضاء تماماً على الكتابات التي تعارض هذا الرأي، كما تم إلغاء فكر الأريسيين والمسيحيين اليهود من ذاكرة الناس تماماً. وتم قطع أواصر الصلة تماماً بين المسيحية واليهودية. وبناءً على رفض بولس إجراء عملية الطهارة لمن يعتنق المسيحية، قامت قطيعة لاهوتية مع فكر التوحيد السامي.
ولذلك كان لابد أن تأتي إرهاصات إعادة إحياء الفكر التوحيدي الإبراهيمي من خارج هذه المعارك من بلاد العرب، على يد رسول عربي يعيد دين إبراهيم وموسى وعيسى، يعيد دين الله كما أراد له وكما ينبغي له.
هذا يفسر مكان وزمان ومضمون الرسالة التي بعث بها محمد، والتي ورد في القرآن عنها في سورة الأحقاف الآية 9: (قُل ما كُنتُ بِدعاً من الرُّسل). لقد كان محمد آخر الرسل، هدف رسالته كان إعادة الوحدانية النقية، الإيمان بالله الواحد دين إبراهيم، الدين القيم. هذا الدين الذي يتطابق مع الفطرة الانسانية، ولذلك فقد كان محمد يعلم المسلمين بناء على ما ورد في القرآن:
_ الله واحد ليس كمثله شيء.
_ يرعى العالم.
_ يمكن التعرف عليه من خلال الرسالات والكتب السماوية.
_ واجب الإنسان أن يسلم نفسه لله ويطيع أوامره.
_ أن هناك بعثّا بعد الموت، وأن الآخرة حق، وعندها يحاسب البشر ويجزون على أعمالهم.
فالإسلام يرفض رفضا تاما وغير قابل للمساومة أو للحلول الوسط، فكرة الثالوث المقدس والتجسيد. لقد ارتكزت محاولة الإسلام في القرن السابع الميلادي لتصحيح المسيحية التي توطدت أركانها في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، بأن وضع المسيحية المستقاة من القرآن في مقابلها، وصور القرآن المسيح كما يلي:
_ إن المسيح خُلق مثله مثل آدم. (قالت ربّ أنَّى يكونُ لي ولدٌ ولَم يمسسني بشرٌ قال كذلك اللهُ يخلقٌ ما يشاءُ إذا قضى أمراً فإنّما يقولُ له كُن فيكونُ).
_ جاء المسيح بولادة إعجازية من مريم العذراء، كما ورد في سورة آل عمران الآية: 47.
_ جاء المسيح ليؤكد ما سبقه من دين ويعمل على إصلاحه، كما ورد في سورة آل عمران الآية 50: (ومصدقاً لما بين يديَّ من التَّوراةِ ولأُحل لكم بعض الّذي حُرم عليكُم وجئتكُم بآيةٍ من ربكم فاتَّقوا الله وأطيعونِ).
_ وهو رسول أتى بمعجزات، كما ورد في سورة المائدة الآية 110: (إذ قالَ اللهُ يا عيسى بن مريمَ اذكر نعمتي عليكَ وعلى والدتكَ إذ أيدتُك بروح القُدُس تكلمُ النّاس في المهدِ وكهلاً وإذ علّمتُكَ الكتابَ والحكمةَ والتَّوراةَ والإنجيلَ وإذ تخلق من الطين كهيئةِ الطيرِ بإذني فتنفُخُ فيها فتكونُ طيراً بإذني وتبرىءُ الأكمه والأبرصَ بإذني وإذ تُخرجُ الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهُم بالبيناتِ فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحرٌ مبين).
ولقد أيقن الكثير من المسيحيين في العقدين الأخيرين من هذا الزمن خطأ مقولة أن المسيح ابن الله، وأن هذه المقولة كما جاءت في القرآن من الفظائع كما ورد في سورة الكهف الآية 4: (ويُنذرَ الّذينَ قالوا اتّخذ اللهُ ولداً).
وكما ورد في سورة مريم الآيتين 88 و 89 (وقالوا اتّخذ الرَّحمن ولداً، لقد جئتُم شيئاً إداً).
يندهش المسلمون من المعرفة الواسعة والغزيرة بطبيعة الله ونشاطه التي يدعيها المسيحيون، خاصة أنهم يحاولون حجب فكرة التثليث عن أي محاولة تفسير عقلانية لأنها سر وإعجاز.
وهذه الدهشة مسوَّغة، خاصة إذا استمعوا إلى تفسيرات مثل: إن كلا من الشخصيات الثلاث الإلهية المجمعة في الثالوث، تقوم بما يجب عليها، بينما كل فعل الله خارج هذه الإلهية المثلثة هو فعل جماعي للشخصيات الثلاث الإلهية.
والأمر نفسه يحدث عندما نتحدث عن التركيب الآتي: "ليس هناك ماهية للتثليث ولكن هنالك تثليث".
أما سر العلاقة الشخصية المتداخلة بين الأب والابن والروح القدس، فيظل دائماً وكاملاً في الله ذاته. أما أفعال الله الخارجية فتنطلق من الشخصيات الثلاث مثل الانطلاق من مبدأ واحد.
أما بالنسبة للنقطة الثانية، أي الصلب، فلم تكتسب أهميتها إلا من خلال بولس الرسول، وذلك على اساس نظرياته القائلة بإرث الخطيئة وضرورة الخلاص والموت للمخلص، وكلها تصورات لا يمكن جمعها أو أن تقترب من صورة الإله في الإسلام.
فالإسلام يُعلمنا (وقولِهِم إنّا قتلنا المسيحَ عيسى بنَ مريمَ رسُولُ الله وما قَتَلُوه وما صَلَبوهُ ولكن شُبَه لَهُم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه ما لهُم به من علمٍ إلاّ اتّباع الظن وما قتلوهُ يقينا بل رَّفعه اللهُ إليه وكان اللهُ عزيزاً حكيما) ومما يؤيد هذا العرض القرآني لمسألة الصلب ويجعلنا نصدقه، أن الأناجيل الأربعة تختلف في مسألة الصلب بشكل لا يجعلنا نصدق أيا منها أو نثق بأحدها. أما أن المسيح لم يوثق في الصليب بل سمر، فهذه الرواية عرفت أول ما عرفت في القرن الثالث الميلادي، خاصة من خلال (160 _ 220) ترتوليان، ولكن ليس على أساس نص وارد في الأناجيل، بل على الآيات 17_19 التي وردت في المزمار 22: "ثقبوا يدي ورجلي. صرت لهزالي أحصي عظامي... يتقاسمون ثيابي... وعلى لباسي يلقون قرعة".
وبالنظر إلى المرارة والتوترات التي حكمت تاريخ العلاقات المسيحية _ الإسلامية، وعدم إمكانية توحيد آرائهم حول المسيحية، فقد تم إعلان الكنيسة الكاثوليكية عن تخليها عن عدّ الإسلام عدوّا لها في المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1964، وتم تكوين لجنة بابوية لشئون العلاقات مع الديانات غير المسيحية، وضمت هذه اللجنة رجال دين على دراية واسعة وعلم غزير بالإسلام، ويكنون له بعض الإعجاب. وفي 28/10/1985 أصدر البابا پول السادس المنشور البابوي الذي حمل عنوان "Nostra Aetate"، وقد جاء في هذا المنشور أن الكنيسة "تحترم المسلمين الذين يعبدون الله الحي، الخالد، الرحيم، القوي، خالق السموات والأرض".
إنه من الواضح أن الكنيسة لا تزال تحرم محمداً من إعادة الثقة به وتصحيح صورته ورد الاعتبار له؛ لأنها لا تزال أسيرة إنكارها له. ولن يجرؤ أي شخص من المعسكر المسيحي، حتى وإن كان لا يؤمن بأن الإسلام عقيدة مضللة وأن محمداً دجال ومحتال، لا يستطيع أن يتخيل أن يعترف بالقرآن ككتاب مقدس. مثله مثل الكتاب المقدس (للعهدين القديم والجديد)؛ لأن الاعتراف بمحمد رسولاً، أي وعاء لوحي الله، يعني ضمناً الاعتراف بالقرآن الكريم ككتاب مقدس والوصول إلى هذه الخطوة، يتطلب دراسة واسعة وتعاملا حميما مع القرآن.
ويغفل الغرب عن حقيقة وهي أن الإسلام يهدف إلى أن يعيد المسيحية لتقف على قدميها، بدلاً من الوقوف على رأسها، وأن الإسلام يمكن أن يكون ذا نفع هائل لإعادة الصحة إلى الحضارة الغربية.
---------------------------------
المصدر: الاسلام في الألفية الثالثة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com