لقد حدثت بالفعل تحولات اجتماعية في عهد عثمان بن عفان، لم تكن موجودة في عهد البعثة ولا في زمن ابي بكر وعمر، ففي عهد الرسول، عليه السلام، لم تكن الفتوحات الكبرى قد حدثت بعد، ومن ثم فان ثروة المجتمع لم تكن ذات وزن كبير، حتى ان الدولة العربية الاسلامية التي قامت يومئذ لم تعرف نظاما مستقرا ومقننا لماليتها من حيث الضبط والتنظيم للواردات والمصروفات.. وعندما لقي الرسول ربه لم يخلف ما لا يورث، بل خلف دينا عليه هو عبارة عن قرض اقترضه لقضاء حاجيات أهله المعاشية، ولم يختلف الحال كثيراً في عهد ابي بكر الصديق، لا من حيث الحدود التي امتدت اليها الفتوحات، تقريبا، ولا من حيث ثروة الدولة، بل لقد تأثرت بالانقسامات التي حدثت على سلطة ابي بكر القائمة في (المدينة)، واستنفذت منها الحروب التي سميت (بحروب الردة) قدرا كبيرا من الجهد والنفقات، حتى ان بيت المال _(خزانة الدولة)_ عند وفاة ابي بكر، لم يكن به سوى دينار واحد قد سقط وتخلف بطريق الخطأ والنسيان!!.
وفي عهد عمر بن الخطاب امتدت فتوحات الدولة حتى شملت المجتمعات الغنية الثلاثة التي كانت أهم مصادر للثروة في الامبراطورية العربية: مصر والشام والعراق.. وجاءت الى عاصمة الدولة كنوز القياصرة والاكاسرة، وفيها أكوام من التحف والعملات الذهبية التي ذهل لمرآها كثيرون من الصحابة.
ولكن زمام الامر لم يبق مجتمعا في اليد القوية على عهد عثمان كما كان الحال في عهد ابن الخطاب، وذلك لاسباب كثيرة، من بينها الفرق بين الشخصيتين.. ومن بينها كذلك _بل في مقدمتها_ الواقع الاجتماعي الجديد للمجتمعات الزراعية الغنية التي فتحها المسلمون. فرؤوس قريش والطامحون الى الغنى والثروة من ابنائها، هؤلاء الذين حال عمر بينهم وبين الانتشار في انحاء الامبراطورية والاستئثار بخيراتها، قد وجدوا في عهد عثمان الفرصة الذهبية للانتشار والانقضاض على ثروات المجتمع الجديد الكبير.. وتكونت حولهم عصبيات من أهل البلاد المفتوحة اتخذوا من هؤلاء العرب (الاشراف) سلما يحققون هم الآخرون بواسطتهن الثراء والثروة على حساب جماهير الفقراء، عربا كانوا أو موالي، و (الطبري) يصور لنا هذه الحقيقة الكبرى في حسم ووضوح عندما يقول: ان عمر بن الخطاب كان (قد حجر على اعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان الا باذن واجل.. فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به، فخرجوا الى البلاد، فلما نزلوها ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، فانقطع اليهم الناس.. وتقربوا اليهم، وقالوا: يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة؟! فكان ذلك أول وهن على الاسلام، وأول فتنة كانت في العامة!! ولذلك كان عثمان أحب الى قريش من عمر؟!!
ولقد كان الفرع الاموي، من قريش، في مقدمة الذين استفادوا من هذا التطور الاجتماعي الجديد..
بل يبدو ان الفرع الاموي، بزعامة أبي سفيان، قد رأي في تولي عثمان الخلافة فرصة طالما انتظروها كي تعود لهم المكانة الاولى التي فقدوها منذ ظهور الاسلام على يد محمد بن عبد الله، من الفرع الهاشمي الفقير من بني عبد مناف.. ولقد ذكر عمار بن ياسر انه قد حدث (عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره، ومعه بنو أمية) ان قال لهم أبو سفيان، وكان قد كف بصره: (أفيكم أحد من غيركم؟.. قال: لا.. قال: يابني امية، تلقفوها تلقف الكرة، فوا الذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن الى صبيانكم وراثة!! فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول الى المهاجرين والانصار؟!..) فهو اذا انقلاب سياسي قد حدث، طالما رجاه وانتظره ابو سفيان وبنو أمية، وهي اذا بداية حقبة من الحكم يعدون انفسهم فيها لتلقفه كالكرة حتى يصير ملكاً وراثياً يتولاه الصبيان.. حتى ولو لم يكن معهم في هذا الرأي عثمان بن عفان.. لقد سنحت لهم الفرصة، ورأوا في شخصية عثمان المناخ المناسب كي يحققوا ما يريدون..
فلقد انتشر كثير من الصحابة، الذين استبقاهم عمر بالمدينة، في الامصار، واقطعهم عثمان مساحات من الارض التي كانت ملكية عامة لبيت مال المسلمين، فوزعت عليهم الارض التي سبق أن صودرت لحساب بيت المال، والتي كانت مملوكة لكسرى وقيصر والامراء والقواد الذين حاربوا ضد الفتح العرب لهذه البلاد، وهي التي كانت تسمى ارض (الصوافي)، وكان دخلها على عهد عثمان 50,000,000 درهم، كما كان عثمان اول من أقطع ارض العراق.
*وانعكست هذه التطورات السياسية والادارية على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال.. فسعيد بن العاص، والي عثمان على الكوفة، يسير في الناس سيرة منكرة، ويستبد بالاموال دونهم، ويقول عن أرض العراق _التي جعلها عمر من قبل ملكا للامة_ : انها بستان قريش؟!.. فيعترض عليه الاشتر مالك ابن الحارث النخعي، قائلا: (أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك؟!) يحدث هذا من سعيد بن العاص الاموي رغم انه قد ولي هذا المنصب كي يصلح ما أفسده الوالي السابق الوليد بن عقبة الذي استبد وفسق وفجر.. وفي هذه السيطرة القرشية المستبدة يقول احد الشعراء الكوفيين:
فررت من الوليد الى سعيد كاهل الحجر اذ فزعوا فباروا
يلينا من قريش كل عــام أمير محدث أو مستشـــار
لنا نار تحرقنا فنخشـــى وليس لهم ولا يخشون نــار
* وتتبدى مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة، فالزبير ابن العوام يبني له عدة دور ضخمة فخمة بالبصرة والكوفة، ومصر، والاسكندرية، وعندما تحضره الوفاة يحصون في ثروته50,000 دينار، والف فرس، والفا من العبيد والإماء.. الخ.
*وطلحة بن عبيد الله التميمي يبتني لنفسه هو الآخر احدى الدور الفخمة بالكوفة، وأخرى بالمدينة يشيدها (بالآجر والجص والساج)، ويبلغ دخله من ممتلكاته بالعراق وحدها الف دينار في اليوم الواحد؟! (وقيل أكثر من ذلك، وبناحية (الشراة) أكثر مما ذكرنا)!!
* وعبد الرحمن بن عوف الزهري، تصبح ثروته مضرب الامثال (فعلى مربطه مائه فرس، وله الف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم) وعندما توفي قدرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم، ولقد بلغ حجم القدر الذي أحضر منها الى عثمان بن عفان في (البدر) و(الاكياس) قدرا من العظم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه؟!
*ويذكر سعيد بن المسيب ان في ثروة زيد بن ثابت _وكان من المدافعين عن عثمان حين ثار الناس عليه_ يوم مات (من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤس، غير ما خلف من الاموال والضياع بقيمة مائة الف دينار؟!).
* اما يعلي بن منية فانه يخلف في تركته 000, 500 دينار، تضاف اليها عقارات وديون له على الناس تقوم بمبلغ 000, 300 دينار؟!
* ويشيع في المدينة بناء الدور الفخمة الحديثة، ويتخذون لها الاماكن الجميلة في (الضواحي).. فعلى بعد أميال من المدينة يبني (المقداد) (بالجرف) دارا (مجصصة الظاهر والباطن) ويجعل في (اعلاها شرفات) ويصنع مثله (بالعقيق) (سعد بن أبي وقاص).
* ونشهد مصادر التاريخ الاسلامي المعتمدة تسجل على هذا العهد _وللمرة الاولى_ بوادر فكر نظري يجتهد كي يبرر للخليفة والحاكم التمتع بالاموال العامة الخاصة ببيت مال المسلمين.. فيروي (الزبير ابن بكار) في كتابه (الموفقيات) عن ابن عباس قوله: (لما بنى عثمان داره بالمدينة اكثر الناس عليه في ذلك، فبلغه، فخطبنا.. فقال.. أتانا عن اناس منكم انهم يقولون: أخذ فيئنا، وانفق شيئنا، واستأثر بأموالنا.. مالي ولفيئكم واخذ مالكم؟! الست من أكثر قريش مالاً؟! .. وهبوني بنيت منزلا من بيت المال، اليس هو لي ولكم؟!! ألم أقم أموركم، واني من وراء حاجاتكم؟!.. فلم لا اصنع في الفضل _ (الزيادة عن حاجات الناس)_ ما احببت؟! فلم كنت اماما اذا ؟!!.. فمالي لا افعل في فضول الاموال مااشاء؟!
* كما تتحدث مصادر التاريخ هذه عن استخدام بنات عثمان وتمتعهن بالحلي المملوك لبيت المال فيروي (الزبير بن بكار) عن (الزهري) قوله: (لما أتى عمر بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر) واراد عمر ان يقسمه بين المسلمين، فقال له خازن بيت المال: (ياأمير المؤمنين، ان قسمته بين المسلمين لم يسعهم (لم يكفهم وليس أحد يشتريه، لان ثمنه عظيم، ولكن تدعه الى قابل (تؤجله الى العام القادم) فعسى الله أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه.. قال: أرفعه فأدخله بيت المال.. وقتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لما ولي الخلافة فحلى به بناته؟!!
*وتشهد الدولة الاسلامية أول خليفة من خلفائها يترك عند مماته ثروة طائلة، فيحصون لعثمان رضي الله عنه يوم مقتله (عند خازنه من المال خمسيـن ومـائة الف دينار (000 ,150) وألـف الف درهـم (000, 000, 1) وذلك غير قيمة (ضياعه بوادي القرى وحنين) تلك التي قدرت بمبلغ 000 ,100 دينار.. هذا عدا الخيل والإبل، وغيرها من الممتلكات والمقتنيات؟!
ونحن نود قبل ان ننتقل للحديث عن اثر هذه التحولات المستحدثة في المجتمع الاسلامي أن ننبه الى أن صحبة هؤلاء الرجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق الكثير منهم الى الاسلام، وبلاءهم الحسن في نشر الاسلام واقامة دعوته، لم يكن له أن يمنع سعيهم هذا الذي حدث في سبيل الدنيا، لان النفس البشرية عندما تتاح لها الفرصة لذلك، دونما مانع من القانون ورادع من النظام، فقلما تحجم عن السعي في هذا الطريق.. وهذه الموانع قد زالت، أو كادت، بوفاة عمر بن الخطاب، ومن ثم استباح الكثيرون لانفسهم واستحلوا هذا النمط من أنماط الحياة.. ولقد كانت للقوم شبهة حل تجعل لهم هذا الامر مباحا لا حرج عليهم فيه.. يشهد لذلك قول عثمان بن عفان عن عبد الرحمن بن عوف، عندما احضرت له بعض أكياس دنانيره ودراهمه، بعد وفاته: (اني لارجو لعبد الرحمن خيراً، لانه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون.. أي انه قد كانت هناك (وجهة نظر) تمثل موقفا فكريا يرى انه لا حرج على الناس ولا على ضمائرهم من السعي في هذا السبيل، وان التقوى والايمان لن ينقص منهما جمع الاموال، بشرط ان يتصدق اصحابها ويكرموا الضيوف ويبذلوا منها قدرا معلوما في بعض وجوه (البر والاحسان)..
بل لقد حدث ان استباح البعض ما حرمه الرسول على سبيل القطع في هذا الميدان.. وفي (صحيح مسلم) نقرأ هذا الحديث الشاهد لما نقول: (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال) عن يحيى (وهو ابن سعيد)، قال: كان سعيد بن المسيب يحدث ان معمرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر فهو خاطيء. فقيل لسعيد: فانك تحتكر!! قال سعيد: ان معمرا، الذي كان يحدث هذا الحديث، كان يحتكر)؟!! ... فما بالنا باستحداث أمور كانت للبعض فيها شبهة حل؟! ولم يكن في صف الذين انكروها وحاربوها سوى سلاح الاجتهاد في تفسير النصوص، وقياس الامر على كليات التعاليم وروح الشريعة الغراء.. ؟!
وعلى أي الوجوه قلبنا الامر، فلقد اثمرت هذه التحولات التي شهدها عهد عثمان بن عفان مناخا اجتماعيا ولد وشهد العديد من التناقضات والصراعات.. ومن الكلمات الجيدة التي تصف تلك الحالة الجديدة قول جمال الدين الافغاني: انه (في زمن قصير من خلافة عثمان، تغيرت الحالة الروحية في الامة تغيراً محسوساً، وأشد ما كان منها ظهورا في سيرة وسير العمال والامراء وذوي القربى من الخليفة، وارباب الثروة بصورة صار يمكن معها الحسن بوجود طبقة تدعى (امراء) وطبقة (اشراف) واخرى (اهل ثروة وثراء وبذخ)، وانفصل عن تلك الطبقات: طبقة العمال وابناء المجاهدين، ومن كان على شاكلتهم من ارباب الحمية والسابقة في تأسيس الملك الاسلامي وفتوحاته، ونشر الدعوة، وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طرز الحياة، والذي احدثته الحضارة الاسلامية، اذ كانوا مع كل جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين الى العمال ورجال الدولة. وقد فشت العزة والاثرة والاستطالة، وتوفرت مهيئات الترف في حاشية الامراء وأهل عصبيتهم، وفي العمال، وبمن استعملوه وولوه من الاعمال.. الخ... فنتج من مجموع تلك المظاهر التي احدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين والمستضعفين في المسلمين، تكون طبقة اخذت تتحسس بشيء من الظلم، وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص، ومن سيرتي الخليفة الاول والثاني: أبي بكر وعمر).
-----------------------------
المصدر : الفكر الاجتماعي لعلي بن ابي طالب
|