|
لم يخرج في ترتيباته العسكرية على القاعدة المتبعة في حروب العرب التقليدية القبليّة إلاّ بمقدار يسير، وكان النوع الغالب على حركاتهم، حرب الإزعاج والعصابات، والعرب يسمونه حرب الإجهاد والإنهاك ولجؤوا إلى هذا النوع في حرب الشام والعراق أوّل الأمر.
وكانت فرق الجيوش تسير مستقلة استقلالاً تاماً، فلم يكن عندهم قائد أعلى للجيش يناط به توحيد القيادة وتنظيم الحركات العامة. كما أن الكتائب تؤلف تأليفاً قبلياً. فرئيس الكتيبة هو الزعيم القبلي نفسه. وعدد الفرقة كان يتراوح بين ثلاثة آلاف إلى سبعة آلاف، ولها مدد، أي قوى احتياطية.
وكان همّهم ينصرف إلى المدن والعواصم، وتحاشي الالتقاء بالجيش، وهذه الخطة أدت بهم إلى انهزامات كثيرة واندحارات جمة، فقد استولى جيش الشام على كثير من المدن كحمص، ثم اضطر إلى إخلائها والجلاء عنها. ومن الأوليات المُتبعة في حركة السوق الجيشية، الابتداء بقهر الجيش أولاً في معركة فاصلة، وعلى نتائجها يترتب تعيين الأهداف التالية والتدابير الأخرى.
والصفة العامة لحركاتهم الخفة والسرعة والاحتفاظ بخط الرجعة، خوفا من التطويق والالتفاف من الوراء، ولعل السرعة الفائقة كانت أكبر ميزة المحارب العربي، ويظهر هذا جلياً في المجازفة التي قام بها خالد بن الوليد، حينما انتقل بجيشه من العراق لإنجاد جيش الشام. وهي مثال نادر من سرعة القرار وخفة الحركة، ولا يُشبهها إلا حركة نابوليون في معركة واغرام الشهيرة، فقد انتقل حينما بلغه تجمع الأوروبيين ضده من إسبانيا، بسرعة البرق كما يقولون، ودخل معهم في معركة قاسية.
وهذه الترتيبات غير المنظمة بقيت، إلى ما قبل اليرموك، المعركة النظاميّة الأولى في الفتح العربي. فقد غير، لأول مرة، خالد بن الوليد من نظام الحرب المُتبع، بعد أن استطلع حالة خصمه ودقق تشكيلاته وطراز تعبئته، واقتنع بأنه لا بد من تقسيم جيشه وترتيبه على طراز الجيش الروماني، فعمد إلى تنسيقه وفق الأصول الرومانية. قسم الجيش إلى كراديس بلغ مجموعها من 26 إلى 40 كُردوسا، عين لكل منها قائداً، ثم ألف الكراديس فرقاً من 10 إلى 20 كردوسا، وجعل على كل منها قائداً كبيراً، وخصّص للقلب (المركز) فرقة وللميمنة فرقة وللميسرة فرقة، وأنشأ هيئة أركان الحرب، وكان لديه من هيئة أركان المقر (مقر القيادة العامة) أبو الدرداء قاضي الجيش، وأبو سفيان ابن حرب القاص (أي خطيب الجيش، ومن وظيفته أيضا إيصال الأخبار إلى الفرق المحاربة ونقل الأوامر)، وعبد الله بن مسعود مأمور الإقباض (أي الذي يموّنُ الجيشَ ويجمعُ الغنائم)، وأقام أمام الجيش طلائعَ (خُفراء الأمام) وكانت هذه التعبئة في اليرموك أول تعبئة نظامية.
فالعرب استفادوا من الرومان والفرس نظاماً جديداً فيما يتصلُ بالتشكيلات الحربيّة والتعبئة والقيادة العامة، وخطة استدراج الجيش قبل كل شيء للإيقاع به وإبطال مقاومته، وكلمات كثيرةً منها كُردوس التي يقدرون أنها محرّفة، أو معرّبة عن كلمة Kortis الرومانية، وهي بمثابة كتيبة، وأرطبون وهي محرفة عن كلمة Tribum ومعناها قائدُ فرقة.
بيد أنهم لم يستفيدوا شيئا مما يتصل بالتربية العسكرية التي تعلم الطاعة والانضباط، وتقضي على الروح القبلي قضاء حاسماً، والجندية الدائمة التي تحدد المدنيين والعسكريين، وتخلق شعوراً في الصنفين يدركون به صلاحياتهم ومدى أهلية تدخلهم. ومن فضائل هذا النظام الواضحة تحامي الرجل العسكري مهما سما قدرهُ عن وضع نفسه في مركز مدني صرف، وتحمل المسؤوليات، والأعباء العامة. إذاً فعدم وجود نظام من هذا النوع في محيط العرب، جعل الرجالات العسكريين الذين اشتهروا بالبطولة يفكرون بالدعوة لأنفسهم، والانتقاض لاحتواء السلطة.
----------------------------------
المصدر : مقدمات لفهم التاريخ
|