|
يقول بعض مؤرخي الفرق: ((إن كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى (خارجياً) سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو على كان بعدهم على التابعين، أو على الأئمة في كل زمان)) وعلى هذا التعريف يكون تسميتهم بالخوارج لقب ذم لهم ويكون سبب تسميتهم بهذا الاسم من قبل مخالفيهم وذلك (لخروجهم على علي بن أبي طالب) أي عن الجماعة وقد تكون تسميتهم بالخوارج مأخوذة من قوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) وعلى هذا تكون تلك التسمية لقب مدح لازم وتكون منهم لا من مخالفيهم.
وكما عرف الخوارج بهذا اللقب عرفوا باسم (الحرورية) و (الشراة) و (المارقة) و (المحكمة). أما انهم لقبوا (بالحرورية) فلأنهم بعد أن رجع علي بن أبي طالب من صفين إلى الكوفة انحازوا إلى حروراء. وأما انهم لقبوا بالشراة ((فلأنهم كانوا يقولون شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة)) ويظهر انهم أخذوا هذا المعنى من قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) وأما تسميتهم (بالمارقة) بمعنى انهم مارقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فإنهم لا يرضونها.
وأما المحكمة فإنهم لقبوا بها لأنهم كانوا يقولون: ((لا حكم إلا لله)). وقد انفرد بهذه التسمية أوائلهم الذين أنكروا على علي التحكيم. ولكن لفظة الخوارج هي الأشهر ((والخوارج كلمة عربية مفردها خارجي، هم أتباع أقدم الفرق الاسلامية)). ففرقة الخوارج جاءت نتيجة انشقاق ديني حدث في الجماعة الاسلامية أثر موقعة صفين. ذلك ان جماعة من المسلمين من أصحاب علي احتجوا على فكرة وقف القتال في صفين وأنكروا على علي موافقته على التحكيم، وأنكر بعضهم على لجنة التحكيم صلاحيتها في النظر في خلاف علي ومعاوية ((وقالوا لا حكم إلا لله)). فالخوارج الذين خرجوا على علي وانشقوا عليه كانوا بالأمس من حزبه وأعوانه وكانوا يعتقدون إن علياً إمام بويع بيعة صحيحة، فلا معنى لقبول التحكيم مع جماعة خرجوا عليه، بل كان عليه أن يمضي في حربهم حتى يدخلوا فيما دخل فيما دخل فيه عامة الناس. وهم يعبرون عن موقفهم من التحكيم ونقمتهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقولهم لعبدالله بن عباس: ((قد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتاباً، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة، وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية)) وقالوا أيضاً: ((قد كان للمؤمنين أمير فلما حكم في دين الله خرج عن الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر)).
وقد يعجب المرء أن يأخذ الخوارج على علي هذا الموقف من التحكيم، لأنهم هم الذين دفعوه إلى اتخاذه، ثم طالبوه بعد ذلك بالعودة عن الأمر، وهو لم يكن ليفعله وهو الحاكم فيتنكر لما سبق إن وافق عليه. فهم يخاطبون علياً بقولهم: ((تب عن خطيئتك، وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقي ربنا. قال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً وشرطنا شروطاً وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا)).
هذا أمر الخوارج قبل معرفتهم نهاية التحكيم، أما بعد التحكيم ورجوع علي من صفين فإنهم تجمعوا في إثني عشر ألفاً تحت زعامة عبدالله بن الكواء اليشكري وشبث بن ربعي التميمي فلم يدخلوامعه الكوفة بل أتوا حروراء. ثم إن الخوارج ذهبوا إلى النهروان بعد أن بايعوا (عبدالله بن وهب الراسبي) بالإمامة. ولكن كثيراً منهم فارقوه عندما قرب الأمر في محاربة علي. ثم كانت معركة بينهم وبين علي سنة 38هـ فقتل الكثير من الخوارج ولم يبق منهم إلا تسعة رجال ذهب رجلان منهم إلى عمان ومن أتباعهما خوارج عمان وذهب إثنان إلى اليمن ومن أتباعهما اباضية اليمن وإثنان إلى سجستان ومن أتباعهما خوارج سجستان وإثنان إلى الجزيرة ومن أتباعهما خوارج الجزيرة وخرج رجل منهم إلى (تل موزن).
وهكذا فالمصادر التاريخية تعتبر إن الباعث الأول لنشأة الخوارج كانت موافقة علي على التحكيم وذلك لأنهم رأوا إن الفصل في موضوع الخلافة لا يصح أن يوكل إلى البشر بل ينبغي الاحتكام فيه إلى الحرب والكفاح ولكن هذا السبب المباشر لنشأة الخوارج يعد من أوهى الأسباب، ذلك إن نزعة الخروج كانت كامنة في نفوس المسلمين بسبب ما آل إليه أمر الخلافة على عهد عثمان، وما انتهى إليه أمر الجماعة الاسلامية بعد مقتله من تفرق الأمة إلى فريقين متعارضين متحاربين، لا لسبب من أسباب الدين بل لأسباب الدنيا أي الحكم ومغانمه والتطلع إلى مراكز الرياسة والسيطرة، مما كان في الواقع خيانة لجوهر الاسلام بوصفه دنيا وعقيدة وهكذا أثرت فئة من المسلمين الثورة على الأوضاع السائدة. وهكذا كان لثورة الخوارج على علي بالاضافة إلى الأسباب الدينية أسباباً سياسية. فهم وإن كانوا قد أثاروا المسألة من ناحية دينية أي انهم خطأوا علياً لقبوله بالتحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان وجعلوا هذا الخطأ كفراً وصبغوا الأمر صبغة دينية تتراوح بين الكفر والإيمان ولكن هناك صلة وثيقة بين العوامل السياسية التي خلقت هذه الفرقة بوين أفكارها وما بشرت بها من تعاليم.
ففي نظرية الخلافة أو الإمامة عند الخوارج أو (الجمهوريون) كما يسميهم فان فلوتن نرى انهم أجازوا أن يكون الخليفة من غير القرشيين ما دام يحقق العدل بين الناس ويجتنب الجور، وإذا وجد إمام حقق مصالح الناس بالعدل وخرج عليه واحد وجب قتاله. وإذا غير الإمام سيرته وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله، وانه يجوز أن لا يكون في العالم إمام إذا أمكن أن يسير الناس أمورهم بالعدل وعدم الجور، ولا مانع إذا حقق الإمام العدل بين الناس أن يكون عبداً أو حراً، قرشياً أو غير قرشي.
فالملاحظة إن الخوارج أرادت من تفسيرها للدين المحافظة على منزلتها محافظة تامة إذ أن الخوارج لم يكونوا من قريش ولا ثقيف ولا الأنصار بل كانوا من قبائل أقل أهمية من حيث المكانة السياسية اندمجت في الاسلام خصوصاً بعد فتوح عمر وأقامت في الكوفة والبصرة وكانت تغلب على أكثرهم البداوة. فكثرة قبائل الخوارج من (أعاريب بكر وتميم).
وعلى هذا فإن الخوارج جسدت في آرائها حول الخلافة الثورة على الأرستقراطية المتمثلة في قريش عامة لحصرها مركز الخلافة بنفسها دون سائر القبائل وعلى الأموين خاصة ((فالخوارج جسدت في فكرها الرفض السياسي لتجميع السلطة في أيدي الأمويين)) لذلك فتاريخ الخوارج كان عبارة عن ثورات متعددة ضد بني أمية التي تتركز فيها عصبية قريش.
كذلك فثورة الخوارج على علي كانت لها بالاضافة إلى العوامل ا لدينية والسياسية أسباباَ اقتصادية واجتماعية. ((ذلك إن الخوارج وهم من المقاتلين رفضوا مركزية الحكم وأرادوا الاستئثار بالأراضي التي فتحوها والاستفادة منها، كما أرادوا أن يحافظوا على منزلتهم كطبقة من المقاتلين تستثنى من بين أفرادها جميع الطبقات الأخرى.. لذلك شجبت الاختلاط مع سائر فئات الأمة الأخرى حتى يتسنى لها الحفاظ على مكاسبها الاقتصادية التي تنجم عن الغزو المستمر)).
وقد دخلت في تكوين الخوارج عدة عوامل منها: ((دخول بعض الموالي في عقيدة الخوارج ولعل السبب في دخولهم انهم اشتركوا مع الخوارج في بغض الأمويين واعتقادهم بعدم صلاحيتهم ووجوب الخروج عليهم حتى تزول دولتهم. وقد رغب الموالي في مذهب الخوارج القائم على المساواة بين المسلمين الذي تمثله الآية الكريمة (إنما المؤمنون إخوة) )).
فدعوة الخوارج إلى المساواة والاخوة جعلت الموالي يجدون في مذهبهم تحقيقاً لآمالهم وطموحاتهم. وترجع دعوة الخوارج للمساواة والاخوة إلى انهم كانوا من بين جماعة العمال أكثر مما هم من بين طائفة الموسرين.
وقد بدأ الخوارج نضالهم ضد نظام الحكم عقب صفين وخرجوا على علي في النهروان وفي أماكن متعددة. وكانت نتائج ثوراتهم تنتهي دائماً بالهزيمة مما زاد في امعان الخوارج على كره علي حتى دبروا له مكيدة قتله فكان ((إن قتله عبدالرحمان بن ملجم الخارجي وقد كان زوجاً لامرأة قتل كثير من أفراد أسرتها في وقعة النهروان)).
وقد ظل الخوارج شوكة في جانب الدولة الأموية طوال حكم خلفاء معاوية وإلى مروان بن الحكم يرجع الفضل في القضاء عليهم.
ولم تبق الخوارج فرقة واحدة وعلى رأي واحد بل سرعان ما انقسموا إلى فرق كثيرة لم يتفق المؤرخون على عددهم ولكن اتفقوا جميعاً على انهم لا يقلون عن عشرين فرقة بعضهم أصول وبعضهم فروع. أما الأصول فهم على ما ذهب إليه الشهرستاني ((المحكمة الأولى، الأزارقة ـ النجدات، الصفرية، العجاردة والثعالبة والباقون فروعهم. أما عند الأشعري فهم الأزارقة والنجدية، والاباضية، والصفرية)).
ولكن يجمع الخوارج على اختلاف فرقهم وافتراق مذاهبهم ((إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين والإكفار بارتكاب الذنوب ووجوب الخروج على الإمام الجائر)).
فالأزارقة وهم من أوائل فرق الخوارج ((أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنى بأبي راشد فلم تكن للخوارج فرقة أكثر عدداً ولا أشد فهم شوكة)) وهم يقولون ((إن علياً (ع) كافر)).
ومن آرائهم إباحة قتل الأطفال المخالفين، وان أطفال المشركين في النار مع آبائهم ومنها إن التقية لا تجوز مطلقاً لا بالقول ولا بالعمل. ومنها تكفيرهم من ارتكب كبيرة من الكبائر ويكون مخلداً في النار مع الكفار.
إن من ينظر في آراء تلك الطائفة من الخوارج يرى أنهم لم يكونوا يعرفون الأمر الوسط بين الإيمان والكفر ولكن الانسان أما كافر وأما مؤمن وأن الإيمان قول وعمل وأنه أمر كلي لا يتجزأ، فمن حقق الإيمان بجميع أقواله وأفعاله فهو مؤمن وإلا فهو كافر وإن مبدأ من أخطأ من المسلمين فقد كفر كان سبباً مهماً في نشأة الفرق الكلامية ذلك أن أصل نشأة المعتزلة يرجع إلى الحكم على مرتكب الكبيرة هل هو كافر أم مؤمن؟ حتى أفتى واصل بن عطاء في هذا بأنه في منزلة بين المنزلتين(أي أنه لا كافر مطلقاً ولا مؤمن مطلقاً) وإنما هو فاسق. كذلك فقد نشأت عن مبدأ الكفر والإيمان الفرقة التي ترى أن مرتكب الكبيرة يرجئ أمره إلى الله وهي فرقة المرجئة. فهذا القول بكفر من أخطأ من المسلمين وهو رأي الخوارج الأوائل يمكن أن يكون السبب في نشأة الفرق الكلامية الاسلامية.
وقد تطورت آراء الفرق التي تفرعت عن الخوارج الأوائل حتى إننا نرى أن متأخري الخوارج كانوا أكثر تساهلاً مع مخالفيهم من متقدميهم ولا ندري هل سبب هذا التساهل والتسامح هو اتساع مداركهم عن سلفهم الذين كانوا من عرب البادية وفيهم السذاجة وعدم عمق التفكير، أم أن كثرة الحروب التي أنهكهم قد جعلتهم يآثرون التقرب من مخالفيهم عن طريق التخفيف من آرائهم المتشددة.
وإن ما نلاحظه من آراء الصفرية وهي من فرقهم المتقدمة ما يؤكد هذا الرأي فهم أكثر تسامحاً من غيرهم ((فالصفرية أصحاب زياد بن الأصفر خالفوا الأزارقة والنجدات والاباضية في أمور منها إنهم لم يكفروا القعدة عن القتال، ولم يسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم وقالوا إن التقية جائزة في القول دون العمل)).
------------------------------------------------
المصدر: الاتجاهات الحزبية في الاسلام
|