|
التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الاخر:
1_ إن أولى دلائل التطرف: هي التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بوجود، وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهاناً، وأرجح ميزاناً.
والعجيب أن من هؤلاء من يجيز لنفسه أن يجتهد في أعوص المسائل، وأغمض القضايا، ويفتي فيها بما يلوح له من رأي، وافق فيه أو خالف، ولكنه لا يجيز لعلماء العصر المتخصصين، منفردين أو مجتمعين، أن يجتهدوا في رأي يخالف ما ذهب إليه.
ومنهم من يخرج بآراء وتفسيرات لدين الله، هي غاية في العجب، لا يبالي أن يشذ فيها عن كافة السابقين واللاحقين، والمحدثين والمعاصرين، لأن رأسه برأس أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن عبّاس رضي الله عنهم، فهو رجل وهم رجال! وليته يعدي هذه الرجولة والفحولة إلى غيره من معاصريه، من لا يرى رأيه، ولا يتبع نهجه من أهل العلم، بيد أنه لا يتعدى نفسه، وكل الصيد في جوف الفرا!
فهذا التعصب المقيت الذي يثبت المرء فيه نفسه، وينفي كل من عداه، هو الذي نراه من دلائل التطرف حقاً، فالمتطرف كأنما يقول لك: من حقي أن أتكلم.. ومن واجبك أن تسمع.. ومن حقي أن أقود.. ومن واجبك أن تتبع.. رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب.. وبهذا لا يمكن أن يلتقي بغيره أبداً، لأن اللقاء يمكن ويسهل في منتصف الطريق ووسطه، وهو لا يعرف الوسط ولا يعترف به، فهو مع الناس كالمشرق والمغرب، لا تقترب منه أحدهما إلا بمقدار ما تبتعد من الآخر.
إلزام جمهور الناس، بما لم يلزمهم الله به...
2_ ومن مظاهر التطرف الديني: التزام التشديد دائماً، مع قيام موجبات التيسير، وإلزام الآخرين به، حيث لم يلزمهم الله به، إذ لا مانع أن يأخذ المرء لنفسه بالأشد في بعض المسائل، وبالأثقل في بعض الأحوال، تورعاً واحتياطاً، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا ديدنه دائماً وفي كل حال، بحيث يحتاج إلى التيسير فيأباه، وتأتيه الرخصة فيرفضها، مع قوله(ص): "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" وقوله: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" وقوله تعالى: (يريدُ اللهُ بكُمُ اليسر ولا يُريدُ بكُمُ العسرَ) (البقرة: 185)، و "ما خير رسول الله (ص) بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً).
ولهذا كان النبي (ص) أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، حتى إنه كان يقوم بالليل فيطيل القيام حتى تنفطر أو تتورم قدماه عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان أخف النّاس صلاة إذا صلى بالناس، مراعياً ظروفهم وتفاوتهم في الاحتمال، وقال: "إذا صلى أحدكم بالنّاس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما يشاء".
ومن التشديد على الناس محاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلى المكروهات كأنها محرمات، والمفروض ألاّ نلزم الناس إلاّ بما ألزمهم الله تعالى به جزماً، وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه، إن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا.
التشديد في غير محله...
3_ ومما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.
فهؤلاء ينبغي التساهل معهم في المسائل الفرعية، والأمور الخلافية، والتركيز معهم على الكليات قبل الجزئيات، والأصول قبل الفروع، وتصحيح عقائدهم أولاً، فإذا اطمأن إليها دعاهم إلى أركان الإسلام، ثم إلى شعب الإيمان، ثم إلى مقامات الإحسان.
ولما بعث النبي (ع) معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم..
فانظر كيف أمره أن يتدرج في دعوتهم، فيبدأ بالأساس، وهو الشهادتان: الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد (ص) بالرسالة، ثم إذا استجابوا دعاهم إلى الركن الثاني، وهو الصلاة، فإن أطاعوا انتقل إلى الركن الثالث، وهو الزكاة.. وهكذا.
الغلظة والخشونة...
4_ ومن مظاهر التطرف: الغلظة في التعامل، والخشونة في الأسلوب، والفظاظة في الدعوة، خلافاً لهداية الله تعالى، وهدي رسوله(ص).
فالله تعالى يأمرنا أن ندعو إلى الله بالحكمة لا بالحماقة، وبالموعظة الحسنة، لا بالعبارة الخشنة، وأن نجادل بالتي هي أحسن (ادعُ إلى سبيلِ ربكَ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنة وجادلهُم بالّتي هي أحسنُ) (النحل: 125).
ووصف رسوله (ص) بقوله: (لقد جاءَكُم رسُولٌ من أنفُسكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم) (التوبة:128).
وخاطب رسوله مبيناً علاقته بأصحابه: (فَبِما رَحمةٍ من اللهِ لنتَ لهُم ولو كُنتَ فظاً غليظ القلبِ لانفضّوا من حولك) (آل عمران:159).
ولم يذكر القرآن الغلظة والشدة إلاّ في موضعين:
1_ في قلب المعركة ومواجهة الأعداء، حيث توجب العسكرية الناجحة، الصلابة عند اللقاء، وعزل مشاعر اللين حتى تضع الحرب أوزارها، وفي هذا يقول تعالى: (قَاتِلوا الّذينَ يَلُونَكُم مِنَ الكُفّارِ وليجِدوا فيكُم غلظةً) (التوبة:123).
2_ والثاني في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله في أرضه: (ولا تأخُذكُم بِهِما رأفةٌ في دينِ الله إن كُنتُم تؤمنونَ بالله واليومِ الآخرِ).
أما في مجال الدعوة، فلا مكان للعنف والخشونة، وفي الحديث الصحيح: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، وفي الأثر: "من أمر بمعروف، فليكن أمره بمعروف" وقال(ص): "ما دخل الرفق في شيء إلاّ زانه، ولا دخل العنف في شيء إلاّ شانه".
سوء الظن بالناس...
5_ ومن مظاهر التطرف ولوازمه: سوء الظن بالآخرين، والنظر إليهم من خلال منظار أسود، يخفي حسناتهم، على حين يضخم سيئاتهم.
الأصل عند المتطرف هو الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، خلافاً لما تقرره الشرائع والقوانين: أن المتهم بريء حتى تثبت أدانته.
تَجد الغلاة دائماً يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفراً!!
فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله، ورفع الحرج عنهم، فهو في نظرهم متهاون بالدين.
وإذا عرض داعية الإسلام عرضاً يلائم ذوق العصر، متكلماً بلسان أهل زمانه ليبين لهم، فهو متهم بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارة الغرب.. وهكذا.
ولم يقف الاتهام عند الأحياء، بل انتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فلم يدعو شخصية من الشخصيات المرموقة إلاّ صوبوا إليها سهام الاتهام، فهذا ماسوني، وذلك جهمي، وآخر معتزلي.
حتى أئمة المذاهب المتبوعة _على ما لهم من فضل ومكانة لدى الأمة في كافة عصورها _ لم يسلموا من ألسنتهم ومن سوء ظنهم.
بل إن تاريخ الأمة كله _بما فيه من علم وثقافة وحضارة _ قد أصابه من هؤلاء ما أصاب الحاضر وأكثر، فهو عند جماعة تاريخ فتن وصراع على السلطة، وعند آخرين تاريخ جاهلية وكفر، حتى زعم بعضهم أن الأمة كلها قد كفرت بعد القرن الرابع الهجري!
السقوط في هاوية التكفير...
6_ ويبلغ هذا التطرف غايته، حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجّة التكفير، واتهام جمهور النّاس بالخروج من الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلاً، كما هي دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في واد، وسائر الأمة في واد آخر.
وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية، صياماً وقياماً وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر، لا من فساد الضمير.
ومن دخل الإسلام بيقين لا يجوز إخراجه من إلاّ بيقين مثله، فاليقين لا يزول بالشك، والمعاصي لاتخرج المسلم من الإسلام، حتى الكبائر منها. كالقتل، والزنى، وشرب الخمر. ما لم يستخف بحكم الله فيها، أو يرده ويرفضه.
ولهذا أثبت القرآن الأخوة الدينية بين القاتل المتعمد وولي المقتول المسلم، بقوله: (فَمَن عُفي لَهُ من أخيهِ شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروفِ وأداءٌ إليهِ بإحسانٍ) (البقرة:178). وقال النبي (ص) لمن لعن الشارب الذي عوقب في الخمر أكثر من مرة: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله".
وفاوتت الشريعة بين عقوبة القتل والزنى والسكر، ولو كانت كلها كفراً، لعوقب الجميع عقوبة المرتد.
وكل الشبهات التي استند إليها الغلاة في التكفير، مردودة بالمحكمات البينات من كتاب الله وسنُة رسوله(ص) وهو فكر فرغت منه الأمة منذ قرون، فجاء هؤلاء، يجددونه، وهيهات...
-------------------------------
المصدر : الصحوة الاسلامية بين الجمود والتطرف
|