ومن الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف: الحوار بالحسنى، وإذا استخدمنا التعبير القرآني قلنا: الجدال بالتي هي أحسن، وهو ما أمر الله تعالى به في كتابه حين قال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
وهنا نجد تفرقة في التعبير بين المطلوب في الموعظة والمطلوب في الجدال. ففي الموعظة اكتفى بأن تكون حسنة، أما في الجدال فلم يرض إلى أن يكون بالتي هي أحسن، بمعنى أنه إذا كان هناك أسلوبان، أو طريقتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها وأفضل، فالمأمور به أن نتبع التي هي أحسن.
وسرّ ذلك: أن الموعظة ترجع ـ عادة ـ إلى الموافقين، الملتزمين بالمبدأ والفكرة، فهم لا يحتاجون إلا إلى موعظة تذكرهم، وترقق قلوبهم وتجلو صداهم، وتقوى عزائمهم، على حين يوجه الجدال ـ عادة ـ إلى المخالفين، الذين قد يدفع الخلاف معهم إلى شيء من القسوة في التعبير، أو الخشونة في التعامل، أو العنف في الجدل، فكان من الحكمة أن يطلب القرآن اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال أو الحوار، حتى يؤتى أكله.
ومن هذه الطرائق أو الأساليب: أن يختار المجادل أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر.
ولهذا استخدم القرآن في مخاطبة اليهود، والنصارى، تعبيراً له إيحاؤه ودلالته في التقريب بينهم وبين المسلمين، وهو تعبير (أهل الكتاب) أو (الذين أوتوا الكتاب) ولهذا جاء في القرآن مثل قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم).
(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) .. الخ.
والآية التي كان يرسل بها النبي (ص)، إلى ملوك النصارى وأمرائهم، مثل قيصر والنجاشي والمقوقس:
(وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم).
حتى المشركون الوثنيون لم يخاطبهم القرآن بقوله: ((يا أيها المشركون)) بل كان يناديهم بقوله: (يا أيها الناس).
ولم يرد في القرآن خطاب للمشركين بعنوان الشرك أو الكفر، إلا في سورة (الكافرون)، وذلك لمناسبة خاصة هي قطع الأمل عند المشركين أن يتنازل المسلمون عن أساس عقيدتهم، وهو التوحيد، ولهذا كرر فيها المعني الواحد بصيغ عدة تأكيداً وتثبيتاً، ومع هذا ختمها بهذه الآية الكريمة التي تعد غاية في السماحة: (لكم دينكم ولي دين).
ومثلها قوله تعالى: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون).
وإنما اصطدم الاسلام بالشرك، واقتتل الرسول والمشركون، لأنهم لم يقابلوه بمثل منطقه، بل قالوا: لنا ديننا، وليس لك دينك، ولنا عملنا، وليس لك عملك، من حقنا أن نعبد الأوثان، وندعو إليها. وليس من حقك أن تعبد الله وتدعو إليه، ومن اتبعك على دينك بإرادته واختياره كان علينا أن نفتنه عن دينه.
ومن أساليب الحوار بالحسنى: التركيز على نقاط الالتقاء، ومواضع الاتفاق بينك وبين مَن تحاوره.
وهو أسلوب قرآني، يجب أن نتعرف عليه، فهو يقول في حوار أهل الكتاب من اليهود والنصارى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.. وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون).
ومثل ذلك قوله في سورة أخرى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم).
فإذا كان هذا موقف المسلم ممن يجادله من أهل الكتاب الذين يخالفونه في عقيدته، وأصل دينه، ولا يؤمنون بأن محمداً رسول الله، ولا أن القرآن كتاب الله، ولا أن الاسلام شريعة الله، فكيف ينبغي أن يكون موقفه من أخيه المسلم الذي يؤمن بكل ما يؤمن به من عقيدة وشريعة، ورسول وكتاب؟
وأذكر هنا نموذجاً رائعاً من نماذج حوار القرآن مع المخارفين وكيف يتنزل معهم في الكلام، ويرخى لهم العنان، ليستميلهم إليه، ويقربهم إلى ساحته ولا يستثير دوافع الخصومة، وحب الجدل في نفوسهم بل يحاول ـ بأسلوبه الرفيق الحكيم ـ تهدئتها، وتقليم أظافرها.
يقول تعالى في سورة (سبأ) مخاطباً المشركين: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم).
يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآيات:
(هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وذلك لأن أحد المتناظرين، إذا قال للآخر: هذا الذي تقوله خطأ، وأنت فيه مخطئ يغضبه، وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطئ والتمادي في الباطل قبيح، والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق، فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز، فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر، ويترك التعصب، وذلك لا يوجب نقصاً في المنزلة، لأنه أوهم بأنه في قول شاك. ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه: (وإنا أو إياكم) مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي، وهم الضالون والمضلون.
ثم قال تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: (ولا نسأل عما تعملون) ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله: (لا تسألون)، (ولا نسأل) زيادة حث على النظر، وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذاً بجرمه، فإذا احترز نجا ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر.
ثم قال تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) أكد ما يوجب النظر والتفكير، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب، فكيف إذا كان يوم عرض وحساب وثواب وعذاب).
إن بعض المتحاورين في مسائل العلم والدين، يخيل إليك أنهم يتقاتلون لا أنهم يتجادلون، وأن الذي في أيمانهم ليس قلما يقطر مداداً أسود بل سيفاً يقطر دماً أحمر.
وكان الأولى أن يغلب الجو العلمي بهدوئه ورزانته على الجو الانفعالي بشدته وسخونته، وأن تهب الكلمات من الجانبين نسام تنعش، لا أعاصير تدمر.
إن الكلمة العنيفة لا لزوم لها، ولا ثمرة تجتنى من ورائها، إلا أنها تجرح المشاعر، وتغير مودة القلوب، وإن قال شوقي: ((اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)).
ولكن هذا إنما يكون في الاختلاف الملتزم بآداب الحوار وموضوعيته، والبعد عن الإثارة والتهييج. أما الحوار الذي يصحبه العنف والاتهام والتجريح فالأغلب أنه يفسد الود، ويعكر صفاء الأنفس بل قد يخشى إذا ذهب الود إلا يعود مرة أخرى، على نحو ما قال الشاعر:
إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يشعب!
ولا ضرورة تدعو الدعاة والعاملين للاسلام إلى اتخاذ الكلمات أو العبارات التي من شأنها أن تنفر ولا تبشر، وأن تفرق ولا تجمع.
كيف والتوجيهات النبوية تأمر بالتبشير وتنهي عن التنفير، ففي الحديث المتفق عيه عن أنس أنه (ص) قال: ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)).
|