|
ويميل الأستاذ أمين الخولي رحمه الله تعالى: إلى دراسة القرآن موضوعاً موضوعاً، لا أن يفسر على ترتيبه في المصحف الكريم سوراً، أو قطعاً، وأن تجمع آياته الخاصة بالموضوع الواحد جمعاً إحصائياً مستفيضاً، ويعرف بترتيبها الزمني، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها، ثم ينظر فيها بعد ذلك لتفسر وتفهم، فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى، وأوثق في تجديده.
وهذا الرأي يعني أن يقوم جملة من المتخصصين على دراسة شذرات ونجوم من القرآن كل حسب تخصصه، فيجمع مادة موضوع من مواضيع القرآن ويستقصيها إحصاء لتكون هيكلاً مترابطاً يشكل وحدة موضوعية متكاملة واحدة، ثم يقوم بتفسيرها بحسب منهجه فالمتخصص بالأحكام يبحث آيات الأحكام والمتخصص بالعقائد يحصي آيات العقائد وهكذا... فالفن القصصي في القرآن يفرد في مبحث خاص، والبعد التشبيهي يبحث في كتاب، والمثل القرآني يصدر في رسالة وهكذا... وقد استجاب لهذا المنهج عدد غير قليل من الأساتذة بالجامعات في الوطن العربي، فوجهوا طلابهم في الدراسات العليا لاحتضان هذه الفكرة فتخصص قسم منهم بأجزاء من القرآن الكريم بدراسته موضوعياً.
والسير بهذا المنهج يغني الباحث والطالب في سبر المواضيع والإطلاع على أسرار القرآن العظيم مبوية وممنهجة، لاسيما وأن السلف قد سار على طريقة تفسير سوره وآياته بحسب ورودها من المصحف، وفي ذلك غنى واكتفاء لطالبي المنهج السابق، والمنهج الحديث ييسر كثيراً من الجزئيات المتناثرة، ويقوم بعملية التقاء ووصلة لآخر الموضوع بأوله، ولشارده بوارده.
وفي هذا المنهج كشف للصور المتعددة من الموضوع الذي يعرض له القرآن أكثر من مرّة، كالحديث عن موسى وبني إسرائيل مثلاً، إذ يقوم المفسر التقليدي بالحديث عنها في جزء من التفسير والعودة إليه في جزء آخر، بينما يقوم هذا المنهج بإحصائها وترتيبها، ويكشف بذلك قدرتها على استنباط حقائق الأشياء بالصور المختلفة التي حاولها القرآن بحسب مناسبة النزول وقرائن الأحوال، وهنا يظهر العمق البلاغي للقرآن أكثر فأكثر، حيث يكون الإلمام بالموضوع، والإحاطة به قد استوعبا جميع الجهات والوجهات فيصبح التفسير جامعاً مانعاً.
وقد سبق بعض الأوائل إلى هذا المنهج من حيث لا يقصدون، ولعل من أهم مظاهر هذا المنهج عندهم هو التفسير التشريعي الذي عني بفقه القرآن وأحكامه، وقد عاد مناخاً للكشف عن الخلاف المذهبي عند المسلمين، فكل يعزز وجهة نظره الفقهية، وكل يلتمس الدلائل القرآنية التي تؤيد رأياً يميل إليه، فعاد كل تفسير من هذا النّوع سجلاً لفتاوى مذهب مؤلفه، حتى وضح فيه التعصب المذهبي والخلاف بالأحكام الشرعية، وقد تطرف به البعض حتى عاد تفسيره أداة لنفي آراء بعض المسلمين واثبات الأخرى، فحمل قويهم على ضعيفهم، ولجت مع هؤلاء وهؤلاء السياسة المعاصرة لكل منهم فأثبتت ما أرادت، ونفت ما يعارض مصلحتها، فتكوّن بذلك مزيج مما اختطت المذاهب وارتأت السياسة.
ومع ما تقدم، فإن هذا المنهج قد كشف عن قدرات اجتهادية في الاستنباط والقياس ووجوه اعتماد الأحكام.
ونحن نورد هنا أهم ما أطلعنا عليه من هذه التفاسير:
1_ للحنفية عدة تفاسير في الموضوع أهمها:
أ ـ أحكام القرآن للجصاص.
ب ـ التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية لأحمد بن سعيد.
2_ وللجعفرية عدة تفاسير أهمها:
أ ـ كنز الفرقان في فقه القرآن، للمقداد السيوري.
ب ـ فقه القرآن، لقطب الدين الراوندي.
ج ـ زبدة البيان في أحكام القرآن ـ للأردبيلي:
دـ قلائد الدرر في تفسير آيات الأحكام بالأثر، للشيخ أحمد الجزائري النجفي.
3_ وللمالكية عدة تفاسير أهمها:
أ ـ أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي.
ب ـ الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، وهو تفسيره الشهير، ويؤكد فيه على جانب الأحكام واستخلاصها.
4_ وللحنابلة عدة تفاسير أهمها:
الإكليل في المتشابه، والتنزيل، لأحمد بن تيمية.
5_ وللشافعية عدة تفاسير أهمها:
أ ـ أحكام القرآن، لأبي الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي.
ب ـ القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، لأحمد بن يوسف الحلبي.
6_ وللزيدية عدة تفاسير أهمها:
أ ـ منتهى المرام، شرح آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين.
ب ـ الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة، لشمس الدين بن يوسف.
وهكذا الحال عند الخوارج، وأهل الظاهر لكل تفسير المذهبي الخاص بأحكامه.
----------------------------------------------------------
المصدر: المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق
|