تفسير و مفسرون

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
محمد حسين فضل الله
المدلول القرآني لكلمة الإمام:

أن ملاحظة كلمة الإمام في القرآن قد تعطني المعنى المرادف للنبوّة في حديث الله عن الأنبياء ووصفهم بالأئمة، مما يجعل من الكلمتين تجسيداً لمهمّة واحدة في حركة الرسالة، وهذا ما نلمحه في الآيتين التاليتين.
(وَجَعَلنَاهُمْ أَئمَّةً يهْدُونَ بأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِليْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكَانُوا لَنا عَابِدِينْ (21/73) وَلقَدْ آتَيْنَا مُوسى الْكِتابَ فَلا تُكْن فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلنْاهُ هدىً لِبنى إِسرائيل وَجَعلنَا مِنْهُمْ أَئِمةً يَهْدُونَ بِأَمرِنا لمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنَا يُوْقِنْونْ) (32/34ـ35).
وربما نستوحي من ذلك إرادة الإمامة بمعنى القدوة في الأقوال والأفعال وذلك من خلال التأكيد في الآيتين على كلمة "يهدون بأمرنا" في جانب التبليغ، والتركيز على كلمة "لمَّا صبروا" في الآية الثانية في جانب الشخصية القيادية التي تمثل الثبات في مواجهة المزالق مما يجعلها في موقع المسؤولية والقدوة العملية.
وقد تلتقي هذه الفقرة بالآية التي نحن بصددها تفسيرها حيث عقّب الابتلاء بجعل الإمامة، وقد يؤكد انسجام الإمامة مع طبيعة النبوة إلحاق الوحي بها في قوله تعالى: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) وبذلك تكون الإمامة صفةً لحركة النبوّة في الحياة من خلال طبيعة الشخصية التي يملكها النبي مما يجعله قدوةً في نفسه وموضعاً للتوجيه الإلهي للناس بالاقتداء به في قوله وفعله، أمّا الإمامة بالمعنى الآخر فلا نجد في الآية أساساً لاستفادته بتفاصيله المذكورة في علم الكلام ولكننا نستطيع استيحائه من طبيعة المهمّة الموكلة إلى النبي.
وقد نستطيع التأييد لالتقاء كلمة الإمامة المجعولة لإبراهيم بالنبوّة في معناها الواسع، بالتساؤل الصادر من إبراهيم حول إعطاء هذا الامتياز لذريته فان الظاهر أنه كان يقصد النبوّة التي منحها الله له، وذلك من خلال الجواب بان عهد الله لا ينال الظالمين، وذلك، لأننا نلاحظ التعبير كثيراً عن النبوّة بأنها عهد الله لرسله ولأنبيائه.
قد وردت بعض الأحاديث عن أئمة أهل البيت تؤكد على أن مرحلة الإمامة كانت متأخرة عن مرحلة النبوّة فقد ورد في الحديث الذي رواه ـ في كتاب الكافي ـ عن جابر عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام، قال: سمعته يقول: إن الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً واتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً واتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً واتخذه خليلاً قبل أن يتخِذه إماماً فمِن عِظَمِها في عين إبراهيم قال: يا رب ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين. ورواه زيد الشحام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وقد نحتاج إلى زيادة التأمل في هذه الأحاديث ـ بعد التأكد من صحتها ـ فإنها جارية على أساس الترتب بين الصفات المجعولة لإبراهيم عليه السلام، ولكن قد يكون المراد منها تعدد جوانب الشخصية في شخصية إبراهيم فيما أولاه الله من ألطاف وامتيازاتٍ نابعة من امتداد المعاني الروحية في حياته، وعلى ضوء ذلكَ يكون الترتّب بينها منطلقاً من طبيعة العلاقة التي تجعل بعضها متوقفاً على توفّر البعض الآخر من دون أن يكون هناك ضرورة لوجود فترة زمنية بين هذه الأمور، ولعل عظمة الإمامة في وعي إبراهيم كانت منطلقة من شعوره بضخامة الموقع الذي وصل إليه حيث جُعل إماماً للناس في كل أقواله وأفعاله بحيث أصبح يمثل القاعدة التي ينطلق من خلالها الناس إلى القيم التي يؤمنون بها لتكون حياته الوجه الأمثل للقيمة الروحية للحياة... وبهذا تفترق الإمامة عن النبوّة في مفهومها الداخلي، فأن النبوّة تعتبر منطلقاً للدعوة على أساس الوحي والرسالة، بينما تعتبر الإمامة قاعدة للاقتداء والاتباع على أساس الطاقات الفكرية والروحية والعملية التي يملكها، فكأن النبوّة صفة تأتِيه من الخارج. أما الإمامة فهي صفة ترتبط بالذات من خلال المعاني الكامنة في الداخل.
وهناك وجه آخر نحتمله في استيحاء معنى إمامة إبراهيم التي جاءت بعد النبوّة فيما تدل عليه الروايات التي تفسر الابتلاء بقضية ذبح إسماعيل، وهو أن إمامة إبراهيم ليست محدودةً بزمنه كبقية الأنبياء الآخرين بل هي إمامة تتعداه إلى ما بعد ذلك من المراحل الزمنية التي عاش فيها الأنبياء الآخرون حتى أن الشرائع المتأخرة عنه كانت مطبوعة بطابع الشريعة الإبراهيمية وقد نستوحي ذلك في الآية الكريمة (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الأَخرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهيمَ كَذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ).
وخلاصة الفكرة، أن الإمامة تعتبر الصفة المتحركة للنبي في حياته بحيث كانت النبوّة والرسالة تنطلق في اتجاه المهمة التي كفله الله بها، بينما كانت الإمامة تتحرك في اتجاه اعتباره قدوة وقاعدة لم أراد الاقتداء والانطلاق من القاعدة الإيمانية المتجسدّة وبذلك يظهر كيف تتأخر الإمامة عن النبوّة عندما يعبر النبي عن طاقاته وملكاته في خطواته العملية في الحياة، في جهاده من أجل الرسالة وفي صبره أمام التحديات الداخلية والخارجية...
أمّا ما نستوحيه من هذه الآية، فهو قضيتان أساسيتان:
المسؤولية تمنح بعد الاختبار:
1- إن المسؤولية لا تًمنح إلاّ بعد الابتلاء والاختبار لاسيما إذا كانت تتعلق بالأمر الذي يستدعي تغيير الأمة في حاضرها ومستقبلها، فلا يمكن أن تجعل على أساس انطباعاتٍ عامة، أو على أساس المجاملات والمحسوبيات الخاصة...
الظالمون لا يصلحون للقيادة:
2- أن القائمين على شؤون الأمة. لابد أن يكونوا بالمستوى الذي يرتفعون به عن صفة الظلم في حياتهم لأن الإنسان الذي يعيش الظلم في حياته لا يمكن أن ينطلق بعيداً في محاربة الظلم ورفعه عن حياة الناس.. .. وقد وردت الأحاديث الكثيرة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام التي توضّح ـ من خلال هذه الآية ـ أن الخلافة لا يمكن أن تجعل للظالمين أنفسهم بالمعصية وبالكفر حتى قبل حصولهم على الخلافة لأن قضية المسؤولية ترتبط بالتاريخ العميق للشخصية بالإضافة إلى الحاضر الذي يمثل الانضباط في مواقع المسؤولية ...
-----------------------
المصدر: من وحي القرآن/ حلقة 3

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com