|
{ كنتمْ خيرَ أمةٍ أُخرجتْ للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهونَ عنِ المنكرِ وتؤمنونَ باللّه ولوْ آمنَ أهلُ الكتابِ لكانَ خيراً لهُم منهمْ المؤمنونَ وأكثرهُم الفاسقونَ} (110).
إن قيمة كل أمة بالنسبة الى الأمم الأخرى، هي في المبادئ التي تؤمن بها وفي الدور الكبير الذي تقوم به في حياة الناس... وعلى هذا الأساس جاءت هذه الآية لتؤكد أفضلية الأمة الاسلامية على سائر الأمم، لا من خلال الجانب الذاتي الذي يقوم على تفضيل شعبٍ على شعب لصفاته الذاتية، أو لامتيازات غيبية خاصة كما هو شأن اليهود في اعتقاهدهم بأنهم شعب اللّه المختار، بل من خلال الدور الذي أنيط بها في تغيير الواقع الفاسد بكل الوسائل الممكنة سواء كان ذلك بالاقناع القائم على اساس المحبة، أو كان ذلك بالقوة التي تحطم الحواجز التي يقيمها الاخرون أمام حرية الاسلام في الدعوة، أو تواجه التمرد المنحرف الذي يقوم به الافراد في المجتمعات الاسلامية، فهي أمة قائدة لمجمتعها ومجتمعات الآخرين من حيث الدور الذي انيط بها، بينما كانت الرسالات الاخرى، فيما حدثنا القرآن عنه من حديث الأنبياء، تعمل على اساس التغيير بالموعظة والكلمة الطيبة والأساليب الهادئة مما يجعل منها رسالة دعوة مجرّدة... وإذا كانت قيمة الأمة من حيث الدور لا من حيث الذات، فان الحكم على واقعها العملي تابع لقيامها بهذا الدور، ولكن ذلك لايمنع من بقاء هذه الصفة من حيث الخط الذي وضع لها... وقد أثار المفسرون - في تفسير هذه الآية - الحديث حول كلمة «كان» هل هي متضمنة للزمان في معانها، فيكون الحديث عن التفضيل في زمان سابق، أو هي غير متضمنة له، فتكون واردة لبيان أصل المبدأ وقد اختار بعض المحققين من المفسرين الوجه الأول واستظهر ان الآية تمدح حال المؤمنين في أول ظهور الاسلام من السابقين الأولين من المهاجرين والانصار...
فيؤول المعنى الى أنكم معاشر الاسلام كنتم في أول ما تكوّنتم وظهرتم للناس خير أمة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...» وذهب أكثر المفسرين الى الوجه الثاني وقالوا ان كملة (كان) قد تتجرد عن الزمان في بعض الحالات كما في الآيات التي تتحدث عن صفات الله مثل «وكان الله غفوراً رحيما...» ولكننا نلاحظ على هذا الموضوع، ان الظاهر من الآية هو ورودها لبيان دور الأمة وقيمتها من خلال ذلك... وهذا قرينة على ان القضية لاتتصل بالزمن، لأن خصوصية الزمان في مثل هذه الأمور تابع للجانب الواقعي العملي الذي تختلف في الأمة من زمن الى زمن... وهذا غير مراد من الآية - فيما يظهر-، أما ما ذكره صاحب تفسير الميزان فهو مخالف للظاهر، من خلال ما استظهرناه من جهة، ومن جهة أخرى... فان الاية نزلت في الوقت الذي كانت حركة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة مستمرة في حياة المسلمين ولم تكن منفصلة عن ذلك الجو، فكيف يمكن ان تتكلم عن الموضوع بصفة الماضي... الذي قد يوحي بتبدّل الصفة الى نقيضها... أما تفسير الايمان بالله، بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، تغير واضح... بل ربما كان من القريب جداً، أن يكون المراد منه معناه الحقيقي على اساس ارتباط الدور بالجانب العقيدي الفكري الذي يمثله الايمان بالله، وبالجانب التطبيقي العملي الذي يمثله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
أما الحديث عن أهل الكتاب فينطبق من انحرافهم عن الخط الالهي في أكثر نماذجهم مما يفقدهم الدور الكبير الذي يتخيلونه لأنفسهم، بينما لو كانوا منسجمين مع خط الايمان بالرسول والرسالة، لكانوا جزءً من هذه الأمة القائدة التي اوكل الله اليها هذا الدور... وكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة... ولكن القليلين منهم هم الذين آمنوا... بينما ركبت الكثرة الكاثرة رؤوسها واختارت جانب الفسق والضلال... ولا تزال الآية تفرض نفسها على الساحة لتدعو المسلمين الى ان يرتفعوا الى هذا المستوى من خلال انسجامهم مع خط الايمان وقيامهم بهذا الدور... ولكن الواقع الاسلامي في أكثر نماذجه قد ابتعد عن ذلك بالسير مع الدعوات القومية والعنصرية والاقليمية، وغيرها من الاتجاهات المنحرفة عن خط الاسلام مما جعل الفكرة المطروحة في الساحة، هي رفض الاسلام كأساس للشخصية ونظام للحياة، ومنطلق للحركة، والاكتفاء به كاطار للعبادات والاخلاقيات العامة التي لا تلامس الحياة الا من بعيد... وبذلك فقدت الأمة دورها الرائد بابتعادها عن شخصيتها الحقيقية وخطّها الأصيل...
أن الآية تؤكد على جانب الخط الى جانب الحركة... فلا قيمة للحركة بدون القاعدة... كما ان القاعدة لا تمثل مركز قوة اذا لم تتحرك في اتجاه تحريك الساحة من حولها على اساس المفاهيم الأساسية للفكر والعمل...
------------------------------------
المصدر : حلقة 6 من وحي القرآن
|