تفسير و مفسرون

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
محمد حسين فضل الله فضل الله
الحقيقة أمانة الله لدى العلماء

(إنَّ الذينَ يكتُمونَ ما أنزلنا مِنَ البيّناتِ والهدى مِن بعدِ ما بينّاه للنّاس في الكتاب أولئكَ يلعنهُم الله ويلعَنُهم اللاعنون إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئكَ أتوبُ عليهم وأنا التّوابُ الرحيم). (البقرة/ 159ـ 160)
ربما يكون المقصود بهؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله، هم أهل الكتاب أو اليهود منهم خاصة، كما في بعض الاحاديث المأثورة او التفاسير المتنوعة... ولكن الآية لا تتجمد عند النماذج التي نزلت فيهم أو انطلقت منهم، لأن اسباب النزول تعتبر منطلقاً للفكرة من خلال النموذج الحي في عصر نزول الآية، لتتحرك الفكرة من خلال الواقع الذي يقتحم على الناس حياتهم في نطاق المشكلة الحية البارزة... وفي ضوء ذلك نقرر إن الآية واردة لتقرير المبدأ العام الشامل لكل الناس الذين يملكون المعرفة بحقائق الاشياء، وآفاق البينات وسُبُل الهدى فيما بينه الله للناس في كتابه سواء كان من الكتب الاولى التي انزلت على ابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، أو كان المراد به الكتاب الأخير الذي هو القرآن فان الانسان الذي يملك المعرفة يحمل مسؤوليتها أمام الله بأن يبينها الناس اذا طلبوها منه، او إذا غفلوا عنها فلم يلتفتوا إليها ليسألوا عنها، فلا يجوز له ان يخفيها عنهم أو يكتمها عنهم لأن في ذلك إخفاءً للحقيقة، وكتماناً للرسالة مما يوجب وقوع الناس في الضلال او انحرافهم عن خط الحق وضياعهم في متاهات الجهل والحيرة... وهذا مخالف للسنّة الإلهية التي درجت على ارسال الانبياء وإنزال الكتب ليفتحوا عيون الناس وقلوبهم على الحقيقة، وليخططوا لهم درب الحياة على أساس المنهج الواضح المستقيم... ولما كانت أعمار الأنبياء محدودة، وكانت وسائل وصول الرسالات والكتب السماوية مرتبطة بالظروف الموضوعية التي تتحرك فيها الرسالات، كان لزاما على أتباع الانبياء والرسالات أن يحملوا هذه الأمانة التي حملها الانبياء وبلغوها من جيل الى جيل لتتصل الحلقات في سلسلة واحدة، ولترتكز المراحل المتعددة على أساس خطة ثابتة ممتدة ولتتحرك الحياة في خطوات الرسالات خطوة خطوةً.. ولولا ذلك لماتت الرسالات بموت اصحابها، إذا لم تسمح الصدفة بانطلاقة مصلح أو متحمس تدفعه نزعته الاصلاحية أو حماسة الايماني إلى حمل الرسالة من جديد... ولا معنى لأن تكون القضية خاضعة لسؤال السائلين وفحص الباحثين، لأن الناس قد تخضع لغفلةٍ مطبقة أو لتوجيه سيء يبعد التفكير عن مساره الطبيعي فيما يثير من قضايا أو يواجه من علامات الاستفهام ولهذا فإننا نعتقد أن مسؤولية العلماء بالله وبشريعته الاسلامية كبيرة جداً في مجالات التبليغ الاسلامي تبعاً للحجم الذي يمثلونه في المعرفة العلمية وفي المساحة الاعلامية التي يملكونها في حياة المجتمع، وفي القوّة الاجتماعية التي يستطيعون أن يستخدموها في مجال الدعوة الى الله لا سيما في الحالات التي يتعرض فيها الفكر الاسلامي أو الشريعة الاسلامية للخطر من قبل أعداء الله فان الاستسلام للاسترخاء الفكري والعملي الذي يغريهم بالبحث عن المبررات للتقاعس عن الانطلاق، ولكتمان الحق عمن يحتاجه من الجاهلين والغافلين يعتبر خيانة للاسلام وللمسلمين، ومصداقاً لقوله تعالى في هذه الآية (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) وقد يؤكد ذلك الحديث الشريف المأثور "إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه".
--------------------------------
المصدر : من وحي القرآن/ حلقة 3

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com