|
وحار المفسرون في تحديد معنى هذه الكلمة.. فهل تعني الموت... أو تعني بلوغ الحدّ الذي حدًّده الله له في الأرض فيما توحيه كلمة "التوفية" من معنى بلوغ الحدّ... حتى أن البعض يرى أن إطلاق الوفاة على الموت كان على أساس هذه الملاحظة باعتباره نهاية حدّ الحياة من دون أن يكون لموت الحياة في الجسد مدخلية في طبيعة المعنى... فذهب البعض إلى أن الله قبضه إليه بضع ساعات ثم أحياه... وذهب آخرون إلى أن الله رفعه إليه، من دون أن يقبض روحه، لأنه سيعيش إلى نهاية الحياة الدنيا... وقال بعض المتأخرين من المفسرين... إن الله أخفاه عن أعين الناس فعاش عيشة طبيعية بعيداً عن أنظارهم حتى قبضه الله إليه ورفعه إليه كما يرفع كل عباده إليه بروحه... وهذا حديث لا نريد أن نفيض فيه كثيراً، لأنه قد يدخل في باب الرجم بالغيب في بعض تفاصيله، وقد لا نصل فيه إلى نتيجة محدّدة حاسمة، ولا نجد فيه كبير فائدة فيما يتصل باستيحاء القرآن لحياتنا الفكرية والعملية... فاننا نعلم أن الله سبحانه قادر على كل شيء في أصل الخلق وفي أشكاله وأوضاعه وطريقة بقاءه، فليس هناك حد لقدرته فيما يريده، فالله القادر على أن يرفع الإنسان بروحه قادر أن يرفعه بجسده، والله الذي يريد للإنسان أن ينهي حياته في الأرض بالموت هو الذي يريد له أن ينهيها بغير ذلك فان الفكرة كل الفكرة هي أن الله قد دبّر بحكمته وبخطّته الخفية خلاص عيسى (ع) من اضطهاد اليهود ومن محاولتهم قتله... أما ماذا فعل... وما هي الخطة... فذلك مما اختص الله بعلمه، فلنرجع الأمر فيه لله، فيما يريد أن يعرفنا إياه، وفيما لا يريد أن يعرفنا سرّه...
وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا:
واختفى عيسى (ع) عن الأنظار... ولم تختف دعوته... وغاب عن الساحة ولم يغب أتباعه... بل اندفعوا، بكل صبر وإيمان، يركّزون الأساس ويرفعون البناء ويصنعون للمستقبل فكره وروحيّته ونظامه... وكانت رعاية الله لهم في كل خطواتهم العمليّة ... فبدأ الإيمان يتقدم ليتخذ مواقعه المتقدمة في حياة النّاس وبدأ الكفر ينحسر تدريجياً... وكان وعد الله لعيسى حقاً... " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا..." فها هم اليهود يقفون في الدرجة السفلى أمام أتباعه ولكن كيف ذلك...؟ ومن هم أتباعه؟.. هذا ما خاض فيه المفسرون كثيراً وهذا ما يجب أن نتوقف أمامه قليلاً لنفهم معنى هذه الفقرة من الآية... فقد ذهب بعض المفسرين... أن المراد بالذين اتبعوه، هم أهل الحق من النصارى الذين ساروا على دعوته الحقيقية، ومن المسلمين الذين اتبعوه باتباعهم للنبي محمد (ص) الذي بشّر به وبرسالته... وأن معنى الفوقية هنا هو، الفوقية في الحجة والبرهان لأن حجة عيسى وأتباعه في نبوّته وصحة دعوته ظاهرة بيّنة كلما تقدم الزمن، وخفّت الضغوط بينما كانت حجة الكافرين الذين خالفوه وعاندوه غير مستندة إلى أساس فهي لا تزدادـ على مرور الأيام، إلا انحساراً وضعفاً... ولكن هذا الوجه مما لا تساعد عليه الآية لا بلفظها ولا معناها... كما يقول صاحب تفسير الميزان، "فان ظاهر قوله إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك، انه أخبار عن المستقبل، وانه سيتحقق فيما يستقبل، حال التكلم، توف ورفع وتطهير وجعل، على أنّ قوله: وجاعل الذين اتبعوك، وعد حسن وبشرى، وما هذا شأنه لا يكون إلا فيما سيأتي، ومن المعلوم أن حجة متبعي عيسى عليه السلام ليست إلا حجة عيسى نفسه، وهي التي ذكرها الله تعالى في ضمن آيات البشارة، أعني بشارة مريم، وهذه الحجج فائقة حين حضور عيسى قبل الرفع وبعد الرفع، بل كانت قبل رفعه، أقطع لعذر الكفار ومنبت خصومتهم فما معنى وعده، عليه السلام، أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة مخالفيهإ ثم ما معنى تقييد هذه الغلبة والتفوق بقوله إلى يوم القيامة، مع أن الحجة في غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم...".
ويرى صاحب الميزان، أن المراد بالذين اتبعوه هم النصارى، وبالذين كفروا، اليهود فانه يكفي في إطلاق هذه الصفة على المتأخرين منهم، وان خالفوه في بعض تفاصيل رسالته انهم يعتبرون امتداداً للذين اتبعوه حقيقة في عصره وبعد عصره، في مقابل اليهود الذين كفروا به في حياته قبل رفعه وبعد رفعه على امتداد الزمن. وبذلك تكون الآية في مقام "بيان نزول السخط الإلهي على اليهود وحلول المكر بهم وتشديد العذاب على أمتهم...".
وتلك هي قصة الصراع بين الكفر والإيمان ... وبين الحق والعدل، في حساب الدنيا أما إذا رجع الناس إلى الله ووقفوا بين يديه ليحكم بينهم... فهناك الحكم العدل الذي يضع الحق في ميزانه الصحيح... ويظهر الباطل في حجته الضعيفة التي لا تثبت أمام النقد، "ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون..." وهذه اللفته القرآنية تنقل الناس من أجواء الحياة الدنيا التي يتخبط فيها الناس في الضلال فيما يخوضونه من صراع الحق والباطل، إلى أجواء الآخرة التي يسود فيها العدل في حسابات الصراع الفكري والعملي... فلا مجال إلا للحق الذي يقف فيه المحق رافع الرأس عالياً لأنه لا يخاف من الاضطهاد الذي يمارسه ضده أهل الباطل في خنق صوت الحق في الحياة... ويقف فيه المبطل مهزوماً ذليلاً، لأنه لا يملك، في ذلك الموقف، الوسائل الكفيلة بإعطاء الباطل صورة الحق فيما تحشده من الألوان المزيّفة، والأساليب المظلّلة، المستندة إلى القوة الغاشمة...
------------------------------
المصدر: تفسير من وحي القران / حلقة 6
|