تفسير و مفسرون

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
د. زاهية الدجاني
يوسف في بيت العزيز: المراودة

كانت البئر التي ألقي فيها يوسف تقع على طريق للقوافل، فلما تلقى وحي البشرى بالنجاة، مرّت قافلة من هناك، فأرسل أفرادها واردهم للتزود بالماء من تلك البئر. وعند إلقاء الوارد للدلو، إذا بيوسف يتشبّث به للخروج. ومع أن السياق للأحداث لا يتحدث عن شعور يوسف وقتئذ تبعاً للأسلوب القرآني باستخدام "الإيجاز" في مواطنه، إلا أنه يمكننا القول: إن دفاعه عن نفسه كما ذكر سابقاً، يبين أنه كان يتوق للخروج إلى عالم النور، عالم الحياة، بدل البقاء في قاع البئر، قاع الحياة، الذي يصارعه الموت فيه. لكن مقابل ذلك، فالسياق يتحدث عن بشرى للوارد وأصحاب القافلة.. بشرى الحظي بغلام، لكن البشرى هنا، لم تقع لديهم موقعاً وجدانياً معنوياً، بل وقعت موقعاً مادياً بدليل أنهم أسرّوا يوسف كبضاعة لإخفائه عن الأنظار، دون علم من جانبهم بأن الله تعالى على علم بما يفعلون. ثم باعوه بثمن زهيد، دراهم معدودة كما جاء في قوله الكريم:
"وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسرّوه بضاعة والله عليم بما يعملون. وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين" (19،20 سورة يوسف).
المشهد الأول
يظهر المشهد يوسف وهو يحظى بالعيش في بيت آمن من بيوت مصر، بيت رئيس الشرطة، كما ورد في بعض الأعمال المختصة بالقصص.
من الواضح أن صاحب البيت، رئيس الشرطة، قد حمل تقديرا ليوسف من منطلق إدراكه لنبوغه وسمّو أخلاقه. وبذلك أمر زوجته بإكرام مثواه، والتوسم به خيراً، ولشدة لهفته على يوسف، وأمله وثقته به، فقد راودته فكرة اتخاذه ولداً لهما، كما عبّر عن ذلك لزوجته. وبهذا حظي يوسف بمن يفهم النواحي الإنسانية المتميّزة لديه بعد بيعه من قِبل من لا يرون الحياة، إلا من منظار عد الدراهم: إذن، بعد فترة عناء وتعاسة، كما هو الحال الدنيا بالتقلب، فقد نعم يوسف بالاستقرار لفترة ما، وتثبت في المجال العائلي حين خوّله صاحب البيت حق التصرف بشؤون المنزل، رأسا بعده وبعد زوجته. وبالوصول إلى هذا الحد، يقف السياق لُيذكّر الإنسان بأن هذا التمكّن ليوسف قد حصل بالمشيئة الإلهية، وليشير في الوقت نفسه، إلى أن يوسف قد مضى في الطريق لتلقي العلم المختص بتأويل الأحاديث من قِبل الله سبحانه وتعالى، كما ورد في كتابه العزيز:
"وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (21، سورة يوسف).
وهكذا، فإن تدابير اخوة يوسف، التي ترمي إلى وضعه في قاع الحياة، قد باءت بالفشل. وانقلب الأمر إلى تمكينه فيها. وذلك ليدرك الإنسان أن القوة كلها بيد الله جلّ وعلا. ومهما استنفد أصحاب المكائد من وقت للتخلص من شخص أراد الله له الرفعة والمنزلة العظيمة، لن ينالوا إلا الخسران، فالغلبة لله وحده في كل أمر. وهنا تقف الآية "21" لِتكشف عن جهل الأكثرية من أبناء البشرية لهذه الحقيقة، لأنه لولا هذا الجهل، لما تَوجّه الكثيرون لتدبير المكائد للغير بدافع الحسد، وحب الاستئثار بالدنيا، والتنعم ببريقها الزائف دون حسبان للسماء. وبهذا الإطار، فالآية تلك، تحمل معها دروساً للبشرية تتجلى في الآية التالية:
"ولما بلغ أشدَّه آتيناه حِكَماً وعِلماً وكذلك نجزي المحسنين" (22، سورة يوسف)
وفي تفسيره لهذه الآية الكريمة، يقول سيد قطب:
فقد أوتي صحة الحكم على الأمور، وأوتي علماً بمصائر الأحاديث أو بتأويل الرؤيا، أو بما هو أعم، من العلم بالحياة وأحوالها، فاللفظ عام ويشمل الكثير، وكان ذلك جزاء إحسانه. إحسانه في الاعتقاد وإحسانه في السلوك.
المشهد الثاني
تبتدئ أحداث هذا المشهد بالآية الكريمة التالية:
"وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلَّقت الأبواب وقالت هَيْتَ لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" (23، سورة يوسف).
لقد اهتمت كتب التفاسير القرآنية بتلك الآية ـ وما بعدها ـ اهتماماً كبيراً، لأنها تدور في محورها حول عشقٍ موجهٍ ليوسف من قبل التي كان هو في بيتها، وهي امرأة العزيز، كما كشف السياق عن ذلك فيما يلي من مشاهد. لقد أحبت تلك المرأة يوسف، الذي اتصف بجمال خَلْقي إضافة إلى جماله الخُلُقي، حبا تخطى الإطار النفسي ليخرج إلى الإطار الواقعي بدليل استخدام كلمة "راودته" التي ورد شرحها كالآتي من قبل محمد علي الصابوني:
طلبت امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، منه أن يضاجعها، ودعته... أن يواقعها...".
إن ابتداء المشهد هذا، بمراودة امرأة العزيز تلك، يحمل في طياته مفاجأة للقارئ. فاستناداً إلى الآية الكريمة، التي أبرزت صاحب البيت وهو يدعو زوجته لإكرام مثوى يوسف على أساس إمكانية اتخاذه ولداً لهما: كان القارئ يتوقع أن تكون تلك المرأة في سن تكبر فيها يوسف بمراحل، ومن ثم تنظر إليه بعين الأمومة. ولكن كم كان عمرها وعمره في وقت عشقها له؟ فالسياق لأحداث القصة لم يكشف عن هذه النقطة، تاركاً للذهن البشري تقدير ذلك من خلال التفكير والتأمل بالأحداث منذ البداية حتى هذه النقطة، وتجدر الإشارة هنا، إلى أن سيد قطب قام بمحاولة قيّمة للتوصل إلى التقدير المطلوب عن طريق التحليل الآتي:
لقد كان يوسف غلاماً عندما التقطته السيارة وباعته في مصر. أي أنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد.. وفي هذا الوقت كانت هي زوجة... (على أن) خاطر التبني.. لا يرد على النفس عادة إلا حين لا يكون هناك ولد؛ ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد، فلابد أن تكون قد مضت على زواجها فترة؛ يعلمان فيها أن لا ولد لهما. وعلى كل حال فالمتوقع.. أن تكون (سنها) حينئذ حوالي الثلاثين. ونتوقع كذلك أن تكون سنها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها. وهي السن التي نرجح أن الحادثة وقعت فيها.. نرجحها لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة، مالكة لكيدها، متهالكة على فتاها.
ويضيف سيد قطب قائلاً: إن تلك الدعوة الأخيرة كانت "سافرة إلى الفعل الأخير". ومن هنا، يلاحظ أن حركة إغلاق الأبواب لا تأتي إلا في آخر لحظة.. لحظة تهالك تلك المرأة على يوسف. ولكن كيف كان رد فعل يوسف في هذا الموقف (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون). لقد استعاذ يوسف بالله تعالى من فعل السوء. وعلى حسب ما أورد أبو السعود فهذه "إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله للخلاص منه". هذا، وبحكم إيمانه العظيم وإخلاصه في الطاعة لله تعالى والاعتراف له وحده بالفيض عليه بالرحمة في حياته، حيث نجاه من ظلام الجب، ووضعه في بيت حظي فيه بمعاملة طيبة، وبإكرام من سيده، قال: (إنه ربي أحسن مثواي)، فهنا أخبر تلك المرأة بأنه لن يفلح الذين يتجاوزون الحدود التي وضعها لله تعالى للإنسان، فيعملون مثل ما كانت تدعوه إليه. وتعليقا على النص المختص بموقف يوسف هذا، يقول سيد قطب:
والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي... فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب، وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته: "وقالت هيت لك" (9).
ولكن ومع موقف يوسف في "التأبي"، فسياق الأحداث يظهر في الآية الكريمة التالية ما يلي:
"ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين" (24، سورة يوسف).
وفي شرحه لإحدى نواحي تعبير "الهم بالشيء" يقول ابن جرير الطباري في "جامع البيان في تأويل آي القرآن" ومعنى الهم بالشيء في كلام العرب: "حديث المرء نفسه بمواقعة، ما لم يواقع". أما بالنسبة لشرح التعبير كما ينسب لامرأة العزيز "بالتخصيص" فقد ذكر دروزة أنه يعني استعداد "عزمها وإلحاحها عليه".
ولكن عندما يأتي تعبير "وهمّ بها" يفسره الصابوني من منظار "نفسي" فيقول: إن التعبير هذا يحمل معه ميلاً من يوسف "بالنزول عند رغبتها كحديث نفس دون عزم وقصد مبين" معتمداً بذلك على تفسير الإمام الفخر الرازي حين قال "الهمّ خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه، لكن دينه يمنعه عنه" ولسيد قطب أيضاً، نظرة تحليلية عن الموقف المتمثل في الآية الكريمة "ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه" حيث يقول:
هو نهاية موقف طويل من الإغراء، بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم.. وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف، ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة.. ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة، لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضاً يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة، وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك. فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا... (وهذا التفسير) أقرب إلى الطيعة البشرية وإلى العصمة النبوية، وما كان يوسف سوى بشر... مختار. ومن ثم لم يتجاوز همّه الميل النفسي في لحظة من اللحظات. فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه، بعد لحظة الضعف الطارئة، عاد إلى الاعتصام والتأبي".
وبذلك ثبّت الله تعالى يوسف على العفة لصرف المنكر والفجور عنه "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء". وهذه الآية تشكل دليلاً قاطعاً على أن يوسفَ لم يقع منه همّ فعلي تجاه الإغراء بالرغم من لحظة ضعف نفسي طارئ. ولكن بما أن هذا الإغراء كان فوق طاقته، "فصرفه الله عنه بما منحه من موجبات العفة...".
وبعد تقرير هذه الحقائق الروحية المختصة بحفظ الله ورعايته ليوسف، يمضي سياق الأحداث لتصوير ما جرى بعد أن رأى يوسف برهان ربه. هنا، ولّى وجهه نحو الباب للإفلات، في الوقت الذي جرت فيه امرأة العزيز خلفه، تجاذبه قميصه وتحدث تمزقاً فيه، ولكنه مع ذلك، تمكن من التغلب عليها، فاستبقا الباب، هو يسعى لفتح مغلقه، وهي تعمل على منعه من الإفلات قبل تلبية رغباتها. في هذه اللحظة، وقعت المفاجأة حين الفيا بعلها لدى الباب كما ورد في قوله الكريم:
"واستبقا الباب وقدَّت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم" (25، سورة يوسف).
إن هذا المشهد بكل مفاجآته مثير للتأمل والتفكير. وإن كلمة "الاستباق" تحمل في طياتها صراعاً بين الحق المتمثل بيوسف، والباطل المتمثل بامرأة العزيز، مع محاولات من تلك المرأة لمحق الحق، واستبداله بالباطل. ولاشك أنها كانت تشعر بخيبة أمل من يوسف لعدم تلبيته رغباتها الجنسية. وبسيطرة مثل هذا الإحساس عليها، بما عُرف عنها من قلة حياء أو خجل، فكان من المتوقع، وهي ترى سيدها لدى الباب، أن تسقط اللوم عن نفسها وتلقيه على يوسف. ولكن، لم يكن متوقعا تأجج نار الحقد في قلبها لدرجة إثارة زوجها لوضع يوسف بالسجن أو تعذيبه بشدة. فكيف كان موقف يوسف تجاه قلب الحقائق من جانب امرأة العزيز رأسا على عقب؟ هذا ما تحمله الآية التالية:
"قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قُدّ من دُبُر فكذبت وهو من الصادقين" (26، 27، سورة يوسف).
لقد خرجت كلمة الصدق والأمانة من فم يوسف حين قال للعزيز: إن امرأته هي التي راودته عن نفسه. وعند هذه النقطة، يتحدث السياق عن شهادة شاهد في هذا النزاع، دون إعطاء تفصيلات عنه، تاركاً بعض الأسئلة في ذهن القارئ، كما يظهر من الفقرة التالية لسيد قطب:
فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه؟ هل كان مع زوجها (سيدها بتعبير أهل مصر) وشهد الواقعة؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر، كما يقع في مثل هذه الأحوال أن يستدعي الرجل كبيراً من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى.. هذا وذاك جائز. وهو لا يغير من الأمر شيئاً. وقد سمي قوله هذا شهادة... لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه.
في تقصية للأمر، فقد اتبع الشاهد منهجاً بالغا في الدقة والتمحيص. فقال إن كان التمزق في قميص يوسف من الأمام فهي صادقة. وذلك لأن اثر دفاع المرأة عن نفسها في حال الهجوم عليها يظهر من الأمام، مكان المدافعة. أما في حال حدوث التمزق في قميصه من الخلف، فهذا يعني أن امرأة العزيز كاذبة، لأنه عندما يهرب الرجل من المرأة الراغبة فيه، فمن المتوقع أن تشده من الخلف لإقصائه عن الهروب. وبما أن هذا هو ما حصل ليوسف، فقد ثبت الحق له، والكذب عليها:
"فلما رأى قميصه قدَّ من دُبُر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنكِ كنتِ من الخاطئين" (28ـ29، سورة يوسف)
وبهذا الموقف الذي وصل إلى الحد الأقصى من الحساسية، وضع العزيز اللوم على زوجته كامرأة تسعى نحو المكائد، ثم طلب من يوسف إهمال الأمر وكتمانه، ومن زوجته الاستغفار لذنبها بسبب الخطأ الذي ارتكبته.
الدروس والعبر والإعجاز في المعنى
إن هذا الفصل من القصة، بمشهديه، فريد من حيث معانيه بين القصص القرآنية، لأنه يتناول زاوية العلاقة بين يوسف "كإنسان" وبين المرأة، زوجة العزيز، من حيث المشاعر، ومدى القدرة على ضبطها. أما بالنسبة ليوسف، وبحكم انتمائه إلى بيت نبي، وتأهيله للنبوة وقتئذ، إضافة إلى امتيازه بالتفكير العظيم، فقد كان من الطبيعي أن يمتلك القدرة على مقاومة الإغراء إلى أقصى حد ممكن. ولكن يوسف كان "إنسانا" في الوقت نفسه، يمتلك مشاعر إنسانية بحكم الطبيعة البشرية، وبذلك لم يكن من السهل عليه أن لا يشعر بإغراء امرأة العزيز الذي بلغ أوجه حين غلّقت الأبواب وقالت له "هيت لك" أو هلم فأقبل، فلو لم يشعر بذلك لما كان إنساناً. إن مسألة الجانب الإنساني في يوسف تشكل أحد المحاور الرئيسية في القصة، وذلك لوضع حد فاصل بين الألوهية والإنسانية، في حين أن كل أبناء البشر يتعرضون للحظات ضعف في أي مجال، مهما علت مرتبتهم الروحية، فالكمال لله تعالى وحده. وإن يوسف الذي امتلك قدرة عظيمة بالتغلب على إغراء المرأة، فقد مرّ بلحظة ضعف، عندما حدثته نفسه بالنزول عند رغبتها، ولكن دون الإقدام على فعل ذلك قطعياً، انطلاقا من الحفظ والرعاية الإلهية له، وتثبيته على العفة. إذن، فالضعف هنا تجسد في حديث النفس، ولكن مقابل ذلك، تجسدت القوة لديه في عدم الإصغاء لحديث نفسه في تلبية رغبات امرأة العزيز الجنسية، والأجواء كلها مهيأة له، اتقاء لغضب الله عزّ وجل والتزاماً بحدود الدين. وفي هذا التأرجح بين الضعف النفسي الطارئ، والقوة الروحية، يجد القارئ عِبَرا متطلبة. فإذا مرّ أي إنسان بتجربة مشابهة لمحنة يوسف مع امرأة العزيز من حيث الموضوع، فعليه أن يثبت ولا ينزل عند رغبات الإغراء بحجة عدم قدرته على تحمل ذلك. صحيح أن يوسف كان ابن نبي مؤهلاً للنبوة فاستطاع مقاومة الإغراء.. إلا أن الله تعالى لن يترك برحمته وعلمه أيّ إنسان مؤمن يتعرض لموقف إغراء فوق إرادته. فسرّ القوة في مجابهة الإغراء، تكمن في الإيمان الذي إذا وصل إلى درجة عظيمة، تتلاشى بالإنسان الشهوات الباطلة، فيرتقي بروحه بدلا من الاستسلام والهبوط بها إلى الذل والمهانة. فموقف يوسف إذن، موقف تسامٍ وتعالٍ، عظيم عن الشهوة.
فامرأة العزيز تقف كنموذج لصنف من النساء، وجد ويوجد دائماً على الساحة الأرضية. والعبرة هنا، هو أن على المرأة المتزوجة أن تتحلى بالقناعة، وتلتزم بالوفاء لزوجها، وتتحمل أعباء الزوجية بإخلاص، دون التطلّع لهذا أو ذاك، مع ظنٍ منها بالقدرة على إبقاء الأمر في حيز "الكتمان". إن قصة امرأة العزيز حين دعت يوسف لنفسها تدحض هذا الظن، وتؤكد بأن الله تعالى الذي ينهي عن السوء والفحشاء، قادر على كشف محاولات المرأة في الغواية، حتى ولو غلّقت الأبواب في قصر منيع كقصر صاحب الشرطة في مصر. على أن كل هذه المعاني تشكل دليلاً على إعجاز القرآن، وصلاحيته بعِبَرِه للحياة العائلية في كل زمان ومكان. فالقرآن هنا يحث على ضرورة إرساء قواعد الفضيلة في المجال العائلي على أساس أن العائلة تشكل نواة المجتمع.
-----------------------------------
المصدر : يوسف في القرآن الكريم والتوراة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com