تفسير و مفسرون

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
العلامة الآلوسي البغدادي
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا

رجوع إلى شرح ما جرى عليه السلام في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه، وقوله سبحانه: (وَكَذلكَ مَكَّنَّا لَيُوسُفَ) إلى هنا اعتراض جئ به أنموذجاً للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في أعماله لم يصدر عنه ما يخل بنزاهته، والمراودة (المطالبة برفق من راد يرود إذا ذهب وجاء لطلب شئ). (وغير ذلك مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه) فأن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما، قال شيخ الإسلام: وهذا باب لطيف المسلك مبنى على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم: كما تدين تدان. أي كما تجزى تجزى، فأن فعل البادئ وإن لم يكن جزاء لكنه لكونه سبباً للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سبباً للقيام. والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: (إذا قمتم إلى الصلاة) (فإذا قرأت القرآن) وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فأن مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدروها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك وروعى جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل*
ولما كان منازعة جئ ـ بعن ـ في قوله تعالى: (عَن نَّفْسِهِ) كما تقول: جاذبته عن كذا دلالة على الإبعاد وتحصيل الجذب البالغ، ولهذا قال في الأساس: ومن المجاز راوده عنه نفسه خادعه عنها*
وقال الزمخشري هنا: أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، ولا شك أن هذا إنما يحصل من المنازعة في الرود، ولهذه النكتة جعل كناية عن التمحل لموافقته إياها، والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على الستر ما أمكن. وإيراد الموصول دون امرأة العزيز مع أنه أخصر وأظهر لتقرير المراودة فأن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فأن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة، وإضافة البيت إلى ضميرها لما أن العرب تضيف البيوت إلى النساء باعتبار أنهن القائمات بمصالحه أو الملازمات له، وخرج على ذلك قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) وكثر كلامهم صاحبة البيت. وربة البيت للمرأة، ومن ذلك* يا ربة البيت قومي غير صاغرة* (وَغَلَّقتِ الأَبْوَابَ) أي أبواب البيت، وتشديد الفعل للتكثير في المفعول إن قلنا: إن الأبواب كانت سبعة كما قيل، فأن لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلق مرة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع (الأبواب) حينئذ إما لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعدد إغلاقه بمنزلة تعدده، وزعم بعضهم أنه لم يغلق إلا بابان: باب الدار. وباب الحجرة التي هما فيها*
(وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ) أي أسرع فهي اسم فعل أمر مبني على الفتح كأين، وفسرها الكسائي. والفراء بتعال، وزعما أنها كلمة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلموا بها، وقال أبو زيد: هي عبرانية، وعن ابن عباس. والحسن هي سريانية، وقال السدى: هي قبطية*
وقرأ زيد بن على رضي الله تعالى عنهما. وابن أبى إسحاق كذلك إلا أنهما سهلا الهمزة، وذكر النحاس أنه قرئ بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وكسر التاء، وقرئ أيضاً هيا بكسر الهاء. وفتحها وتشديد الياء، وهي على ما قال ابن هشام: لغة في (هيت)، وقال بعضهم: إن القرا آت كلها لغات وهي فيها اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميراً، وقال آخر: إنها لغات والكلمة عليها اسم فعل إلا على قراءة ضم التاء مع الهمزة وتركه فأن الكلمة عليها تحتمل أن تكون فعلاً رافعاً لضمير المتكلم من هاء الرجل يهيئ كجاء يجئ إذا حسنت هيئته. أو بمعنى تهيأت، يقال: هئت وتهيأت بمعنى، وإذا كانت فعلاً تعلقت اللام بها، ونقل عن ابن عباس أيضاً أنه قرأ هييت مثل حببت وهي في ذلك فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء كأن أحد هيأها له عليه السلام (قَالَ مَعَاذَ اللهِ) نصب على المصدر يقال: عذت عوذاً. وعياذاً. وعياذة. ومعاذاً أي أعوذ بالله عز وجل معاذاً مما تريدين مني، وهذا اجتناب منه عليه السلام على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله جل وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء، وقوله تعالى: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْواىَ) تعليل ببعض الأسباب الخارجية مما عسى يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي التي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن، وفي تصدير الجملة به من الإيذان بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره في الذهن أي أن الشأن الخطير هذا أي هو ربي أي سيدي العزيز أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي على أكمل وجه فكيف يمكن أن أسئ إليه بالخيانة في حرمه؟! وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد. والسدى. وابن أبي إسحاق، وتعقب بأن فيه إطلاق الرب على غيره تعالى فأن أريد به الرب بمعنى الخالق فهو باطل لأنه لا يمكن أن يطلق نبي كريم على مخلوق ذلك، وإذا أريد به السيد فهو عليه السلام في الحقيقة مملوك له، ومن هنا ـ وإن كان فيما ذكر نظر ظاهر ـ اختار في البحر أن الضمير لله تعالى، و(رَبِّى) خبر إن، و (أَحْسنَ مَثْواىَ) خبر ثان، أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير أي أنه تعالى خالقي أحسن مثواى بعطف قلب من أمرك بإكرامي علي فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟! وفيه تحذير لها عن عقاب الله تعالى، وجوز على تقدير أن يكون الرب بمعنى الخالق كون الضمير للشأن أيضاً، وأيآ مّا كان ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً، وقوله تعالى: (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ23) تعليل غب تعليل للامتناع المذكور، والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي. وأخروي، فالأول الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء. والغنى. والعز، والثاني أربعة أشياء: بقاء بلا فناء. وغنى بلا فقر. وعز بلا ذل. وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعنى أفلح دخل في الفلاح كأصبح وأخواته، ولعل المراد به هنا الفلاح الأخروي، وبالظالمين كل من ظلم كائناً من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله دخولاً أولياً، وقيل: الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزنى بأهله، وقيل: الخائنون لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضاً ولمن خانوه (وَلَقدْ هَمَّتْ بِهِ) أي بمخالطته إذ الهم ـ سواء استعمل بمعنى القصد والإرادة مطلقاً أم بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت كما هو المراد ههنا. لا يتعلق بالأعيان*
والمعنى أنها قصد المخالطة وعزمت عليها عزماً جازماً لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت مما قص الله تعالى، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما اضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب، والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر (وَهَمَّ بَها) أي مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية كميل الصائم في اليوم الحار إلى اليوم البارد، ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه عليه السلام قصدها قصداً اختيارياً لأن ذلك أمر مذموم تنادي الآيات على عدم اتصافه عليه السلام به، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل*
(لَوْلاَ أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ) أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين، وقيل: المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق وتذكر الأحوال الرادعة عن الأقدام على المنكر، وقيل: رؤية (وَلاَ تَقربُوا الِّزنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) مكتوباً في السقف، وجواب (لَوْلاَ) محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته البرهان لجرى على موجب ميله الجبلى لكنه حيث كان مشاهداً له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، هذا ما ذهب إليه بعض المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلا أنه هم غير مذموم*
وفي البحر أنه لم يقع منه عليه السلام هم بها ألبتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: قارفت الذنب لولا أن عصمك الله تعالى ولا نقول: إن جواب (لَوْلاَ) متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى الجواز الكوفيون*
وقد استدل من ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب فقد قال سبحانه: (إِن كَادتْ لَتُبْدِى بِهِ لَولاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) فقوله سبحانه: (إِن كَادَتْ) الخ إما أن يكون هو الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يكون دليل الجواب على ما قررناه*
(كَذَلِكَ لِنصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) قيل: خيانة السيد (وَالفَحْشَاءَ) الزنا لأنه مفرط القبح، وقيل: (السُّوءَ) مقدمات الفحشاء من القبلة والنظر بشهوة. وقيل: هو الأمر السيء مطلقاً فيدخل فيه الخيانة المذكورة وغيرها، والكاف على ما قيل: في محل نصب، والإشارة إلى التثبيت اللازم للإراءة المدلول عليها بقوله سبحانه: (لَوْلاَ أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ) أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه (لِنَصْرِفَ) الخ، وقال ابن عطية: إن الكاف متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا وأقدارنا (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ)، وقدر أبو البقاء نراعيه كذلك، والحوفي أريناه البراهين كذلك، وجوز الجميع كونه في موضع رفع فقيل: أي الأمر أو عصمته مثل ذلك لكن قال الحوفي: إن النصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها، واختار في البحر كون الإشارة إلى الرؤية المفهومة من رأي أو الرأي المفهوم، وقد جاء مصدر الرأي كالرؤية كما في قوله:
ورأى عيني الفتى أباكا يعطى الجزيل فعليك ذاكا
والكاف في موضع نصب بما دل عليه قول سبحانه: (لَوْلاَ أَن رَّءَا) الخ، وهو أيضاً متعلق (لِنَصْرِفَ) أي مثل الرؤية أو الرأي يرى براهيننا (لِنَصْرِفَ) الخ، وقيل(1) غير ذلك، ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل: إن الجار والمجرور متعلق بهم، وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه الخ.
الهامش
ـــــــ
(1) ومما قيل: إن الكاف في موضع نصب، والإشارة إلى الإراءة المدلول عليها بما تقدم أي مثل ذلك التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قبل اهمنه.
-------------------------------------
المصدر : روح المعاني / ج11-12

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com