تربية و أخلاق

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
شاكر عبدالجبار
الابتلاء البشري العام
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

ـ أصل نشأة الآدميين:
إن تحديد أصل الآدميين وبداية نشأتهم أمر ضروري جداً، لأنه يستبعد المصادفة والفعل التلقائي وتدرج الطبيعة وبدل هذا يؤكد أن حياة الناس قد وجدت بكل الملامح والتفاصيل استهدافاً لمقاصد وتحقيقاً لمرامٍ .. !
فالذين قالوا بالمصادفة أو الفعل التلقائي أو تدرج الطبيعة لا يرون لهذا العالم مقاصد عليا ويتجاهلون ما يتحقق من مراميه العظمى لأن تصور أصل النشأة الخاطئ قد ملأهم بالانطباعات الفاسدة فتوهموا أن كل شيء عبث أو أنه يصب في تياره المزعوم .. !
أما كلام الله الحكيم الخبير فإنه اعتنى بتوضيح أصل الإنسان وكيف أنشئ أول مرة بتعابير تنسجم مع هذا الكون العظيم وتتعاضد مع أجل أهداف الوجود، يقول تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم … الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين .. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين .. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) السجدة/ 6 ـ 9.
وقبل أن نعرف ما وراء هذه الكلمات المقدسة نود أن نشير إلى أن القول بالعبث في واقع ابتلائي أمر سهل لا يحتاج إلى كثير أدلة في أوساط أهل الغفلة والضلال، أما القول في واقع كهذا بأن هذه الدنيا قد وجدت تحصيلاً لحكم كبرى وأنها ماضية إلى بلوغ أسمى الأهداف فهو يحتاج إلى براعة ذات أفق شمولي ونظر تفصيلي وتصور مطلق يتلقط أدق الجزئيات الكونية ويصوغها في حكم متشابكة رغم تناثرها على امتداد الزمان منذ القدم وانتشارها في أصقاع الكون وزواياه فوق السطوح وفي قعر الأعماق المتوارية عن الأنظار .. !
تقول الآيات التي نحن بصددها:
((ذلك)) أي الله جل وعلا ((عالم الغيب والشهادة)) تعبير عن العلم المطلق الذي لا يفلت منه شيء مهما استدق وابتعد.
فالله تعالى يمتلك العلم الكلي الشامل الدقيق لعالمي الغيب والشهادة .. ((العزيز)) من امتلك العلم المطلق على صعيد الكون الهائل العظيم كله هو صاحب أي عز وأي تمكن وأي فعل .. ؟ إنه قدير لا يمتنع عليه فعل شيء بأحكم وأروع وأكمل ما يكون .. !
((الرحيم)) صفة تذكر بين يدي الإشارة إلى خلق بني الإنسان، لا شك أنه تعالى مصدر كل التراحم ومستلزماته في الوجود ..
((الذي أحسن كل شيء خلقه)) مظاهر الكون كلها شاهدة بعمق على مبلغ الفعل الإلهي المتقن المعجز لسواه وهي تمثل أمام حواس البشر ومداركهم متوشحة بالجمال والبهاء والروعة والجلال تحث المتفكر بصفاء على أن يسبح اسم الخالق ويحمده مردداً من أعماقه: ((ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك)) .. !
((وبدأ خلق الإنسان من طين)) كلمات بمنتهى الوضوح، أي أن هذا المخلوق في بدايته لم يكن شيئاً أدنى ثم تطور حتى صار انساناً، فنفهم أن البشرية كانت عدماً قبل أن يخلق الله تعالى آدم (ع) من طينة الأرض .. !
((ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)) لماذا خلق آدم (ع) من تراب ثم أخذت ذريته تتكاثر بالتناسل وليس أن يتوالى خلقها مثل الإنسان الأول أي من التراب أيضاً .. ؟
هنا يتراءى الفعل الإلهي الهادف بكل عظمته فلو أن النسق الترابي اضطرد بصورته الأولى لكان قريباً من العمل الآلي، أما وقد راح يتواصل خلق الآدميين بطريقة أخرى عبر التناسل مع احتفاظهم بكل خصائص أبيهم الأعلى الترابية فهو التصرف الفعلي القاصد الممتلك لشتى صنوف القوة العليا والمعبر عن حكمته بصور كل منها يبهر العقول ويهز الأعماق .. !
أضأل نطفة من ماء مهين هو هذا الإنسان الذي يجحد كل النعم ويكفر ويطغى ويحسب أن أحداً لن يقدر عليه ويزور الحقائق كما يشتهي ويستهتر بالقيم وقويه يأكل الضعيف ويرى الحق أسطع من الشمس في وضح النهار ثم يدعي أنه (الباطل) وأن ما معه من سوء هو (الحق الأوحد المبين) .. ((خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين)).
((ثم سواه ونفخ فيه من روحه)) إن تسوية الخالق للإنسان لها ملامح بادية تعبر عن الإبداع والقصد والجمال، لو أنها لم تكن فأي بشاعة كانت ستلمس في كيان هلامي إن وجد .. ؟ وأي اختلال كان سيظهر في مخلوق لا يتناسب تكوينه مع الأرض بتفاصيل محتوياتها الحالية .. ؟ وأي قبح كان سيلوح في غياب الإبداع وانتفاء القصد .. ؟
إن تسوية الخالق للإنسان تعبر عن فعلها بشكل كافٍ، ومعها روح من عنده عزوجل بفضلها صار هذا المخلوق الترابي أو المخلوق اللحمي ذا حواس ومدارك وعمليات بمنتهى الدقة والضبط وأقصى الحكمة والقصد وأبلغ الروعة والجمال، إن تماثيل كثيرة يصنعها الناس تظل جامدة نظراً لعجزهم الكلي عن إمدادها بالروح رغم حرص ناحتيها على أن يروها تجيش بالحياة، فلم لا تدب فيها أعجوبة الروح فتصير انساناً يتكاثر عن هذا الطريق بشكل عجيب .. ؟! إنه الفارق بين القادر على الخلق سبحانه والمخلوق العاجز المتضائل القوة أمام الفعل الكوني لفاطر السماوات والأرض .. !
((وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)) السمع هذا الجهاز الدقيق التكوين العظيم الأهمية يتعذر حصوله بغير خالق مريد، وكذلك الحواس الأخرى والمدارك لا يمكن لأي منها أن يوجد تلقائياً ويؤدي وظائف عجيبة تتلاءم كلياً مع طبيعة وأهداف الوضع الابتلائي للإنسان.
((قليلاً ما تشكرون)) والذي أبدع هذا الخلق الإنساني وأحاط بجميع أسراره وتحكم بمرامي حياته كلها هو جل شأنه عليم خبير بالانسان إذ وصف بالقلة شكر هذا المخلوق لمن أبدعه وأفاض عليه نعماً لا تعد ولا تقابل بثمن حقيقي.
ذلك ما نفهمه من كلام الله تعالى الجدير بأن يؤخذ مسلمات لا تقبل النقاش، لأننا قد آمنا بأنه صادر من الخالق الأوحد للكون كله الحكيم الخبير الفعال لما يريد، أما النظريات المخالفة لهذا الكلام العلوي إن وجدت فهي لا تستحق النظر لأنها صادرة من بشر يعوزه الأفق الكلي والعلم المطلق والاستيعاب التفصيلي لكل أشياء الوجود .. !
ـ الوجود الإنساني ابتلاء:
هناك خالق حكيم .. !
وقد أبدع هذا العالم عن قصد فما الذي أراده بإيجاد الآدميين .. ؟
يقول تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً .. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) الإنسان/ 2 و 3 .. إذا سئلت: هل أنت باني الدار .. ؟ فأيهما أبلغ في الإجابة .. ؟ أن تقول: نعم .. ! أم أن تقول: لا أحد غيري بدليل أني أتفرد بمعرفة أخفى أسرارها .. ؟
لا شك أن الجواب الثاني هو الأوفى والأبلغ لا سيما حين يثبت للسائل ويتأكد له أن أحداً غيرك لا يعرف تلك الأسرار الخفية ولا يمتلك القدرة على الإخبار عن تفاصيل البناء ومستلزماته وإعطاء أدق التصورات عن حالاته .. !
ففي الآيتين عندما أخبر جل وعلا بأنه خلق الإنسان قال: ((من نطفة أمشاج)) أي من سائل مختلط ناشئ عن امتزاج، طوال القرون الماضية فهم أغلب أهل التفسير أن العبارة تعني اتحاد ماء الرجل بماء المرأة.
وقال تعالى: ((نبتليه)) فلما أثبت أنه الخالق الأوحد لهذا الإنسان أوضح أنه جل وعلا المالك وحده تبعاً لذلك لأهداف الوجود الإنساني المتحكم فيها، إنه ابتلاء بمهام الاستخلاف في الأرض الموضحة بالمنهج الإلهي القويم الذي تتابع الرسل في تبليغه للناس منذ آدم الرسول (ع) .. !
ثم قال: ((فجعلناه سميعاً بصيراً)) والسمع والبصر هما أهم أدوات النهوض بمهام الاستخلاف لأنهما أضخم عمودين للوعي والاستيعاب والتنفيذ، أي أنه مزود بأنسب ما يحتاجه من أدوات القيام بالتكاليف حتى يمكنه أن يطيع ربه بالمقدار المطلوب منه، فيفهم من هذا أنه جل شأنه قد ابتلى الإنسان بشيء وأعطاه لوازم خوض هذا الامتحان .. !
وقال تعالى: ((إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)) وهو إفاضة في الإيضاح بأن هذا المخلوق المبتلى سيطلع على معالم الهداية والضلال ويختار عن قناعة بعدئذ تبعة أي منهما وهو إما شاكر يستحق أن ينال جزاء على ما قدمت يداه في الدنيا من تكاليف الطاعة للرب سبحانه أداءً لتفاصيل منهجه القويم، وإما كافر يستحق أيضاً أن يعاقب على ما اكتسبت يداه في الدنيا من تفريط بتكاليف منهج الله، أي أن الشاكر لم يستحق جزاءه عبثاً وبدون قصد ومن غير تحمل، والكافر كذلك يعتبر مختاراً لتبعة ما ارتكب من سوء غير مبالٍ بالعقاب متحملاً كامل الوزر لأن الإيجاد الدنيوي ليس مزاحاً ولا مسرح عبث بلا مؤاخذة .. !
ـ عهد أعطي للرب:
بداية كل انسان أبعد من مغادرة الرحم انحداراً إلى ظهر الأرض، وهي أبعد أيضاً من فترة الحمل، إن البداية تتمثل عندما كان البشر خلايا في ظهر أبيهم الأول (ع) إذ يقول تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين .. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟) الأعراف/ 172 و 173.
هناك نظرتان لمعنى الآيتين:
الأولى: أن الله تعالى استخرج البشر وهم خلايا في ظهر آدم فأخذ منهم الميثاق على أن لا يجحدوا ربوبيته.
الثانية: أن الله تعالى يستخرج البشر وهم خلايا في ظهور آبائهم فيأخذ منهم ذلك الميثاق.
والذي يعزز النظرة الأولى أن ((أخذ)) تعني أن الأخذ شمل من يولد فيما بعد إلى يوم القيامة، خصوصاً أن العلم الحديث قد أثبت أن خلايا الوراثة تكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الظهور.
أما الثانية فهي تذهب إلى أن استخراج الذرية يتم من ظهور الآباء ثم يؤخذ الميثاق منها، لأن النص لم يقل من آدم وقال: ((من بني آدم)) ولم يقل من ظهره وقال: ((من ظهورهم)) .. !
والمهم أن أي إنسان لا يولد إلا بعد إعطاء ذلك الميثاق .. !
وهنا يثور تساؤل:
كيف يؤخذ الميثاق من امرئ لم تكتمل خلقته .. ؟
إنه ميثاق أخذ في حالة الإدراك والوعي والتبصر، فمن يطرح عليه هذا السؤال ((ألست بربكم؟)) ويجيب عليه بالقول: ((بلى شهدنا)) لابد أنه غير ناقص الأهلية ممتلك للتمييز بين الحق والباطل، إضافة إلى أن هذا المخلوق آنذاك حديث عهد بالخلق ممتلئ بفعل الخالق الذي أوجده من العدم ولا تأثير عليه من ضلالات الدنيا لأنه لم ينغمس فيها بعد .. !
أخذ الميثاق، فهل يعني هذا أنه سيجري الالتزام به حتماً .. ؟ لا، بل يفهم أن المرء سيدفع بعدئذ إلى ساحة الابتلاء للتعرف منه على البرهان العملي لتلك الشهادة التي أعطاها وهو لما يزل خلية في ظهر الأب الأعلى بدليل هذه الكلمات: ((أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين .. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)) فهي تصور أنه مقبل على دار هي الدنيا تحتمل أن يتغافل المرء فيها عن العهد ويفرط فيه .. !
ومن ذلك كله نفهم أننا نطل على الدنيا ونحن نحمل هاتفاً في أعماقنا بأن هناك رباً قد أوجدنا وأعطيناه عهداً بأن لا نشرك في ألوهيته أحداً وهو تولى إرسالنا إلى هذا العالم ليرى كيف نعمل ثم يعقب ذلك أن نفوز بجزائه الكريم أو أن نبوء بعقابه الرهيب .. !
ـ الاستخلاف في الأرض:
لماذا يجيء الإنسان إلى الأرض ليعيش فيها فترة ثم يرحل .. ؟
يقول الخالق: (وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها مَن يفسد فيه ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون) البقرة/ 30 .. بشر يستخلف في الأرض عبر معاناة الوضع الابتلائي، فالمفهوم من قول الملائكة للرب تعالى: ((أتجعل فيها … )) يعني أن هذا الكوكب مهيأ بطبيعته وتفاصيل جميع ما احتواه ليكون دار ابتلاء يمتحن فيها جوهر المخلوق الذي يعيش فوقه سيداً .. !
أما قولهم: ((مَن يفسد فيها ويسفك الدماء)) فهو ما فهموه عن آفاق الابتلاء المنتظر من خلال معرفتهم بطبيعة الأرض واعتماداً على إيحاءات ((خليفة)) وهي الكلمة التي أعلمهم الله تعالى بها عن مقصده فيما اعتزم فعله في الأرض .. وبما أنهم كانوا مستفظعين الإفساد وسفك الدماء على أنه من أضخم السوء المرتقب في العالم الإنساني لذا فإنهم رأوا بأن عالمهم الهائل الدائب على التسبيح بحمد الرب جل وعلا وتقديس ذكره عما لا يليق به فضلاً عن فطرتهم على طاعته واجتناب كل ما لا يرضاه، هذا العالم بما فيه من أسمى أفعال العبودية والتعامل مع الألوهية بما يناسب مقامها من إخلاص وتعظيم يدلل على أشرف المقاصد بما لا يستدعي إيجاد عالم يعيش فيه مخلوق يبدر منه أقصى السوء نحو خالقه وذلك بالإفساد في الأرض وسفك الدماء وجحود فضل المنعم جل شأنه .. !
إن قولهم ليس اعتراضاً، بل يعبر عن إجلال كبير لرب العزة، وهذا جد حسن منهم، أما أفعال الحكيم الخبير فلها مقاصد مداها الأفق الألوهي المطلق والاختصاص المتفرد بإبداع وتحصيل ما يشاء الفعال لما يريد ((قال إني أعلم ما لا تعلمون)) .. !
وصحيح أن الابتلاء الدنيوي معاناة ولكن هذا وضع وجد الإنسان ليعبد الرب جل وعلا من خلاله، فهو مخلوق أصلاً لشأن عبادي، يقول تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون .. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) الذاريات/ 56 ـ 58 .. فأما أن يعبد فيكون جديراً بالتفضيل على كثير من الخلق وينال كرامة جزاء في نعيم الجنة تتضاءل أمامها كل معاناة الابتلاء على ضخامة ما تبلغ، وإما أن لا يعبد فيكون مستحقاً لعذاب هائل ومكانة أرفع منها مقام الحيوان: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) الأعراف/ 179.
ـ أيكم أحسن عملاً:
ابتلاء بكل تفاصيله وكل ما تهيأ له من لوازم واستعدادات يهدف إلى إظهار أي البشر أحسن عملاً، يقول تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) الكهف/ 7 .. عالمنا مصمم بجميع محتوياته ليكون مستجلياً لقيمة كل امرئ من خلال عمله الدنيوي .. !
فحوادث الابتلاء ومساراته بما في ذلك انضباط توقيتها ودقة مقدارها ترمي المكشف عما يكمن في الانسان المبتلى من رد فعل يصدر عنه نحو البلاء النازل خيراً كان أو شراً .. !
وليس كالابتلاء من محك تستظهر به خبايا القلوب لا فرق في ذلك بين بأساء تعصر الانسان ونعماء تبهجه سوى أن لكل منهما ساعة هي أنسب موعد لمعرفة تأثير النفع لديه واستبيان صد الضر .. !
وتحصيل الهدف السماوي ماضٍ في إطاره المرسوم سواء أحس المرء بما وجد من أجله في الدنيا وراح يتصرف بمستوى الامتحان ويعبر عن معدنه الكريم أو تغافل عن وجوده الامتحاني واستهتر بالوقت ولم يبال بأوخم العواقب .. !
ـ موضوع الشيطان:
وياله من علم إلهي يحيط بكل المفاجآت اللاحقة ويستغرق السرائر .. ! أنظر، شاء الله أن يخلق الإنسان ويستخلفه في الأرض ويبتليه وعندئذ كان إبليس محل تقدير في الملأ الأعلى، وأخبر الرب عزوجل ملائكته الكرام بقراره إيجاد الآدميين وإحلالهم في كوكب الابتلاء.
وهنا كيف راح إبليس يتصرف .. ؟ استمهل إبليس ربه بعض الوقت، لماذا .. ؟ ليغوي الآدميين محاولاً التدليل عن هذا الطريق على أنهم لا يستحقون التكريم الإلهي .. ! (قال: أنظرني إلى يوم يبعثون .. قال: إنك من المنظرين .. قال: فبما أغويتني لأقدعن لهم صراطك المستقيم .. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين .. قال: اخرج منها مذموماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) الأعراف/ 14 ـ 18.
أي أنه أمعن في الاستزادة من الشر ووظف نفسه في أمر الابتلاء الدنيوي فصار بذلك أحد أعمدة هذا الامتحان، ولكنه بعد أن يكمل المهمة لا ينتظر (ثواباً على أتعابه) وإنما يتلقى أضخم العقاب هو وكل من تابعه مرتضياً الجري وراء أضاليله، فيا للتصرف الأهوج .. !
ـ رسالات الله:
ولو لم تكن هناك رسالات إلهية لدلل هذا على ترك الإنسان يفعل ما يحلو له كما لو كان مخلوقاً من تلقاء نفسه، ولكن لا يعقل أن موجداً يهيئ الحياة بكل شروطها الابتلائية ويبدع من بعد الانسان المستعد لمتطلباتها ثم يدع كل شيء بلا تحصيل مقاصد عيا، فكيف بالأمر عندما يؤكد الله تعالى أنه استخلف الناس في الأرض وبعث إليهم الرسل حاملين منهجه القويم لينظر كيف يعملون ثم هو يتولى مجازاة المحسن منهم والمسيء فيما بعد .. !؟
يقول تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) البقرة/ 213، (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل/ 36، (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً) النساء/ 165.
أي لابد من الاستمساك بالمنهج الإلهي المقرر لأن عدمه يعني الرضا باستحقاق أشد العقاب وتحمل أسوأ العذاب، أما الاستمساك به فيعني تجرع معاناة التكاليف، ولكن ثقلها ليس هو كل شيء لأن وراء ذلك حسنى الدارين وخصوصاً الفوز بالنعيم الأبدي .. !
ومكانة كل فائز في نعم المصير إنما تتحدد هنا في دنياه بمقدار ما يعمل في إطار المنهج الإلهي بدقة وإخلاص وتفانٍ واستكثار .. وباستطلاع سير صفوة الخلق وهم الرسل الكرام نجد أنهم عانوا أشد مرارات العمل نهوضاً بأعبائهم الضخمة وخصوصاً أولي العزم الذين جاءتهم الصفة من كونهم قد تحملوا الآلام والعذاب من أجل تبليغ رسالات الله تعالى وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام .. !
ـ ابتلاء متزن ومفهوم المرامي:
ابتلي الإنسان بهذا العالم، فهل أنه قد زج في ميدان بل استعداد مناسب ومن غير إمكانات تؤهله لتحقيق نجاح المسعى .. ؟ إنه قد أتيح له كل شيء يعينه على الظفر بمرضاة المبتلي عزوجل إلى جانب تهيئة كل لوازم الابتلاء، فبإمكانه أن يخوض هذه الغمار مفعماً بالرضى ممتلئاً باليقين ملازماً الصبر حتى يكتب له التوفيق التام، وبإمكانه أيضاً أن يخوضها وهو كاره لا يقين له ولا صبر فيظل يتخبط حتى يستحق أسوأ المصير .. !
ثم إن مقادير الابتلاء تنقبض وتنبسط وتسري في إطار توازن شمولي محفوف بالحكمة والأهداف العليا مع مراعاة احتمال المبتلى، بما ينفي الخبط العشوائي ويستبعد كلياً السريان الطائش، إنه أمر معاش في وجدان كل فرد وملحوظ كذلك على الصعيد العام بكل رصانته حتى صار مألوفاً .. !
ولنتساءل:
هل أن الابتلاء يحل وينتشر كما تشتعل النيران في غابة وتلتهم الأخضر واليابس أم هناك إله واحد يتراءى فعله وهو يتحكم بكل شيء ويدبر من أفق ربوبي .. ؟ ثم هل أن أفعال الابتلاء لا تتناسب مع مدارك الانسان بحيث ينغلق عليه فهمها أم أنها تأتي متوافقة تماماً مع وعد الله المسبق المنصوص عليه في المنهج الإلهي .. ؟
الجواب:
أعتقد أن المحق والمبطل الصالح والشرير المحسن والمسيء يواجه كل منهما مقادير تحل وكأنها معه على موعد وهي أنسب شيء لاستجلاء أعماق بواطنه ومن ثم تقرير ما يستحقه في الجزاء الإلهي .. أما مسألة انغلاق فهمها فهي لا وجود لها، كيف .. ؟ الله تعالى وعد ـ مثلاً ـ المؤمن الحق بزيادة الهدى فهل أنه يلمس في ظل صدق إيمانه التقهقر إلى الضلال .. ؟ كلا .. ! ووعده بالعيش الطيب فهل أنه يضيق ذرعاً بحياته فينتحر ـ مثلاً ـ .. ؟ كلا .. ! وتوعد الله تعالى المعرض عن ذكره بضنك العيش، فهل أنه لا يعاني انزعاجاً من الماضي وتجهماً للحاضر وقلقاً نحو الآتي وخوفاً من عالم ما بعد الموت .. ؟ كلا .. ! وتوعده بتزيين سوء عمله، فهل أن ضالاً قال للناس إني غارق في الضلالة أم هو (يتفنن) بتبرير كل مساوئ الضلال حتى يكاد يعلن بأنه (أهدى الناس).
وبما أن انضباط الأفعال الكونية ملحوظ بشكل واضح وعميق ومفهوم المرامي والمقاصد كذلك ما يجري للناس فرادى وجماعات في الإطار الابتلائي بكل ما يتضمنه من أفعال وحالات ومقادير لا سيما عند الرجوع إلى نصوص المنهج الإلهي بهذا الشأن .. !
ـ الجزاء:
جاء الإنسان إلى الدنيا وخاض غمار الامتحان كل فإما أن يغادرها وهو محسن فائز وإما أن يغادرها وهو مجرم خسران، إنه امتحان حتمي مفروض على الجميع وإن المتحكم فيه هو الخالق المنعم المدبر، ولكن هل يعني هذا أن ثمة جزاء للسعيد والشقي أم أن الإله المهيمن قد كتب على عباده احتمال البلاء وليس لأحد أن ينتظر منه ثواب حسن أو عقاب سيئة .. ؟
دنيانا تكون عبثاً لو لم يكن هناك جزاء يتلقى فيه كل امرئ تبعات سعيه، وما دامت هي قائمة في كل تفاصيلها على الجد والحق وتتسم بالصرامة والانضباط وتزدان بالجمال والدقة فلا يعقل أن توجد عبثاً وتمضي مسيرتها بدون أهداف وتنتهي أخيراً إلى أن يجتمع كل من الصالح البار مع الفاسق الخبيث في مصير لا يفرق بين هذا وذاك .. !
ثم إن عدم نوال الجزاء المناسب فيما بعد فضلاً عن أنه ينفي الحكمة من وجود الدنيا هو ظلم عندما يثقل المؤمن كاهله بالأعباء الضخمة ويتخفف الكافر من كل التزام نحو ربه ثم ينتقلان إلى العالم الآخر وقد تساوى الإثنان في المصير الأبدي .. !
وبما أ هذا الكون كما تدلل جميع شواهده خاضع لتدبير إله هو الحق والعدل تقدست أسماؤه وتباركت صفاته فهو لن يسمح لأي مقدار من الظلم إن صدر من مكلف أن يمر بلا مؤاخذة، ولذا فالمحسن مجزي بما يكافئ حسن صنيعه والمجرم مجزي بما يقابل سوء فعله من انتقام .. !
متى .. ؟ وهل ثمة تعهد .. ؟
يقول تعالى: ((هنالك تبلو كل فنس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون) يونس/ 30 .. يوم القيامة يتجلى لكل نفس وزن عملها الدنيوي، وحينذاك تشعر أنها ماثلة بين يدي الرب الذي أوجدها من العدم وتولاها طوال دنياها بمختلف النعم وترى أنها لم تذهب ضياعاً بعد الموت كما زعم المفترون وإنما هو جل وعلا قد تولى بقدرته إرجاع الإنسان في نشأة أخرى لينال جزاء سعيه .. !
وعندئذ يحاول المجرمون التنصل من افتراءاتهم الباطلة وهم يرون موعد الاقتصاص الرهيب يعقبه العذاب الأليم المتواصل، ولكن هيهات إذ أن الله تعالى لا يقبض نفساً قبل أن يقيم عليها كامل حجته، فإلى أين المفر .. ؟
* المصدر : حقيقة الابتلاء الدنيوي

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com