|
من خلال إمعاننا النظر فيما روته النصوص المباركة المطهرة من أحداث تروي مشاهدات الرسول الأعظم يقول تعالى: (وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم/ 7 ـ 18.
ـ قصة المعراج.. في كتب السنة والسيرة:
لَم يخلُ كتاب واحد من كتب السنة الصحيحة من ذكر قصة الإسراء والمعراج مع اتفاقها على أحداثها ووقائعها في جملتها لا في تفصيلها وذلك يعود إلى الرواة وسماعهم! ومن أشهر كتب السيرة التي أوردت قصة المعراج كتاب (السيرة) لابن هشام، إذ أورد ابن إسحاق أحداث المعراج عن أبي سعيد الخدري (رض):
سمعت رسول الله (ص) يقول: لما فرغت مما كان في بيت المقدس أوتي بالمعراج ولم أر شيئاً قط أحسن منه وهو الذي يمد ميتكم عينيه إذ حضر فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه ملك من الملائكة يقال له: إسماعيل، تحت يديه إثنا عشر ألف ملك تحت يدي كل ملك منهم إثنا عشر ألف ملك، قال:
ـ يقول رسول الله (ص): حيث حدث بهذا الحديث (وما يعلم جنود ربك إلا هو) فلما دخل بي قال: مَن هذا يا جبريل ... قال: هذا محمد، قال: أو قد بعث، قال: نعم. قال: فدعا لي بخير.. ولما دخلت السماء الدنيا رأيت رجلاً جالساً تعرض عليه أرواح بني آدم فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيراً وبشر به ويقول روح طيبة خرجت من جسد طيب. ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أف ويعبس بوجهه ويقول روح خبيثة. خرجت من جسد خبيث.
قال: قلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته فإذا مرت به روح المؤمن منهم سرّ بها وقال: روح طيبة خرجت من جسد طيب وإذا مرت به روح الكافر منهم أفف منها وكرهها وساءه ذلك وقال روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: ثم رأيت رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل في أيديهم قطع من نار كالأفهار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلماً. قال: ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار ببطونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك. قال: قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا.
قال: ثم رأيت رجالاً بين أيديهم لحم طيب إلى جنب لحم غث منتن يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قال: قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن، قال: ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال ما ليس من أولادهم...
ويستمر الوصف النبوي دقيقاً صادقاً لما شاهد في السموات العليا إلى أن بلغ سدرة المنتهى حيث رأى من آيات ربه الكبرى. وهنا فرضت الصلاة على أمته.
إذا أمعنا النظر فيما ورد في هذا الأثر من معان سامية وحكم تربوية عالية ومثل أخلاقية نبيلة نجده يشمل:
أ) عقيدة وحدانية:
ويظهر لك فيما تبثه في النفس من اطمئنان يعطي للحياة الانسانية معنى قدسياً كما يمدها بقوة عقائدية وتمهد الدروب بتذليل صعابها وإزالة عقباتها. إن إيمان الإنسان بوجد خالق له يفرض عليه الإيمان بوجوده هو نفسه وإن هذا الوجود كان الهدف والغاية تنحصران في بناء الإنسان لحضارة أساسها التربية الربانية العالية والأخلاق الإسلامية النبيلة.
ب) قيم تربوية:
إن أحداث قصة المعراج هي في الواقع رمز لتربية إسلامية شاملة. تربية تتناول الجسد كما تشمل الروح والوجدان تربية تقوم على الطهر والعفاف والسلامة المادية فكل مسلم هو ذو روح طيبة ذات غلاف طيب. فهذا أبو البشرية تعرض عليه أرواح ذريته فيسر بطيبها ويسوؤه خبيثها.. في ذلك السرور الذي يبديه الوالد وذلك النفور الذي يظهره الأب دعوة إلى أن نربي أنفسنا على الطيبة وإذا تحقق لها ذلك فإن أجسادها سوف تكون طيبة وسليمة تبعاً لطيبة أعمالها وسلامة مقاصدها من وراء تلك الأعمال.
ج) مثل أخلاقية سامية:
وقصة المعراج هي رمز للمثل الأخلاقية السامية ويظهر في تلك الصور المفرغة التي رسمت لمن انحطت أخلاقهم وقبحت أعمالهم. فهؤلاء الآكلون لأموال اليتامى خاصة وأموال النسا عامة بطرق غير شرعية سوف يبعثون على صور قبيحة غذاؤهم السعير وفاكهتهم النار ومقامهم في الجحيم لا يموتون فيها ولا يحيون عذابهم دائم وألمهم مستمر وشقاؤهم سرمدي.
وهؤلاء أكلة الربا لا يستطيعون حراكاً لعظم ما أكلوا ولهول ما جمعوا بطرق تتنافى وأخلاق الاسلام وسلوك المسلمين ذلك بما جنت أيديهم عندما نامت ضمائرهم وانعدمت الرحمة من قلوبهم وهؤلاء الذين يتلذذون بالخبيث دون الطيب هم أولئك الذين تجاوزوا حدود الله المرسومة باستباحتهم الأعراض وانتهاكهم حرمات الأسر مستعملين في ذلك المال أو الجاه أو النفوذ.. أو أي طريقة أخرى. وهؤلاء المعلقات من أثدائهن هن أولئك النسوة اللاتي فقدن الإحساس بمعنى الكرامة الإنسانية وجهلن أن العفة تاج يجمل رأس العفيفة التي تفتخر بعفافها وتدافع عن كرامتها وتذود عن عرضها.. هي تلك الأم التي تعرف رسالتها التي كلفت بأدائها والتي هي بناء مجتمع مرتكز على الفضيلة مقام على الأخلاق العالية والمثل الاسلامية السامية مجتمع جاء رسوله ليتمم مكارم الأخلاق فيه ويدعم ركائز العدل الذي يقوم عليها بنيانه القوي وصرحه المتين.
*المصدر : العقد الحضاري في شريعة القران
|