الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الانتخابات في العراق وتداول مواقع النفوذ: رأي ومقترح

2017/03/04 | الکاتب : د. أحمد ابريهي علي


 الانتخابات والمدد الزمنية لإشغال المناصب من بين مسائل السياسة وإدارة الدولة التي تظهر في دائرة الاهتمام بين آونة وأخرى، دون أن تحظى بالعناية الكافية لعدم وضوح فاعليتها في تخفيف النزاعات وتحسين الأداء. أو لأنّ الشخصيات والقوى المؤثرة تخشى إضافة عناصر جديدة للنظام السياسي قد تؤدي إلى توزيع مختلف للنفوذ بهذا القدر أو ذاك، خاصة مع غلبة الانخراط السلبي والنفعي في السياسة والدولة من جهة المشاركين في الحكم والإدارة العليا. وفي نفس الوقت هناك جهات نشطة سياسياً وبأدوات أخرى تطمح إلى الإطاحة بالوضع القائم جذرياً، وهذه لا تريد الترويج لأطروحات التطوير بالوسائل السلمية أو غير الانقلابية. وعموماً خسرَ العراق الكثير من فرص الأمن والازدهار بسبب أولئك وهؤلاء، والآخرين الذين لا يُعرف عنهم سوى السخط وإشاعة الكراهيات واليأس دون استعداد للتعامل مع مقاربات عملياتية للخروج من المأزق.

 

مبادئ التمثيل والتداول:

 التمثيل السياسي للمواطنين وفئات المجتمع في الهيئات المنتخبة وإشغال المواقع القيادية في الحكومة وإدارة أجهزة الدولة، أو ما يمكن تسميته إجمالا مشكلة السلطة، هي المحور الأساسي للنزاع والرافد الرئيسي للعذاب وسفك الدماء في العراق. فعندما يراد تقييم نظام الانتخابات لتغييره أو النظام السياسي بأكمله لابدّ من النظر في مدى فاعلية البديل للتخفيف من تلك المشكلة في كبح أطماع الهيمنة والنفوذ. وتهذيب التنافس على الدور والمكانة لفسح المجال أكثر فأكثر لذوي الاهتمام والإحساس بالمسؤولية تجاه الشأن العام، من أجل الناس، والإسهام الجاد في عملية الارتقاء الحضاري الشامل للعراق. وذلك لتغيير الثقافة السائدة في النظر إلى الدولة من منطق الغلبة والغنيمة إلى أنّها مؤسسة يملكها المجتمع لتعمل بشروطه وبالإخلاص لمصالحه، وهو التوجه الذي طال انتظاره فمتى تتهيأ له أسباب الإمكانية يا ترى؟

 وفي خضم الوضع الراهن وفي الآمد المنظور يبقى السلم الأهلي هو الهدف الأوّل إلى جانب حماية حقّ الإنسان في الأمن والمساواة أمام القانون، وأداء الدولة لوظائفها الاعتيادية في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالحدّ الأدنى من الكفاءة. وعندما تُهمل مبادرات الإصلاح الإداري والاقتصادي أو تفشل، ويستمر الانقسام المجتمعي، أثنياً ودينياً، على محور السلطة، يصبح من الضروري، عملياً وأخلاقياً، فسح المجال وبالوسائل الديمقراطية لأحداث تعديل كبير في تشكيلة المجموعة الحاكمة وشاغلي المواقع القيادية في أجهزة الدولة والأحزاب.

 وللخروج من دوامة الصخب والاضطراب السياسي وضعف الدولة تتطلب العملية نقد القيم السياسية المضمرة خلف السلوك. وفي هذا السياق تُطالَب جميع القوى السياسية إعادة التأكيد بأنّ مواقع الدولة والمكانة الاجتماعية والرئاسة ليست حقوقاً للأشخاص والأحزاب على الناس أبداً. ولا يمكن أخلاقياً اكتساب مثل تلك الحقوق بالممارسة ودوام الاشتغال في المناصب العليا والمواقع القيادية. إنما المكانة والرئاسة والمناصب لها وظائف تؤديها بشروط معروفة يقتضيها الاجتماع الإنساني والصالح العام.

ولذلك آن الأوان لإدانة الترويج للحقّ الشخصي والحزبي في الشأن العام، بل هي أدوار يعينها النظام. ويمكن، ومن خلال تعديل ضوابط الانتخابات وإشغال المناصب، إدخال عنصر ديناميكي في السياسة العراقية عبر تداول مقاعد المجلس النيابي ومجالس المحافظات، وشمول التمثيل واقعياً للسكان والمناطق على النطاق الجغرافي الصغير. ولخدمة الهدفين: الشمول والتداول في البيئة السياسية الراهنة نؤيد:

 تصغير الوحدة الانتخابية وسن الترشيح وعدد المقاعد:

 والمقصود هنا بتصغير الوحدة الانتخابية أن تعرّف بمقعد واحد ويساعد هذا التحول على تعطيل الدافع الديني–الأثني في التنافس الانتخابي لأنّ التجانس، بهذا المعنى، متحقق على النطاق الجغرافي الصغير، فينصرف الناس إلى المفاضلة بين المرشحين على أُسس أُخرى. وتتقلص أو تنعدم فرص التزوير، وتنخفض تكاليف الانتخابات والتدقيق والدعاية وتصبح نتيجة الانتخابات معلومة في نفس اليوم، ودون الحاجة إلى برامجيات حاسوب قد يصعب التأكد من آليات عملها بوضوح للجميع. ومن مزايا هذا التحوّل تقوية الصلة بين المواطنين ومَن يمثلهم في مراكز المحافظات والعاصمة ويتعمق الإحساس بالمشاركة، لاسيما في الأحياء الفقيرة للمدن الكبيرة والأرياف، والتي بحكم النظام الانتخابي الجديد، ستكون لها وحدات انتخابية خاصّة بها. ومع هذا النظام يكون جميع أعضاء المجلس المنتخب قد وصلوا بالأصوات التي حصلوا عليها وليس بأصوات المشاهير من أعضاء كتلهم. وعلى النطاق الجغرافي الصغير يستطيع الناخبون التأكد من المرشحين والمفاضلة بينهم وعلى أساس المعرفة المباشرة.

 وفي هذا السياق من الأفضل رفع الحدّ الأدنى لسن الترشيح لمجالس المحافظات والمجلس النيابي إلى 40 سنة والحدّ الأعلى لسن الترشيح 60 سنة، ويؤدي هذا الحصر إلى تخفيف حدة التدافع ويساعد على التهدئة. وكذلك تُلغى الحصة المقررة للنساء ويترك الأمر للناخب وما يرى، لأنّ إضافة الحصة النسائية مع تصغير النطاق الجغرافي للوحدة الانتخابية لا ينسجمان على المستوى الإجرائي.

 بقيت مسالة مهمة وهي عدد أعضاء مجالس المحافظات ومجلس النواب، وهنا لا توجد قاعدة يمكن اشتقاقها من مبدأ نظري بل هو اجتهاد حول كفاية العدد لأداء المهام، التمثيل والتشريع والرقابة وسواها، ويكفي عدد أعضاء مجلس المحافظة بين سبعة وخمسة عشر لأصغر وأكبر محافظة وما بينهما. ولمجلس النواب يمكن الاقتصار على 120 أو نحو ذلك، وتكون تلك الأعداد ثابتة باستقلال عن نمو السكان في المستقبل.

 ويجري الترشيح للانتخابات بصفة أحزاب وأفراد مستقلين، ويكون الحزب في قائمة لوحده ولا يجوز اشتراك أكثر من حزب في قائمة انتخابية، ولا يسمح بإضافة أفراد مستقلين إلى قائمة الحزب. ولهذا التحديد آثار إيجابية إذ تضطر الكثير من الأحزاب المتقاربة في المبادئ والأهداف إلى الاندماج وهو مطلوب للانتقال من التشرذم إلى الانسجام في تيارات عريضة لتعزيز الاستقرار.

 وتتشكل الكتل بعد ظهور نتائج الانتخابات وإقرارها. ولا يجوز انتقال العضو المنتخب إلى حزب آخر أو انضمام الفرد المستقل إلى حزب منتخب بعد إجراء الانتخابات. وبهذا يبقى الأعضاء المنتخبون من الحزب في نفس الحزب وضمن الكتلة التي ينتمي إليها الحزب حتى نهاية الدورة الانتخابية. وعند فراغ مقعد في مجلس المحافظة أو المجلس النيابي، لأي سبب، يشغل المقعد من التالي له في عدد الأصوات تلقائياً وبدون إجراءات إضافية.

 تحديد مدد قصوى لعضوية المجالس المنتخبة وإشغال المواقع:

 أما هدف التداول فيتطلب اعتماد ضوابط تغاير المألوف ومنها المدة القصوى لعضوية أي عراقي في المجالس المنتخبة بألّا تتجاوز ثمان سنوات بمجموعها متصلة أو منفصلة. أي مجموع سنوات عضوية المنتخَب في مجالس المحافظات والنواب لا تزيد عن دورتين، فالذي انتُخِب لدورة سابقة في مجلس المحافظة له المشاركة في دورة أخرى فقط في المجلس النيابي أو مجلس المحافظة. وهذه المدة هي القصوى مدى حياة الشخص، وليس من تاريخ صدور القانون الذي يعيّنها. ومن المتوقع الاعتراض على هذا القيد بدعوى تعارضه مع حقّ المواطن في الاختيار ويغاير الأعراف المحترمة في أغلب الدول. وأرى أنّ هذا الاعتراض يتنكر لأسباب المشكلة السياسية ومنها أنّ المجتمع، تلقائياً، يعجز عن تغيير المجموعة الحاكمة عبر الانتخاب دون ضوابط تمنع تكريس الوضع القائم. في حين تمس الحاجة إلى إعادة توزيع الأدوار ومواقع النفوذ بين الأحزاب والأشخاص. ولكي ينجح النظام الديمقراطي لابدّ أن يضمن التداول، ولمواجهة الفشل لا بأس بالتعديل والتقييد، لأنّ التداول جوهر الديمقراطية وهو من متطلبات التغيير وعندما لا يستطيع النظام أداء هذه الوظيفة يفتقد مقومات الاستدامة ناهيك عن الكفاءة.

 ولكن لا معنى لتداول مقاعد الهيئات المنتخبة وإبقاء مواقع القيادة الحكومية وأجهزة الدولة في منأى عن التداول بحجة الخبرة والتكنوقراطية وما شابه. لأنّ إشغال تلك المناصب من نفس الأشخاص والأحزاب مدة طويلة يعرّض الدولة والنظام السياسي لضغوط كبيرة، وخاصّة مع عدم التمكن من إنجاز إصلاحات ملموسة لمحاربة الفساد وتحسين الأداء الإداري والنهوض بالاقتصاد.

ولذا نقترح:

 تحديد مدة قصوى لخدمة المواطن في الدرجات الخاصّة، المدير العام والمستشار ووكيل الوزارة ورئاسة الهيئات المستقلة، وجميع المناصب الموازية لهذه الدرجات في العُرف الإداري والمزايا. وتلك المدة لا تزيد عن 12 سنة متصلة أو منفصلة، وفي جميع تلك الدرجات مدى حياة الشخص ومن البداية الأولى للعمل في الدولة وليس من صدور القانون. ومثلاً من شغل وظيفة مدير عام لمدة خمس سنوات لا يجوز له البقاء في وظيفة مستشار أو وكيل وزارة لأكثر من سبع سنوات، ومن بقي مديراً عاماً ثم بمنصب وكيل وزارة بمدة مجموعها 12 سنة ليس له الاستمرار في وظائف الدرجات الخاصّة أبداً.

 ومن مزايا هذا التحديد بعث الحيوية في الإدارة الحكومية وفي نفس الوقت يسمح بإشراك أوساط اجتماعية جديدة لإدارة الدولة فيخفف من دوافع المعارضة والتمرد. أما منصب الوزير ورئاسة الوزارة ورئاسة الجمهورية، ونواب رؤساء الجمهورية ورئيس الوزراء، فلا يجوز الاشتغال في هذه المراكز القيادية بمجموعها لمدة تزيد على ثمان سنوات متصلة أو منفصلة لأي شخص. فالذي أصبح وزيراً لمدة أربع سنوات له أن يُستوزر أو يعيّن رئيساً للوزراء أو الجمهورية لأربع سنوات أُخرى ولا غير.

مجلس الأعيان:

 عند إضافة تلك القيود يكون أغلب قادة السياسة في العراق خارج المجلس النيابي والحكومة، وربما يعترضون، أو إنّ قواعدهم الانتخابية لا تطمأن لخروجهم فتبادر هي بالاعتراض على التغيير. ومن بين الحجج أنّ الدستور لا يسمح بهذه الضوابط بينما لا يفهم من نصوص الدستور عدم جواز تحديد المدد الزمنية في مناصب الوزير ورئيس الوزراء وعضوية مجلس النواب ومجالس المحافظات والدرجات الخاصّة.

 ومع ذلك لا بأس من استبدال المجلس الاتحادي الوارد في الدستور بمجلس أعيان، سواء بتبديل النص أو فهم المضمون، وبعدد محدود من المقاعد تُشغل بالانتخاب وعلى أساس المنطقة الانتخابية الواحدة لكلّ العراق وبدون التقيد بمدة، أي يجوز للجميع الترشيح لإشغال تلك المقاعد بغض النظر عن خدماتهم السابقة في المجالس المنتخبة والحكومة. وعبر هذا الإجراء سوف يحتفظ المشاهير من كبار السياسيين بدورهم في الدولة. ولهذا المجلس، مجلس الأعيان، صلاحية الاعتراض على القوانين والقرارات التنفيذية ذات الأهمية الكبيرة، وأيضاً له أن يقترح تشريعات وسياسات.

الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وسواها:

ولتوسيع وتعميق التوجه نحو التداول من المفيد شمول الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات المهنية بتدابير مناسبة منها:

 لا تزيد مدة عضوية المجالس العليا لكافة الهيئات والتشكيلات المبينة آنفاً عن 12 سنة متصلة أو منفصلة. وأن تعتمد جميع تلك الهيئات والتشكيلات وثائق واضحة تبيّن مبادئها وأهدافها، وتصدر سنوياً تقارير مالية توضّح مصادر التمويل وأبواب الإنفاق. مع وجود سجلات تبيّن الأعضاء المنتظمين لتلك الهيئات والتشكيلات. وتستحدث لجنة خبراء مرتبطة بالمجلس النيابي لتطوير الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات المهنية، وضمان إسهامها الإيجابي في صيرورة المجتمع الجديد وبناء الدولة.

ويقتضي الاستقرار وتعميق الديمقراطية الرقابة على هذه الهيئات والتشكيلات بمعايير يحددها القانون. ومنها مدى إسهامها في الجهد الوطني لإنهاء النزاعات العنيفة وترسيخ السلم الأهلي؛ وتأكيدها على وحدة العراق وسيادته واستقلاله؛ وأنّ الحكومة المعيّنة حسب الدستور والوسائل الديمقراطية هي وحدها الممثلة للعراق وهي وحدها التي تزاول سيادة الدولة على أرضه وموارده ومواطنيه؛ والقانون يبيّن كيف ولماذا تشكّل تلك الأحزاب والمنظمات والنقابات والجمعيات، وكيف ولماذا تمنع من الاستمرار في النشاط، والحوافز التشجيعية والعقوبات.

 وأخيراً، لا تستبعد إعاقة مقترحات التغيير بتفسير نصوص الدستور بالحفاظ على الوضع الراهن والتذرع بصعوبة تعديله. ومما لاشك فيه أنّ الواجب يحتّم مساندة جميع المحاولات السلمية، في الإطار الديمقراطي، لإخراج العراق من الأزمة وإحياء الأمل بحياة طيبة للأجيال القادمة.

 

·       الكاتب من مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 379
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 استهداف الفساد ركيزة للحكومة والإصلاح الاقتصادي
 التنمية الاجتماعية في العراق
 العلمانية في الطريق إلى بغداد
 تنافس سياسي واحتدام انتخابي في المشهد السياسي العراقي
 الزيادة السكانية في العراق وعلاقتها بالتنمية
 الاستجواب البرلماني في العراق بين البعد القانوني والهدف السياسي
 أثر البطالة وسببها الرئيس في العراق
 مَن رحب بصهر ترامب حاكماً مدنياً في العراق؟!
 صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق
 الانتخابات في العراق وتداول مواقع النفوذ: رأي ومقترح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا