الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التراجع الأوربي في سوريا بعد تحرير حلب

2017/03/07 | الکاتب : حمد جاسم محمد الخزرجي


منذ انطلاق الأحداث في سوريا عام 2011، إلى اليوم الأوربيون يحاولون بكلّ ثقلهم لإيجاد موطئ قدم ثابت لهم في سوريا، ومع انطلاق شرارة الأحداث في درعا السورية، قامت فرنسا بالدفع باتجاه دعم الثورة السورية ورفع شعار إسقاط نظام بشار الأسد، ودفعت بكلّ إمكاناتها الإعلامية والدبلوماسية وتقديم كلّ أنواع الدعم العسكري للمعارضة، واستضافة العديد من المؤتمرات لما يسمى أصدقاء سوريا.

 كما إنّها قدمت ولازالت تقدم العديد من مشاريع القرارات لمجلس الأمن من أجل مساعدة المعارضة السورية وعدم هزيمتها كلياً، وأخرها قرار مجلس الأمن الدولي في 19 كانون الأوّل 2016، الذي تقدمت به من أجل نشر مراقبين دوليين في حلب، والذي جُوبه بالفيتو الروسي أوّل مرة، حتى تم تعديله أخيراً وبتوافق دولي كامل، وهذا القرار الذي تقدمت به فرنسا وبدعم أوربي واضح هو من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا المعارضة في حلب وإبقاءها هناك حتى ولو في جيب صغير في شمال شرق حلب، خاصة بعد تخلي تركيا بشكل مفاجئ عن دعم المعارضة في سوريا، وتوافقها مع روسيا وإيران حول الحل السياسي في سوريا، الذي سوف يركز أوّلاً على محاربة الإرهاب قبل التفكير بتغيير النظام السوري، وهو ما عدّ ضربة قوية للغرب الأوربي الذي كان يستخدم الأراضي التركية كممر لدعم المعارضة السورية.

 حتى إنّ بريطانيا هي الأخرى بدأت تفقد صوابها من الخطوات التركية نحو حلّ الأزمة في سوريا، خاصة بعد حصول تقارب بين أمريكا وروسيا حول الحلّ في سوريا، لهذا بدأت وبكل قوة بدعم بعض الفصائل في سوريا لوقف الهجوم على حلب، ومنها هجوم داعش المفاجئ على دير الزور واحتلالها، خاصة أنّ هذا الهجوم لا يمكن أن ينجح أو يكون بهذه السعة إن لم يكن له دعماً دولياً كبيراً، إذ إنّ أحداث المنطقة منذ انطلاقها عام 2011، وما تلاها من أحداث وسيطرة داعش على مناطق في العراق وسوريا يدلّ بشكل لا يقبل الشك أنّ بريطانيا هي مَن صنع داعش وسلّحه بعد فصله عن القاعدة ولمنع أي نفوذ أمريكي أو دولي منافس لها في المنطقة التي تعدها منطقة نفوذ تقليدية، كما إنّ تواجد (بوكو حرام) في نيجيريا وهي أصبحت فرع من داعش الآن إلّا دليل على صناعة بريطانيا للمجموعات المسلحة الجهادية في غرب أفريقيا لمنع تغلغل النفوذ الأمريكي هناك، كما إنّ زيارة رئيسة وزراء بريطانيا (تريزا ماي) لدول الخليج واجتماعها مع قادة الخليج يأتي من باب استثمار فتور العلاقات السعودية الأمريكية بعد إصدار قانون جاستا، وانتشار بعض الأخبار عن احتمال إيقاف توريد السلاح الأمريكي للسعودية، وأخرها تصريحات الرئيس الأمريكي الجديد (ترامب) المثيرة للجدل حول السعودية ودول الخليج.

لقد جاء تحرير حلب المدينة الإستراتيجية في سوريا ضربة قوية لكلّ المحاور الداعمة للمعارضة السورية، فيعد أربعة أعوام من سيطرة المعارضة على شرق حلب واتخاذه موقعاً مهماً للسيطرة على شمال سوريا، إذ تم الإطلاق منها لاحتلال أدلب المجاورة لها، كما عدت طريق لدعم المعارضة بالسلاح والمواد الأخرى من تركيا، لهذا كانت حلب ولاتزال مفتاح سوريا السياسي والاقتصادي، فهي تقع في شمال سوريا بالقرب من الحدود التركية وهذا ما يعطيها ميزة مهمة فمن يسيطر عليها يمكنه السيطرة على شمال سوريا والسيطرة على طرق الإمداد الرئيسية من تركيا والغرب، كذلك تُعدّ أكبر مدينة اقتصادية في سوريا، فهي تضم العديد من المراكز الصناعية المهمة في سوريا، بل تعد قلب سوريا الاقتصادي النابض، كما لا يمكن إهمال القطاع الزراعي الذي تقوم به حلب وأريافها الواسعة.

 كما إنّ سيطرة الجيش السوري وحلفاءه على كامل حلب سوف يجعل مدينة أدلب في كماشة الجيش السوري، فقد أصبحت مدينة أدلب شبه محاصرة من اللاذقية في الغرب وحلب في الشمال وحمص في الشرق، لهذا فإنّ موافقة الحكومة السورية على نقل المعارضين وعائلاتهم إلى أدلب من دمشق وحمص وغيرها ما هي إلّا تجميع لهم في محاولة لاحقة للهجوم عليها، خاصّة وأنّ تركيا الداعم الرئيس لفتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) قد أدركت أخيراً عبثية أفعالها، وإنّ ما تقوم به طريقة عقيمة لحفظ مصالحها، حتى تدخّلها الذي اسمته بدرع الفرات أُصيب بنكسة كبيرة بعد المقاومة التي واجهها، سواء من الحكومة السورية أو الأكراد، وأخيراً تعرّضه لهجوم جوّي أدى إلى مقتل وجرح عدد من الجنود الأتراك، وكان عبارة عن تحذير أولي قد تتبعه هجمات، لقد بدأ الأمن يتهاوى في تركيا تحت ضربات الأكراد من جهة وتنظيم داعش الإرهابي من جهة أخرى، من خلال العشرات من عمليات التفجير بالسيارات المفخخة، لهذا كان عليها أخيراً أن تمدّ يد الصلح مع روسيا من أجل إيقاف تقدم الأكراد في شمال سوريا.

إنّ فشل الغرب بسقوط حلب في أيدي قوات الجيش السوري والقوات المتحالفة معه سيطارد الغرب كأزمة كبرى خلال العقود القادمة وستكون له تداعياته عليهم في الشرق الأوسط كلّه.

لقد أفشل تحرير حلب خطط الأوربيين وخاصّة البريطانيين الرامية لتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية متناحرة، فقد حقق تحرير حلب الحفاظ على مركزية الدولة السورية عبرة حماية المدن المهمة فبها وهي مدن الغرب السوري الكبيرة: دمشق وحلب وحمص وحماه، وبالتالي فإنّ عملية تحرّك الجيش نحو الشرق لتحرير مدن دير الزور والرقة ستكون أسهل بعد تحرّك القوات العراقية نحو الموصل، مما وضع المعارضة في ضع صعب.

 إنّ تحرير حلب حرم الأوربيين من طريق كان مفتاح الدعم العسكري واللوجستي للمعارضة السورية، فقد تمّ قطع خطوط الإمداد الرئيسية للتنظيمات المتطرفة التي كانت تأتي من تركيا إلى حلب، ثم تتوزع في أنحاء سوريا، كما إنّ محاولة الغرب نشر مراقبين في حلب لاعتقادهم أنّه يمكن استمرار إرسال الدعم عن طريق المساعدات هي الأخرى غير ذي فائدة لأنّ الدولة التي كانت طريقاً لهذه المساعدات أصبحت ضمن المحور الروسي الباحث عن حلّ سياسي للأزمة.

الجيش السوري والقوات الأخرى الساندة له كانت لديها خطط بعيدة وإستراتيجية، لم ينتبه لها الأوربيين بشكل جيِّد، بل كانت بنظر الأوربيين تعدّ طريقة للحفاظ على قوات المعارضة من الهزيمة من خلال نقلهم من مناطق في دمشق وحمص واللاذقية وحلب إلى أدلب، على أمل أن يُعاد تنظيمهم من جديد من أجل مواجهة جديدة مع الجيش السوري، إلّا أنّ خطط الحكومة السورية كانت ناجحة في هذا المضمار فقد تمكنت من تفتيت عزيمة المعارضة، وإخراج الآلاف منهم من خلال المصالحة مع الحكومة السورية، كذلك حتى خروجهم إلى أدلب والتمركز هناك هو تمهيداً لمعركة حاسمة، وهو ما تنبه لها الأوربيين أخيراً وبدأ بالبحث عن ما يمكن الحفاظ عليه من خلال نشر مراقبين دوليين في حلب التي يمكن أن تعمم لتشمل مناطق أخرى.

على الرغم من أنّ تنظيم الدولة الإسلامية قد سيطرة على مساحات شاسعة من سوريا، وخاصّة في شرقها ووسطها، إلّا أنّه لم يدخل في معارك كبيرة مع الجيش السوري، سوى في مدينة دير الزور التي استعادها التنظيم أخيراً، إذ أنّ الخطط السورية الروسية ابتعدت عن تنظيم داعش، مما جعل المواجهة تشتد بين التنظيم والمعارضة الأخرى، مما أضعف المعارضة السورية وخاصّة ما يسمى بالجيش الحرّ الذي فقدَ أغلب تواجده سورياً، بل أصبح وجوده اسمياً فقط، هذا ما سهّل على الجيش السوري مهاجمة المعارضة في شمال سوريا، لأنّ تنظيم داعش لا يحظى بالدعم الدولي، بل هناك تحالف دولي بقيادة أمريكا لمحاربته انطلاقاً من العراق امتداداً إلى سوريا، هنا فإنّ الأوربيون بخسارتهم حلب واحتمال توسع السيطرة السورية إلى أدلب، وحالة التشرذم في أوساط فصائل المعارضة السورية وكثرتها والمعارك المستمرة فيما بينها واستنزاف بعضها من خلال تنظيم داعش أدى كلّ ذلك لأن تنتهي خيارات العالم في دعم أي منها أو الرهان عليها، كما إنّ محاولة الأوربيين تقديم الدعم لداعش بشكل علني سوف يجعل منهم في موقف الداعم للإرهاب الدولي أمام شعوبهم أو دول العالم الأخرى.

 إنّ التنافس الروسي الأوربي حول سوريا، ومحاولة الغرب فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، جعل الاتجاه العام في المنطقة يسير لصالح روسيا من خلال نجاحها في مهمة وبعيداً من حدودها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي قبل ربع قرن. فالتدخل الروسي العسكري قبل سنة كان له الأثر الحاسم في إعادة رسم خريطة الميدان السوري. وروسيا تستأثر في الوقت الحاضر بالدور الأساسي في سوريا وتفرض حضوراً غاب عقوداً عن الشرق الأوسط، لهذا فإنّ سياسة الغرب المعادية لروسيا التي تملك العديد من الأوراق التي تستفيد منها في سوريا جعلهم يخسرون الكثير، بل سوف يخسرون نفوذهم في الشرق الأوسط كلّه، خاصّة إذا نجح التوافق الروسي التركي الإيراني الأمريكي في المنطقة.

جاء تحرير حلب ليكشف فشل اعتماد الغرب على دول في المنطقة لم يكن لها سياسة واضحة بل ومطاولة واستمرارية في دعم المعارضة، فقد إنطوت السعودية على نفسها وابتعدت تحت وطأة حرب اليمن التي جعلت من السعودية تبحث عن من يدعمها بالسلاح والخبرات في هذه الحرب، بل جعلت من السعودية تحت رحمت بريطانيا وأمريكا في التسليح، إذا إنّ تراجع من هذين الدولتين للسعودية سوف يقود إلى احتمال ليس فقط خسارتها للحرب في اليمن بل خسارتها لنظامها السياسي وانهيارها الكامل، كما إنّ قطر الدول الخليجية الأخرى لم تقدم سوى الآسف والحزن على تحرير حلب، فهي غير قادرة على تقديم دعم عسكري حقيقي يمكن من خلاله أن يقوّي من عزيمة المعارضة السورية، لأنّ الحرب في سوريا ليست حرب سلاح فقط، بل بحاجة إلى قوات عسكرية، وهذا ما استفادت منه سوريا من خلال حلفاءها الروس الإيرانيين واللبنانيين، على عكس المعارضة السورية التي كانت تعتمد على مقاتلين محليين فقط وقليل من الأجانب الذين يحسبون مجموعات إرهابية في كثيرة من الأحيان.

 أدرك الأوربيون أخيراً أنّ دعمهم للمجموعات المسلحة، والتي أغلبها تعد متطرّفة وفوضوية، قد وصل إلى مراحله الأخيرة، فقد كانت الآمال من كلّ الأطراف الداعمة للمعارضة إنّ نهاية الحرب قريبة جداً، وإنّ إسقاط النظام لم يدم طويلاً، إلّا أنّ تمسك روسياً بالنظام وبتواجدها في سوريا، واتساع المعارك وارتكاب الجرائم من قبل كلّ الأطراف في كلّ الجبهات، ووصول الإرهابيين إلى الدول الأوربية نفسها من خلال الهجرة، كما في أحداث باريس وبروكسل، وألمانيا وسويسرا، واتباع الإرهاب وسائل متاحة مثل استخدام الشاحنات والطعن وغيرها، جعل الدول الأوربية تدرك أنّ الوقت قد حان لأنهاء الأزمة، ووقف تمدد الإرهاب الذي يصيب أوّلاً وأخيراً جسد أوروبا أوّلاً، خاصّة وإنّ المعلومات الاستخباراتية نشرت تقارير عن قيام التنظيم بتوزيع أجهزة محمول وأجهزة كمبيوتر لوحية على عشرات الأطفال والصبية في المناطق التي يسيطر عليها ويوفر لهم إمكانية الاتصال بشبكة الإنترنت ليتمكّنوا من الدخول على مواقع التواصل الاجتماعي أو المنتديات لبث الأفكار العنيفة والدعاية لمشاركة الأطفال في المعارك في سوريا والعراق، وهو مسعى لتأسيس جيل جديد من "الإرهابيين" ولاجتذاب مجندين جدد على الإنترنت، والقيام بشن حملة من الهجمات في أبرز العواصم الغربية وعلى معالم كبرى فيها مثل ساعة بيغ بن في لندن وبرج إيفل في باريس وتمثال الحرّية في نيويورك، كما إنّ الهجرة هي الأخرى قد جعلت الغرب في تهديد دائم، وتحت رحمة بعض دول المنطقة مثل تركيا التي تهدد بين الحين والآخر لفتح الهجرة إلى أوروبا.

إنّ تحرير حلب لا يعني مطلقاً نهاية المطاف في الصراع السوري، لأنّ الكثير من فصائل المعارضة المسلحة لازالت مصرة على مواصلة القتال بدفع من قبل جهات أقليمية ودولية، حتى بعد إن اضطرت إلى الانسحاب من المدينة، ويتوقع أن تنتهج هذه الفصائل حرب العصابات، التي يعرفها الجيش الروسي منذ حرب أفغانستان في الثمانينات، إلّا أنّ تصميم روسيا وسوريا وإيران على إنهاء الصراع في سوريا، وانضمام تركيا إلى الحل سوف يخفف من وطأة الحرب الدائرة هناك، كما إنّ الأوربيين وبعض الدول الأقليمية مثل السعودية وإيران وتركيا سوف تخرج من اللعبة بدون تحقيق أي مصالح لها في سوريا، إذ لعبة الكبار للكبار ولعبة الصغار للصغار، وإنّ تجميع كلّ طرف لأنصاره هو لزيادة فرص نجاحه في اللعبة وليس مشاركتهم له في المكاسب، وهذا ما أدركته تركيا مبكراً، فهل تدركه باقي الأطراف الأقليمية الأخرى.

 

·       باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 90
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الضربة الأمريكية المباشرة لسوريا، الأسباب والنتائج
 التراجع الأوربي في سوريا بعد تحرير حلب
 سوريا، نكبة الأرض والإنسان!
 مهمة بوتين «المكتملة» في سوريا
 إيلي كوهين قبرٌ خالي وقلبٌ باكي ورفاتٌ مفقودٌ
 مشاركة في الخجل
 موت وخراب ديار!
 كم سوريًا ينبغي أن يتجمد؟
 لم تنته الحرب
 يوم الشهيد في سوريا

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا