الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
رفعة مقام الوالدين

2018/10/29 | الکاتب : عمار كاظم


يقول الله عزّوجلّ: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء/ 23) الله سبحانه وتعالى، انتقل وبشكل مباشر من الدعوة إلى عبادته وحده وعدم الشِّرك به إلى الأمر بالإحسان للوالدين، وهذا ما نراه متكرّراً قبل وفي كلّ آية ذكر فيها البرّ بالوالدين، وذلك لنرى المرتبة العظيمة لهما، فالبرّ بالوالدين يرقى إلى مستوى توحيد الله سبحانه، لذلك ينبغي لنا دائماً أن نؤكّد في عقل الابن وفي قلبه، القيمة التي يمثّلها الأب والأُمّ في حياته، باعتبار أنّهما أساس وجوده، وباعتبار أنّهما القيمان على رعايته واحتضانه بكل ما يتضمنه ذلك، فهما يسهران لينام، ويجوعان ليشبع، ويتعبان ليرتاح، تضحية من أجله، إضافة إلى كلّ مفردات الإحسان الأبوي أو الأُمومي. وهذا ما عالجه القرآن بطريقة تستثير شعور الابن الإنساني في علاقته بأبويه، حيث يقول تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا) (الإسراء/ 23)، ليكن ردُّ فعلك حيال ضيقك منهما إذا ما أزعجاك، كردِّ فعلهما حيال تنغيصك المستمرّ لحياتهما في أوائل حياتك، عندما كانا يقابلان صراخك في وجههما بالقبلات.

وفي قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء/ 24)، لابدّ من التأكيد على المسؤولية تجاه الوالدين، وبالأخصّ عندما يعجزان وتنطوي سِنيّ شبابهما، فعندما يكبران في السن تصبح المسؤولية أكبر، بل إنّ استمرارية هذه المسؤولية تتأكّد حتى بعد وفاتهما، من خلال التصدّق عنهما بالمال وإهدائهما ثواب العمل الصالح، أو على الأقل بالدعاء لهما بالرحمة، كما قال سبحانه وتعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا) (الإسراء/ 24). جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: أوصني، يا رسول الله، فمن جملة الوصيّة قال له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «ووالديك فأطعهما وبِرَّهما حيَّيْن كانا أو ميتين». وفي الحديث عن الإمام الصادق (علیه السلام): «ما يمنع الرجل منكم أن يبرَّ والديه حيَّيْن وميتين، يصلّي عنهما، ويتصدّق ويصوم ويحجّ عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك فيزيده الله ببرّه وصلته أجراً كثيراً». فالأب والأُمّ هما نعمة، حيَّيْن أو ميّتيْن.

لقد أكّد الدِّين الإسلامي على مقام الوالدين، خصوصاً الأُمّ التي أُعطيت مكانة مميّزة، فعن الإمام زين العابدين، في رسالة الحقوق: «أمّا حقُّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك، فاعلم أنّ أباك أصلُ النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على ذلك، ولا قوّة إلّا بالله». «أمّا حقّ أُمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يُعطي أحد أحداً، ووققتْك بجميع جوارحها ولم تُبالِ أن تجوع وتُطعمك وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتُظللك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد لتكون بها، وأنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه». وقد رُوِي ما مضمونه أنّ شخصاً حمل والدته على كتفيه وراح يطوف بها الكعبة، وعندما رأى النبيّ سأله: هل أدَّيت حقَّها، يا رسول الله؟ فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ولا بزفرة واحدة»، ويقصد بالزفرة الواحدة الوجعة الواحدة، أو الطلقة الواحدة، التي تغشى الأُمّ حين الولادة والوضع.

ومن الأحاديث المعروفة في حقّ الأُمّ: «الجنّة تحد أقدام الأُمّهات». و«أُمُّك ثمّ أُمُّك، ثمّ أبوك». كما ورد أنّه جاء عن النبيّ موسى بن عمران (علیه السلام): قال: «يا ربّ، أوصني، قال: أُوصيك بأُمِّك، قال: أوصني. قال أُوصيك بأُمِّك. قال أوصني. قال أُوصيك بأُمِّك. قال: أوصني. قال: أُوصيك بأبيك». وسأل أحدهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حقّ الوالدين على ولدهما فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «هما جنَّتُك ونارُك». ويقول الحديث الشريف: «برُّوا آباءكم يبرُّكم أبناؤكم».

وأخيراً، أنّ طريقة تعاملنا مع أهلنا، تعتبر المقياس الحقيقي لإيماننا ومدى تقرّبنا من الله أو بعدنا عنه، فعندما نتحدّث عن منظومة القيم في الإسلام، تبرز بقوّة القيم المتعلّقة بالعلاقة مع الوالدين، وكيفيّة التعامل معهما، والتي ركَّز عليها القرآن الكريم أيّما تركيز، وربط بينها وبين عبادته في الكثير من المواقع، ولا يخفى أنّ الإسلام تميَّز بارتقائه بهذه العلاقة إلى أعلى مستوى، وإيلائها الأهميّة القصوى، حيث اعتبر الإحسان إلى الوالدين نوعاً من العبادة والتقرّب إلى الله، وجعل برّهما مفتاح الحصول على رضا الله وثوابه، وبوابة العبور إلى جنته ونعيمه.

إلى رحمة الله تعالى أبي الحبيب رجل التقوى والصلاح، أبي الحبيب رجل البذل والعطاء، أبي الحبيب رجل الصبر والاصرار، أبي الحبيب رجل المهام الصعبة والأعمال الجليلة، أبي الحبيب ذو الأخلاق الرفيعة، أبي الحبيب صاحب الأيادي البيضاء، أبي الحبيب الذي أنشأ وأشرف على المؤسسات الثقافية والاجتماعية والفكرية، أبي الحبيب ثقة العلماء والمراجع، أبي الحبيب الذي أفنى عمره في خدمة الإسلام.

سلام على روحك الطاهرة وتغمدك الله بواسع رحمته وحشرك مع محمد وآله الطاهرين.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 177
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 العلم النافع.. بوابة الوعي والثقافة
 زرع القدوة الحسنة في حياة الطفل
 فوائد الإيمان وآثاره
 استثمار الكلمة وإدارك مسؤوليتها
 عنوان الصلاة العبودية
 انسجام فاطمة الزهراء (عليها السلام) روحياً وعاطفياً مع خطّ الرسالة
 التربية الإيمانية للطفل
 فاطمة الزهراء (عليها السلام).. منبع الأخلاق والقيم
 الحاجة الإنسانية لثقافة الحوار
 عملية التغيير.. محورها الإسلام

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا