الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أجواء الحياة المتسامحة

2018/11/16 | الکاتب : عمار كاظم


في أدب القرآن الكريم: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) (النور/ 22)، وفي الأدب النبوي: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم»، وفي الرؤية الإسلامية للإنسان: الناس «صنفان: إمّا أخٌ لك في الدِّين أو نظيرٌ لك في الخلق». وفي اللغة العربية: «السّمح والسماح والسماحة هي الجود. وأسمح وسامح: وافقني على المطلوب. والمسامحة: المساهلة. وتسامحوا: تساهلوا». والذي يبدو، هو أنّ التسامح مَلكة في النفس، وصفة في الشخصية، وروحية في البسط والانبساط، تعبّر عن نفسها بالسهولة واليسر وقلّة التعقيد. ولذلك، قد لا يكون دقيقاً أن نتعامل مع التسامح على أنّه فعل مجرّد، بمعزلٍ عن العمق الذي تنبع منه إرادة الفعل؛ فإذا كان التسامح ذهنيةً وروحية وعنصراً من عناصر الشخصية، فإنّ المطلوب عندئذٍ البحث عن التسامح في تجليّات النفس والذات؛ ليكون الفعل الخارجي تعبيراً صادقاً عن واقعٍ غير ظاهرٍ للناس. فقد تقول لإنسانٍ «سامحتك»، وقد تصافحه أمام الملأ كمظهرٍ من مظاهر التجاوز عن عداوةٍ أو خلافٍ، وقد تبرم معه اتفاقاً أو معاهدةً على طيّ صفحة الماضي، ولكنّ كلّ ذلك ربما لا يعبّر عن التسامح؛ لأنّ الظروف الخارجية هي التي ألجأتك إلى أن تبرم معه ذلك الاتفاق.

وهل يمكننا أن نحصل على تسامحٍ من دون الارتكاز على فكرٍ رحبٍ متسامحٍ ينسج في عقيدته خطوط التواصل مع الآخر، وينظّر لروحٍ إيجابيةٍ قائمةٍ على الذهنية المستقبلية التي تقوم على قراءة الماضي لأخذ العبر؟ ثمّ إذا امتلكنا القاعدة النظرية للتسامح، فهل يكفي ذلك لإنتاج روحٍ أو ذهنية متسامحةٍ؟ أو لابدّ من أن يتحوّل ذلك الفكر إلى برنامجٍ تدريبي على الخلق المتسامح الذي يعالج ـ ولا يكبت ـ المشاعر السلبية، والذكريات الأليمة؛ وإلى سلوك المتسامح الذي يختبر العلاقة مع الآخر من منطلق تثمير الإيجابيات لديهما؛ وإلى تدريب الذات على أن تخفّف من حدّة الأنانية والذاتية؟

إنّنا نتحدّث هنا عن برنامج حياةٍ متسامحةٍ، تلقي بظلالها على الذين يعيشون فيها، فتطبعهم بطابعها، وتعدّل في اتّجاهاتهم العدوانية، وتمارس محواً منهجياً لذكرياتهم الأليمة. وهنا يأتي دور الشخصية الإسلامية الإيمانية، المتسامحة مع الآخرين، الناصحة لهم، تفعل ما تستطيع من أجل تغيير الفكر نحو التسامح والأمل والرجاء بالله والعودة إليه. بخلق أجواء من الحبّ والعفو.. إنّ ممّا يجعل العاقل يميل إلى العفو والتسامح ما أعده الله تعالى للعافين عن الناس، وما سيجزي به المتنازلين عن حقوقهم والمسامحين لإخوانهم من الثواب العظيم والنعيم المقيم. فمَن عفا عن أخيه عفا الله عنه، ومَن أقال عثرة أخيه أقال الله عثرته، ومَن سامح أخاه سامحه الله، ومَن رَحِم أخاه رَحِمه الله، فالراحمون يرحمهم الرحمن، والعافون يعفو عنه المنال. ثمّ إنّ أخلاق الإنسان المسلم تدفعه نحو سلامة الصدر والترفع عن الانتقام ورد السيِّئة بمثلها، كما أنّ الصفات الكريمة والأخلاق العظيمة ترتقي بصاحبها إلى درجات العفو والتسامح، التي بها تُنال الدرجات العالية والسمعة الطيبة والذِّكر الحسن بين الناس. ثمّ إنّ من الأسباب التي تدعونا إلى العفو والتسامح علمنا بأنّ كلّ إنسان مُعرّض للخطأ، وأنّنا يمكن أن نقع في ذلك الخطأ مع أحد فننظر إلى أعظم ما نتوقعه منه وأطيبه وأكرمه، ألا وهو العفو والمسامحة، فكما نحبّ أن يعاملنا غيرنا بالعفو إذا أخطأنا فكذلك ينبغي أن نتخلق بهذا الخلق مع مَن أخطأ في حقّنا. فقد ورد عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.. إنّ التسامح قيمة علينا غرسها في أجيالنا، وتربيتهم عليها، حتى يكونوا على فهم وتفاعل مع قيمهم الأصيلة التي تؤكّد شخصيتهم الإيمانية الرسالية والواعية في مواجهة كلّ ما يتعرضون له في الحياة من إشكالات وصعوبات.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 179
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الحقد والكراهية.. سبب الفتن وسلاح الإرهاب
 الجانب الفكري والعاطفي في حياة السيِّدة زينب (عليها السلام)
 لا عنصرية في الإسلام
 مناخ العدالة في الجوّ الأُسري
 نِعمة إرسال الرُّسل والأنبياء
 تكريم الأُمّ.. واجب ومسؤولية
 الحاجة الإنسانية للقضاء على التمييز
 السيِّدة زينب (عليها السلام).. مسيرة جهاد وصبر
 مصدر السلم والسلام
 تجديد العلاقة مع الله تعالى بالتوبة والاستغفار

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا