الصفحة الرئيسية » الدين والحياة
مفهوم الاستقامة

2019/02/17 | الکاتب : محمّد عبدالله فضل الله


من المفاهيم التي أرادنا الله تعالى أن ننفتح عليها ونعيشها في واقعنا سلوكاً يبرز هُويّتنا وانتماءنا الحقيقي، هو مفهوم «الاستقامة»، التي تجسّد بالفعل ارتباطنا الحقيقي بالتوحيد العملي بالله، حيث يذوب الإنسان في ربّه ويخلص في عبوديّته له، ويتحسّس هذه العبودية من خلال إحساسه بعظمة خلق الله، وعظمة آيات الكون من حوله.

يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصِّلت/ 30)، هؤلاء المؤمنون بالله، الذين يقرّون بربوبيّته، ويعرفون أبعادها ومعانيها، ويتحسَّسونها في أقوالهم وأفعالهم، ويعرفون أنّهم ملك لله، يتحرّكون من خلال رحمته.. وكما يقول أمير المؤمنين عليّ (ع): «أمّا قولنا إنّا لله، فإقرار على أنفُسنا بالمُلك، وقولنا إنّا إليه راجعون، إقرار على أنفُسنا بالهلك».

لقد انطلقت هذه الاستقامة وهذا التوحيد من أنفُس هؤلاء بزخمٍ، فاندفعوا عن وعي وبصيرة يواجهون كلّ مواضع الضَّعف والانحراف والخلل، ويعطون من أنفُسهم كلّ معنى وقيمة ترفع من شأن المجتمع، إذ تراهم حاضرين في كلّ المواقف والأحداث، لا يخافون في الله لومة لائم، صابرين أشدّاء أصحاب عزيمة وإرادة، يواجهون كلّ فساد وباطل وظلم.

وعندما تقول أيّها الإنسان: «ربّنا الله»، فمعناه أنّك تحدِّد لنفسك هدفاً وطريقاً، فهذا العنوان يختصر كلّ الوجود وكلّ الحياة، وكلّ الحركة، فما علينا سوى أن نعيش عمق هذا العنوان، ونمارسه في كلّ أوضاعنا حركةً واعيةً، وفكراً واعياً، وكلمةً واعيةً، تعطي لمفهوم الاستقامة كلّ قيمة وشأنيّة ممتدّة في الحياة.

وأن تكون الإنسان المستقيم، معناه أن تعطي الناس من وعيك وحكمتك، ومن عدلك وإحسانك وبرّك، فلا تكون عنصراً أو فرداً ضاغطاً على المجتمع، بل مساعداً يعيش آمال الناس، ويشاركهم آلامهم وطموحاتهم، وينصر المظلومين والمستضعفين، ويدفع الأذى والبليّة عن محيطه ما أمكنه، ولا يركن إلى الظالمين، ولا تضعفه الإغراءات والأهواء والمصالح.

من المفاهيم التي أراد الله أن يؤكِّدها في وجدان النبيّ (ص) في خطّ الدعوة والحركة، وفي وجدان كلّ المسلمين الذين اتّبعوه، مفهوم الاستقامة، الذي أراد الله له ولكلمة التوحيد أن يلخّصا كلّ الإسلام وكلّ الدعوة، بحيث تكون الدعوة منطلقةً من قاعدة التوحيد، ثمّ الامتداد في خطّ الاستقامة.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، إنّنا نفهم المسألة على أساس أنّ لكلّ عقيدة قاعدةً تنطلق منها، ولابدّ لهذه القاعدة من أن تنفذ إلى كلّ جزئية من جزئيات هذه العقيدة، إنّ القاعدة هي الروح لكلّ عقيدة ولكلّ تيّار ولكلّ مبدأ.. والله سبحانه وتعالى جعل قاعدة الرسالات كلّها (رَبُّنَا اللهُ).

ومن هنا، فإنّ معنى أن يكون الله ربّك، أن تكون أنت عبده، وأن تكون أنت عبده، أن تسير في الخطّ الذي يجسّد هذه العبودية، أن لا تتحسّس من عبوديّتك أمام الله.. أنت عبدٌ في دائرة الله، وعبوديّتك هي سرّ حرّيتك أمام الكون وأمام الناس، فأنت توحِّد الله لتوحِّد عبوديتك له، ثمّ لتنطلق في كلّ الساحات لتشعر بأنّك حرّ في فكرك أمام فكر الآخرين، فإذا أحبّبت الله أحبّبت مَن يحبّ، وإذا أحبّبت الله أبغضت مَن يبغض، تلك هي المعادلة العاطفية والحركية، فيما هو الموقف والموقع (رَبُّنَا اللهُ)، ثمّ انطلق أمامك ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً، (رَبُّنَا اللهُ) تحدّد لك الطريق، و(رَبُّنَا اللهُ) تحدّد لك الهدف، و(رَبُّنَا اللهُ) تصنع لك الجوّ، و(رَبُّنَا اللهُ) تحرّك لك الأسلوب، و(رَبُّنَا اللهُ) هي كلّ حياتك (ثُمَّ اسْتَقَامُوا).

كم نحتاج في زماننا هذا إلى إعادة بعث روح الاستقامة والتوحيد في نفوسنا، كي ينعكس ذلك توازناً واستقراراً في أوضاعنا، وكي نصحّح الكثير من الانحرافات التي أصابت واقعنا!

إنّ معنى التوحيد والاستقامة هو التزام بخطّ الله، ومسؤولية وعمل صالح، ونوايا مخلصة وصادقة، وأعمالٌ نافعة، وليست مجرّد مفاهيم نظرية ومجرّدة، بل دعوة مستمرّة للتزوّد بالخيرات والصالح من الأعمال.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 272
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مفهوم الاستقامة
 خُلق الاستقامة
 الاستقامة في زمن الإنحراف
 الاستقامة.. سبيل التكامل
 مفهوم الاستقامة
 أوجه الاستقامة وتحدّياتها
 فضيلة الاستقامة وثمرتها

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا