الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العقل.. ميزان اليقين ومصنع السعادة

2019/06/21 | الکاتب : عمار كاظم


العقل للإنسان هو شرفه وميزته وميزانه. وبأسباب العقل فضَّل الله الإنسانَ على سائر خلقه، وسخّر له ما في السماوات والأرض. يقول أرسطو: «الإنسان حيوان ناطق»، وقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء/ 70)، (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) (لقمان/ 20).. العقل هو حُجّة في الأحكام. وهو أحد مصادر الفقه في نظرية الإسلام. وتلك هي مكانة العقل في القرآن واضحة من خلال أياته. وإنّها لمكانةٌ سامية تُشير إلى أنّ العقل موثوقٌ وقادر، وإلى أن يسمو بالإنسان عن الحيوان، وإلى أنّه سبيلٌ إلى معرفة الله وطاعته، وإلى أنّ له مقامَ القيادة والتوجيه في الشخصية الإسلامية والعقل في القرآن له دوره الحاسم في سعادة الإنسان وتقرير مصيره في الدُّنيا والآخرة. قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك/ 10).

يأمر القرآن بأن لا يقبل الإنسان أمراً من الأُمور على أنّه حقّ إلّا إذا نهض على برهان، وخاصّة في مسألة العقيدة والإيمان، حيث لا مفرّ من الاقتناع واليقين، ولا تقليد. كما لا يجوز أن يكون الميزان غير الحقّ، والحقّ يُعرف بالتفكّر وحُسن التمييز. يقول الإمام عليّ (عليه السلام): «يُعرف الرجالُ بالحقّ، ولا يُعرف الحقُّ بالرجال، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه».. فالحقّ في الإسلام يُنظر إليه بذاته لا من خلال الأشخاص، وإن انقلبَ الأشخاصُ موثوقين عِلماً وفكراً وعدالة. يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «لا تنظر إلى مَن قال، وانظر إلى ما قال». وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة/ 170).

الإسلام لا يأخذ إلّا باليقين الثابت، والبرهان الواضح الحاسم لكيلا تعملَ الظنونُ عملها، لأنّ الظنّ يستدعي ظنوناً، والوهم تتبعُهُ أوهام. قال تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/ 111). وفي الحديث الشريف: «إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث». ومرفوض في القرآن الإدلاء برأي عقائدي، أو قبول قولٍ أو إشاعةٍ إذا لم يكن ذلك مُدعّماً ببرهان يدفع الشكوك والريب. كما في قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء/ 36).

إنّ النشاط العقلي ينبغي أن يكون فريقَ كلّ قولٍ وكلّ عمل. لذلك فالقرآن ألحّ في الدعوة إلى التفكير الباحث، والتأمّل المدقّق، والملاحظة الواعية لجميع القضايا، وإذا تقيّد الإنسان دائماً باليقين ولم يقبل الظنّ فلن يقع في الخطأ. عليه أن يقبل بالظنّ على أنّه ظنّ، والاحتمال على أنّه احتمال، لا أن يحمل الظنّ والاحتمال على أنّهما اليقين. قال سبحانه: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء/ 36). وكذلك قال جلّ جلاله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام/ 116).

ويقع العقل في شِرك الأخطاء والمعايب حين يأخذ بأسباب التقليد، والقرآن يعلنها حرباً شديدة البأس على التقليد والمقلّدين في مواطن كثيرة من مناسبات الاعتقاد، ويطلب من العقل بأن يأخذ دوره. وأن يكون ميزانُ كلّ شيء هو العقل. قال تعالى: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة/ 170). ومنشأ الخطأ - كما ورد في القرآن - قد يكون بأسباب اتّباع أهواء النفس وميولها وأغراضها المعتلّة.

للتفكير في القرآن أخلاقيته، وللمعرفة التزاماتها.. فالعقل يفكّر في الله، ووجهته طاعته، ونضاله لخدمة الإيمان وإعلاء شأنه وكلمته: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر/ 28). إنّ العلم ينبغي بذلُهُ وإنفاقُهُ لأنّه يزكو بالإنفاق، وينمو بالبذل، ولأنّ زكاة العلم هي تعليمه، ولأنّ طلّاب العلم لهم الحقّ المعلوم في عِلم العالِم، يتناولونه حقّاً مفروضاً لهم على العلماء. يقول تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) (يس/ 47). وإنفاق العلم أعظمُ درجةً من إنفاق الأموال عند الناس وعند الله. إنّ الإنسان مسؤول عمّا يُفكّر به، وعمّا يعرفه ويدركه. وإنّه لمسؤولٌ عمّا يجهله وهو قادرٌ أن يعلمَهُ. يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «يُؤتى بالمرءِ يومَ القيامة فيُقالُ له: هلّا عملت. فيقول: لم أعلم. فيُقال له: هلّا تعلّمت».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 182
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية
 الوقت رأس مال المؤمن
 الحث على بذل المعروف والعمل به
 تجليات الطاعة في التقرُّب من الله تعالى
 الأركان الأساسية في صيانة المجتمع
 وعي ومعرفة يوم الغدير
 حركية الإمام محمّد الباقر (عليه السلام)
 مجتمع الأخلاق الحسنة
 الوقوف على صعيد عرفات

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا