الصفحة الرئيسية » رمضانيــات
نحن والقدر.. في ليلة القدر

2013/07/27 | الکاتب : نقاء الأنصاري


بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (سورة القدر).
القدر في اللغة: كون الشيء مساوياً لغيره من غير زيادة ولا نقصان.
وقدّر الله هذا الأمر يقدّره قدراً، إذا جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة.
وقيل من القدر: بمعنى الشرف وعِظَم الشأن، أي هي عظيمة وشريفة جاء قدرها من عظم الطاعات فيها، أو من عظم الكتاب الذي أُنزل فيها.
وعن الامام الرضا (ع): "فيها يُعزف كلُّ أمر حكيم" ويقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو مضرة أو منفعة أو رزق أو أجل ولذلك سُميت ليلة القدر.
هذه الليلة سُميت بليلة القدر، لأن فيها تُقدر الأقدار، فما هو القدر؟! وما هي علاقتنا بهذا القدر؟! هل هو حتم مقضي؟ أم للإرادة البشرية دورٌ في تغيير الأقدار؟!
جعل الله تبارك وتعالى في كل سنة من عمر الإنسان، ليلة قدر.. لحكمته تعالى في ان يجتهد الإنسان في عامه ليصنع له قدراً جديداً في العام الجديد.
فالرحمة الإلهية منحته فرصة كل عام ليمارس إرادته من خلال التجارب والظروف التي يمر بها لعلّه يستطيع تغيير قدره إلى ما هو أفضل وأكمل.
فالله تعالى يقضي ويقدّر، والقضاء بمعنى الاتمام والحكم القاطع، والقدر مرتبة تأتي بعد القضاء وهو تحقق الحكم في المحيط الخارجي، بعبارة أخرى، تجليات القضاء في المحيط الخارجي تتمظهر في القدر. فالقدر هو القوة في اختياره إيتاء الفعل أو تركه، بمعنى أنّه قوة (مادية أو معنوية) إن شاء فعل بها وإن يشأ لم يفعل.
فالقضاء من الله يُبرم ويصدر.. ويبقى القدر يمتاز بخاصية مطاطية قابلة للتغيير لو شاءت الإرادة البشرية أن تغيّره، وهذا التغيير يتباين بتباين النظرة إلى الحياة، والمنهجية السلوكية التي ينتهجها الإنسان في مسيرته اللاحبة على هذه الأرض.
وفي هذا المقال سنتناول بعض الآيات القرآنية المباركة التي تتطرق إلى هذه الحقيقة.
 
- تغيير النعم نتيجة البطر:
قال الله تعالى في محكم كتابه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل/ 112).
الآية المباركة تشير إلى حقيقة مذهلة وهي انّ الكفر بأنعم الله يستوجب زوالها وتغيير الحالة الاقتصادية لأُمّة كاملة من الترف والنعيم إلى القحط والبلاء.. وهذه السنّة الإلهية تجري على الأُمم كما تجري على الأفراد بصورة فردية خاصة، فالأُمّة أو الفرد الواحد عندما يكفر بالنعمة الإلهية من خلال عدم أداء شكرها والتفريط بها وتبذيرها والاستخفاف بحرمتها، وتسخيرها في المجالات غير الشرعية وعدم الانتفاع بها في المجال الخاص والعام.. يؤدي ذلك إلى سلب تلك النعمة وزوالها وبذلك تتغير الحالة الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال/ 53).
وقد تكون أنعم الله ماديات تتمظهر بالمال والثروة والجاه، أو معنويات تتجسد في العلم والأمان وأولاد وعزّ العشيرة.. فكل واحدة من هذه الأمور، هي نعمة إلهية لابدّ من توظيفها في خدمة الإنسانية وارتقاء البشرية للوصول إلى الغاية المنشودة، الا وهي سعادة الفرد وسعادة المجتمع، السعادة التي لا وجود لها الا تحت ظلال الرضا الإلهي، وكفر الفرد بهذه النعم.. ومن ثمّ كفر الأُمّة، سيؤدي إلى تغيير القدر، وتلك سنّة الله ولن تجد لسنة الله تحويلا.
 
- الذنوب تغيّر في الاقدار:
جاء في الذكر الحكيم: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ...) (الشورى/ 30).
تشير الآية المباركة إلى أن حدوث المكروه والمصائب في حياة الإنسان، إنما هي انعكاسات طبيعية لما قام به من أعمال وسلوكيات إستوجبت الغضب الإلهي.
فمن الناحية الاقتصادية تتحدث الأحاديث الشريفة كثيراً عن العلاقة الطردية بين إرتكاب بعض الذنوب وامحاق الرزق، فعن رسول الله (ص) انّه قال: "من حبس عن أخيه المسلم شيئاً من حقه حرّم الله أخيه المسلم شيئاً من حقه حرّم الله عليه بركة الرزق الا أن يتوب"، وعن الامام الصادق (ع): "كثرة السحت تمحق الرزق، حيث يُعرف رسول الله (ص) السّحت فيقول: "ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر الزانية والرشوة في الحُكم وأجر الكاهن".
ومن الذنوب التي تفشّت في عصرنا، الزنا، ولهذا الذنب آثارٌ عظيمة في حياة المجتمعات، فعن رسول الله (ص): "إذا أُكثر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة". وعنه أيضاً (ص): "في الزنا ستّ خصال: ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة، أمّا التي في الدنيا فيذهب البهاء ويعجّل الفناء، ويقطّع الرزق، وأما التي في الآخرة فسوء الحساب، وسخط الرحمن، والخلود في النار".
وما حال الإنسان في هذا العصر إلا مصداق لهذه الحقيقة الكبرى، فإنتشار أمراض السرطان والإيدز والموت المفاجىء والزلازل وغيرها من الأمراض والكوارث الطبيعية ما هي إلا انعكاسات لما كسبت أيدي الناس وما اقترفوه من ذنوب وآثام وإبتعاد عن الله المتعال.
 
- التقوى:
من أنجح السلوكيات التي ينتهجها الإنسان المؤمن لصنع أفضل الاقدار وأسعدها، حيث يحيى في الدنيا سعيداً مطمئن البال وينال في الآخرة الجنان والرضوان.
فمن الآيات الكريمة التي تتناول هذا المفهوم، نستعرض بعضاً منها: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق/ 2-3)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (الأحزاب/ 70-71).
كما أنّ التقوى توجب محبة الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة/ 4).
وللتقوى الجماعية آثار سياسية واقتصادية عظيمة، حيث يقول القرآن الكريم: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف/ 96)، فنرى هذه الحروب والصراعات، الغلاء والقحط، ومجتمعات متفسخة منحلة بالرغم من التطور التكنولوجي، الترف الاجتماعي قبال الفقر الاجتماعي وغيرها من الظواهر والأمراض العصرية، ما هي الا مصاديق لحرمان أهل الأرض من بركات السماء، لأنّهم كذبوا ولم يتقوا ولم يؤمنوا.
 
- جولة في الأحاديث الشريفة:
وردت الكثير من الروايات حول سلوكيات الإنسان وأخلاقياته التي تؤثر في مسيرة حياته وصنع قدره، سلباً أو إيجاباً.
فمن السلوكيات التي تزيد في الرزق: حُسن الخلق والبر ومواساة الأخ في الله والأمانة والصدق والزكاة وحسن النية.
ومن الأعمال التي تطيل في العمر، صلة الرحم، فعن رسول الله (ص): "إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها الله عزّ وجلّ ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيّرها الله ثلاث سنين ثمّ تلا (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد/ 39).
ومن الأقدار التي تغيّرها صلة الرحم: تنفي الفقر، وتبسط الرزق، وتطيل العمر وتعمر الديار حتى لو كان أهلها غير اخيار.
وعن أمير المؤمنين علي (ع) انّه قال: "إذا قطعوا الأرحام جُعلت الأموال في أيدي الأشرار".
وعن الصادق (ع): "ايّما مؤمن نفّس عن مؤمن كربة وهو مُعسر يسّر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة.
والأحاديث في هذا الأمر مستفيضة ومتواترة، تحكي للإنسان قصة كدحه وسعيه لتغيير واقعه إلى ما هو أفضل وأكمل.
انّ الرحمة الإلهية واللطف الرباني، منحا الإنسان أكثر من فرصة ليمتطي صهوة إرادته ويمسك بعنان القدر، ليدير دفة الأحداث ويصنع أقداراً وأقداراً..
فهو على مختلف الأصعدة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية قادر على ان يصنع قدره بنفسه، وفي ذلك أعظم منحة سماوية لهذا المخلوق الترابي.
ويبقى سؤال يطرح نفسه، ما هو القدر الأفضل؟!
الكل يتعب، الكل يكدح، الكل يضحي، والكل يعبد ويتضرع ويدعو في ليلة القدر (اللّهمّ اعطنا الخير)، فما هو الخير؟!
الخير يتمظهر في الحياة الطيبة، الحياة السعيدة التي تصبو إليها كلَّ نفس، الآية المباركة تقول: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل/ 97).
فالحياة الطيبة هي التي تتجسّد فيها كل مظاهر الحياة، من حيوية ونشاط وحركة وفاعلية تتميز عن كل مقومات اللاحياة أي الموت.
ومن خصوصيات هذه الحياة، الطيب والصفاء، فيمكن أن تتمظهر هذه الحياة الطيبة في الرزق الحلال أو القناعة أو العمل بالطاعة والانشراح بها أو السعي في قضاء حوائج الآخرين، وغير ذلك. أنها كل عمل صالح يقدّمه الإنسان إلى مجتمعه وإلى الإنسانية جمعاء، لا يبغي من ورائه شيئاً سوى مرضاة الله، ذلك العمل الذي يدغدغ مشاعره بالسعادة فتفيض روحه بالطهر والنقاء، العمل الذي يبعث الاطمئنان في قلبه وروحه وسلوكه، فتمسي نفسه نفساً مطمئنة كادحة للوصول إلى بارئها وتكون مصداقاً للآية المباركة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر/ 27-30).
إذن في هذه الليلة المباركة، يقف الإنسان أمام منعطف الطريق، يقف عند هذه الليلة، يضع عند اعتابها كل أيامه وساعاته، كدحه.. الإلهي وينتظر الرحمة الربانية في إصدار قرارها.
ومن عظمة هذه الليلة أن يكون قدرها مقروناً بالقرآن، فهي الليلة التي قُدّر أن ينزل القرآن فيها، فازدادت عظمةً وشرفاً بذلك، وهي التفاتة كريمة يستوحي الإنسان منها كيف يمكنه أن يصنع قدره.. أفضل الأقدار، وذلك بالاستعانة بالقرآن، فمن أراد قدرها سياسياً أفضل أو قدراً اقتصادياً أحسن أو قدراً اجتماعياً أشرف، فلينهل من القرآن، ليقرأه جيِّداً وليتعلم، فالقدر تصنعه الإرادة البشرية وفق السنن الإلهية، وأفضل الأقدار ما كان قرآنياً. وهذا القدر (نزول القرآن)، غيّر من مسيرة الزمان والأحداث، وعطف بالبشرية إلى حياة جديدة معطاء، وكان هذا القدر ليلاً!!! وفي ذلك ومضة نور للإنسان القارىء المتعظ، ففي الليل حيث الخلوة والانقطاع، حيث السكينة والهدوء بعيداً عن أعين الكائنات، في السرِّ والخفاء، يمكن للإنسان أن يتفكر في قدره أكثر وأفضل من غير ذلك من الأوقات.
ففي هذا الوقت من الزمن يتفكر الإنسان في قدره، ويخطط للمستقبل ليصنع مع بزوغ الفجر قدراً ذهبياً جميل.. مع إطلالة يوم جديد من عمره المديد.

 
 

حنين  

جازاكم الله خيرًا

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 3879
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 إحياء ليلة القدر ونيل ثوابها
 خيرات ليلة القدر
 ليلة القدر.. ليلة القرب من الله تعالى
 فضيلة إحياء ليلة القدر
 عمل الليالي المخصوصة
 ليلة القدر.. تسميتها وفضلها
 فضائل ليلة القدر
 قَدْر «ليلة القدر»
 سَبحات مع ليلة القدر
 حاجة البشرية لـ «ليلة القدر»

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا