|
حسونة المصباحي
يعتبر ريتشارد كابوشينسكي المولود في بولونيا عام 1932 واحدا من اشهر الصحافيين على المستوى العالمي. وخلال عمله في وكالة الانباء البولونية في الفترة الشيوعية وذلك بين 1958 و1981 سافر عبر العالم ليكون شاهد عيان على احداث تاريخية جسيمة عرفتها القارات الخمس في النصف الثاني من القرن العشرين. ومن وحي تلك الاحداث اصدر العديد من المؤلفات التي ترجمت الى جل لغات العالم وحازت شهرة عالمية واسعة.
فعند حصول البلدان الافريقية على استقلالها كان هناك ليكتب في ما بعد: «الحمى الافريقية» الذي يتطرق الى انقلابات وثورات وهزات اجتماعية وازمات سياسية عنيفة عاشتها بلدان افريقية من الخمسينات وحتى مذابح رواندا. وعند سقوط الامبراطور هيلا سيلاسي كان في اثيوبيا ليكتب عن الاحداث التي عاشها هذا البلد في فترة جد عصيبة من تاريخه. ولما اندلعت الثورة الاسلامية في ايران، هرع هناك ليكتب واحدا من اجمل الكتب عن الشاه ونظامه. وفي كتابه الذي حمل عنوان «الامبراطورية» هو يصور المضاعفات التي ترتبت عن سقوط ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي.
وفي مقال اثار الكثير من الجدل في الاشهر الاخيرة، طرح ريتشارد كابوشينسكي السؤال التالي: «هل هي نهاية هيمنة الثقافة الاوروبية» وكتب في بدايته قائلا: «لم يكن القرن العشرون فقط قرن الحروب والانظمة الشمولية، بل كان ايضا قرن الخلاص من الاستعمار ومسيرة تحرر طويلة المدى، فقد تمكن ثلاثة ارباع سكان الكرة الارضية من التخلص من الهيمنة الاستعمارية واصبحوا على الاقل رسميا مواطنين يتمتعون بحقوقهم، وامر كهذا لم يحدث في التاريخ ابدا. وما اظنه سوف يتكرر. وقد تركز حكم الرأي العام المعاصر حول الخلاص من الاستعمار على المظاهر السياسية والاقتصادية وحول مسائل تتعلق بأنظمة الحكم في البلدان الجديدة، وحول المساعدات الدولية والديون ومقاومة المجاعات، لكنه لم يول اهتماما للتغيرات الثقافية الجديدة.
ويقول كابوشينسكي ان التصدي للهيمنة الثقافية الاوروبية بدأ في منتصف القرن الماضي عندما شرعت حركات التحرر في البلدان المستعمرة (بفتح الميم) تعمل على مقاومة الدول الكبيرة التي اخضعت البلدان التي تنتسب اليها لاحتلال طويل ومرير ولكن بحسب رأيه لم تتمكن حركة التصدي هذه والتي كان الهدف منها الحصول على المساواة في الحقوق والاعتراف بقوة الثقافات غير الاوروبية، وباصالتها وتميزها من فرض وجودها وتحقيق الاهداف التي كانت تطمح اليها لاسباب عديدة منها مثلا خيانة العديد من الانظمة التي استلمت السلطة في البلدان الافريقية والاسيوية لطموحات شعوبها في التحرر الحقيقي، اذ انها فرضت عليها ثقافة هجينة ضللتها وشوهتها تشويها مريعا، وهذا ما تنبه اليه مبكرا فرانز فانون الذي ساند الثورة الجزائرية وجميع الثورات الافريقية التحررية، لكنه لاحظ ان الحكام الذين تسلموا السلطة في فترة الاستقلالات الوطنية تنكروا للمبادئ التي ناضلوا من اجلها طويلا وتحولوا الى طغاة والى مستبدين، يخدمون مصالح الدول الاستعمارية القديمة ومخططاتها التي ترمي الى فرض هيمنة من نوع جديد على البلدان التي كانت تحت سيطرتها. لذا هو نعت هؤلاء الحكام بـ «اصحاب الجلود السوداء» المتخفين خلف «اقنعة بيضاء».
ويرى كابوشينسكي ان هناك تغيرات هامة حدثت في البلدان المستعمرة (بفتح الميم) قديما خلال العقود الاخيرة من القرن الماضي، من ذلك مثلا بروز نخب ثقافية وسياسة باتت تلعب دورا اساسيا في مجالات متعددة، غير ان اوروبا بحسب كابوشينسكي لم تدرك بعد هذه التغيرات. والقائمون على شؤونها يعتقدون انه لا يزال بامكانهم فرض سيطرتهم الثقافية والسياسية والاقتصادية على البلدان الفقيرة بحكم الوسائل الهائلة التي يمتلكونها في المجالات المذكورة. ورغم ان عددا كبيرا من الاوروبيين يسافرون عبر العالم ويزورون مناطق بعيدة فانهم لم يتمكنوا من ربط علاقات حميمة مع الشعوب الاخرى، ولم ينسجوا معها صلات انسانية وطيدة تمهد لفتح باب حوار مفيد معها، ومع ثقافاتها، وبسبب ذلك، يرى كابوشينسكي ان حضور اوروبا في آسيا وافريقيا اصبح ضئيلا خلال العقود الاخيرة وفي مدن مثل القاهرة وبومباي والجزائر والدار البيضاء او في مناطق مثل سريلانكا والجماييك وهايتي كانت تعج سابقا بـ «البيض» نحن لم نعد نعثر الا على بعض الاوروبيين «المنسيين» و«المنعزلين».
ويطرح كابوشينسكي الاستنتاجات التي توصل اليها بعد ان اقام طويلا في بلدان افريقية واسيوية وامريكية لاتينية ويقول: «الشيء الذي لفت انتباهي هو ان شعوب هذه البلدان اصبحت جد فخورة بثقافاتها وبعاداتها وتقاليدها وجد معتزة بالانتساب الى حضارات اخرى غير الحضارة الاوروبية واليوم لم تعد هذه الشعوب تعاني من مركبات النقص التي كانت مستفحلة في الفترة الاستعمارية، بل بالعكس هي ترغب في ان تحترم وتعامل من طرف الاخرين بالصورة التي عليها. في الماضي كان بامكان الانسان ان يتمتع بامتيازات كبيرة فقط لانه اوروبي، اما اليوم فالامر يختلف تماما. وخلال تجوالي في العديد من البلدان الافريقية والاسيوية والامريكية اللاتينية لم يسألني الناس كثيرا عن اوروبا، وهذا ما جعلني احس انني اوروبي مخلوع».
ويعتقد كابوشينسكي ان الحل الافضل للغرب الاوروبي الذي ظل الى حد هذه الساعة يتمتع بامتيازات لا تتمتع بها المناطق الاخرى هو ان يقبل التعايش مع هذه العائلة الجديدة التي بدأت تبرز للوجود والمكونة من شعوب اخرى، لها ثقافات مختلفة عن ثقافاته واذا ما هو قبل بهذا الامر، فانه سوف يتمكن، حسب كابوشينسكي، من تغذية ثقافته العجوز بدماء جديدة، اما اذا تمسك بعزلته، فانه سوف يجد نفسه ذات يوم وقد دب فيه الوهن وبات عاجزا عن لعب الدور المناط بعهدته.
|