ثقافة وفن

 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

التفضيل الجمالي.. رؤية للمستقبل

إذا كان أرسطو قد رأى في الفن محاكاة للأفعال الإنسانية, فإن أفلاطون أعتبره محاكاة للمحاكة, "فالأعمال الفنية في رأيه أقرب الى الظلال التي هي أدنى مراتب الوجود, وأبعد الأشياء عن الحقيقية".
وفي موقف افلاطون الميتافيزيقي العام تكون المحسوسات أقل حقيقية من المثل, وتكون فيه صور المحسوسات أقل الجميع حقيقية".
وصور المحسوسات هذه هي ما يرتبط بنحو خاص بالجانب المرئي من الفن, أي الأعمال الفنية ذاتها.
وقد مال افلاطون "الى الخلط بين مجالي الميتافيزيقا والفن, وبين قيم, الحق والخير والجمال, فهو يحاسب الأعمال الفنية على أساس ما فيها من معلومات, يفترض أنها ينبغي أن تعين الإنسان على فهم حقائق الأشياء, أو يعيب عليها أنها فهم حقائق الأشياء, أو يعيب عليها أنها لاتتضمن دعوة أخلاقية مباشرة, أي أنه باختصار, يحكم على الفن كما لو لم يكن بينه وبين العلم والأخلاق أي حد فاصل".
في ضوء ذلك كله نظر افلاطون الى الفنان "باعتباره ابعد عن "الخلق", بل إنه أقل مرتبة من الصانع ذاته لأن الصانع ,على الأقل ,يأتي لنا بأشياء فعلية, أما الفنان فيحاكي لنا تلك الأشياء الفعلية التي أنتجها الصانع".
كانت أفكار الجمال والكمال والاتزان شائعة لدى الإغريق والرومان, وكانت النسبة والتناسب وقوة التفكير العقلاني هما المعيارأو الاختيار النهائي للجمال والحقيقة.
وكثيرا ما كان العقل وما يرتبط به من اتزان ومنطق يؤكدان النسبة والتناسب.
والاعتدال هو المعيار الذي ترتفع من خلاله الحرفة, أي حرفة, الى مرتبة الفن.
فالفن في ضوء كثير من الفلسفات الإغريقية والرومانية كان ينبغي أن يكون نقيا وعقلانيا دون تحريف او شطط أو خروج على قيم النسبة والتناسب.
وظهر هذا على نحو خاص في عديد من التماثيل والمعابد الإغريقية والرومانية ,حيث ظهر الاهتمام اقل باكتشاف المعنى في الجمال وأكبر باكتشاف الجمال في الشكل الخارجي ,وحيث ظهرت العمارة الدقيقة المتشقفةخاصة في الحقبة الهيلنستية.
لم يكن الفن في كثير من الأحيان غاية في ذاته, بل هدف لفهم الحقيقة الكلية, وقد كانت القواعد المحددة للأشكال الثلاثة من الشعر الملحمي, والدرامي والغنائي – وكما حللها أرسطو في "كتاب الشعر" – أمثلى حية على مااعتقده الفلاسفة اليونانيون حول الفن.
وقد أشار بعض مؤرخي الفن الى ان هذه الأفكار الفنية الخاصة بهؤلاء الفلاسفة هي ذاتها بعض ما أدى الى ظهور صر التنوير الأوروبي مع تغيير ما في نقاط التركيز, فالجمال كان ينبغي ان يستخلص من الطبيعة, من المادة الخام التي يكون الجمال كامنا فيها, وعن طريق استكشاف المنطق والعقل لهذه المادة الخام الخاصة بالجمال, وقد سيطرت هذه النظرة على الفنون في العالم الغربي لفترة طويلة من الزمن, فتمسكت بها مثلا – في البداية – المسيحية الأولى التي اعتقد أصحابها أن الفنون غيرذات نفع أو فائدة, وحطم الكثير من التماثيل والأعمال الفنية.
وحدثت أشياء مماثلة في ظل ثقافات أخرى, وديانات أخرى في كثير من أنحاء العالم القديم, وكانت الفكرة السائدة في كثير من الأحيان أن هذه الأعمال الفنية تستثير الغرائز المضادة للعقل والاتزان, كما أنها تحمل نوعا من المشابهة أو حتى المحاكاة لأفعال الله او ذاته.
يتفق ارتقاء الفنون في كل المجتمعات الإنسانية مع ارتقاء وتطور معتقداتها وممارساتها الدينية, والسياسية, والثقافية, والاجتماعية ,والاقتصادية , وأيضاً التربوية .
وعندما نتتبع تطور الفنون فإننا نتتبع طموحات الشعوب وأحلامها ورؤيتها ومعتقداتها الأساسية أو فلسفتها العامة حول الكون والإنسان والحياة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R