|
د. زكي نجيب
ان الشيء الذي نقول عنه إنه جميل, قد يكون شديد الشبه جداً في صورته الخارجية بالشيء الذي نقول عنه إنه قبيح, لأن جمال الجميل وقبح القبيح ليس كائناً في الشيء ذاته, وإنما ينبعث من نظرتنا الذاتية لهذا وذاك, وإلا فما الفرق في الصورة بين ثدي "جميل" على صدر فتاة ناهد, وبين ورم "قبيح" على عنقها ؟
وما الفرق بين ماء الشلال الدافق حين تنظر اليه ساعة التنزه, وبينه حين تنظر اليه وطفلك غارق فيه ؟ لا فرق إلا ما تحدده أهواؤنا ومصالحنا الشخصية الذاتية؟
أهواؤنا ومصالحنا – إذاً – هي التي تملى النفيس وما الحسيس في تقدير القيمة الاقتصادية, وهي التي تملى ما الفضيلة وما الرذيلة في تقدير القيمة الخلقية, ثم هي كذلك التي تقرر ما الجميل وما القبيح في تقدير القيمة الجمالية – هذا رأي من الوضوح بحيث تعجب أشد العجب كيف وقع الخلاف في أمره بين رجال الفكر ونقدة الفنون, فمن هؤلاء فريق يزعم أن فضيلة الفعل الفاضل ,وجمال الشيء الجميل, كائن في الفعل نفسه أو الشيء نفسه, كما يكون التربيع في الشيء المربع والتدوير في الشيء المستدير, وتترتب على ذلك بالطبع نتيجة من أخطر النتائج, وهي ما كان فضيلة عند آبائنا وأجدادنا ينبغي أن يظل كذلك بالنسبة لنا والى أبد الآبدين.
تعجب اشد العجب ان تجد هذا الفريق من رجال الفكر وأصحاب النقد الفني, ينظر هذه النظرة الموضوعية في القيم, وإذا طالبت أحدهم أن يحلل لك الشيء موضوع الحكم الى عناصره ليربك عنصراً من بينها اسمه "فضيلة" أو عنصراً أسمه "جمال", فلا يجيبك إلا بنظرة ازدراء, لأنك تكون في رأيه "مادياً" ممقوتاً ذميماً, وأما هو "فروحاني" لايريد أن يرى الفضيلة بعينيه ويلمسها بيديه, أو أن يرى الجمال ويلمسه عنصراً مستقلاً قائماً بذاته على النحو الذي يرى به أو يلمس قطعة من النحاس أو الحديد, هو "روحاني" يكفيه أن يقول إن الفعل الفاضل فضيلته جزء منه, وإن الشيء الجميل جماله جزء منه, ولابأس عنده في أن تكون هذه "الاجزاء" من أفاعيل السحر, نحكم بوجودها لكننا لاندركها بحاسة من حواس "الماديين" الأجلاف الغلاظ.
www.balagh.com
|