د. زكي نجيب محفوظ
إنني ها هنا لكمن يحمل في يده سراجاً, ليدخل به غرفة مظلمة, تناثرت فيها الأشياء من كل صنف: أثاث وثياب, وكتب, وعدد وآلات, فيجعل همه – أول الامر – أن يصنف هذا المحتوى المختلط بعضه ببعض, والمتداخل بعضه في بعض, وذلك بأن يضع الأثاث في أماكنه, ثم يجمع الثياب وحدها, والكتب وحدها, وكذلك العدد والآلات, ليعود بعد ذلك ,الى الثياب فيصنفها: القمصان هنا, والمناديل هنا, والى الكتب فيرتبها: هنا الفسلفة, وهنا التاريخ , وهكذا, يفعل كل ذلك على ضوء السراج, ليعلم أولا – ماذا تحتوي عليه الغرفة ,قبل أن يتاح له اختيار هذا دون ذاك, فحسبه الان أن يعلم :ليجىء اختياره بعدئذ على بصيرة وهدى.
والحق اني عجب اشد العجب ,ممن يجدون في انفسهم الجرأة على القذف بكلمات يحملونها أضخم المعاني, بغير أن يكونوا على بينة – ولو الى حد محدود – مما يقولون ويكتبون, ألا ان الايمان الذي لاينبني على وضوح العقيدة التي نؤمن بها, لهو ايمان – ان صلح على الإطلاق – فلطائفة من الناس لاتريد ان تشغل انفسها بما قد يعوق سير الحياة العملية, لكن الحياة العملية ذاتها تقتضي – دائماً – ان يتمهل نفر الى جانب الركب السائر, ليلقى الأضواء العقلية على الأفكار نفسها التي اتخذها الركب السائر محاور الدفع والحركة, ولماذا؟ ليكون ذلك بمثابة النقد الذاتي, الذي يصحح التصورات العقلية على هدى من تفصيلات التنفيذ العملي, وهكذا يسير الفكر والعمل رأسا الى كتف.
و "اليمين" و"اليسار" كلمتان أراهما يستعملان على نطاق واسع, للتفرقة بين الأفكار والمواقف والأشخاص: فهذه الفكرة من اليمين, وتلك من اليسار, وكذلك هذا الموقف وذلك,وهذا الرجل وذاك, ولقد تساءلت – مخلصاً لنفسي السؤال والبحث عن الجواب – ماذا يا ترى عساها أن تكون تلك الصفات التي – إذا ما توافرت في شخص – أدخلته في زمرة اليمين أو في زمرة اليسار؟ ولما حاولت الإجابة, وجدت الأمر أعقد من أن تجىء إجابة سريعة أطمئن الى صوابها, ذلك لأنه لو كانت التفرقة مقصورة على يمين في ناحية ,ويسار في ناحية, لما كان للتقسيم مغزى عند من تعنيه الآثار الفعلية للأفكار النظرية, لكنني ألاحظ أن ثمة صفتين أخريين – على الأقل – تلحقان باليمين على أقلام الكاتبين, كما تلحق النتيجة بمقدمتها, وأن ضديهما كذلك يلحقان باليسار, فإذا هم وضعوا رجلا في زمرة اليمين, وصفوه في الوقت نفسه بالرجعية وباللاعلمية في وجهة النظر, لأن اليسار وحده – هكذا ألاحظ في الاستعمال الجاري – هو التقدمي وهو العلمي, وإذا كان هذا هكذا, فليس الأمر من قلة الشأن بحيث نتركه يمضي بغير تحديد.
وأول ما قد ورد على ذهني عند محاولة النظر الى هذه التفرقة بين يمين الفكر ويساره, هو أن سألت نفسي :ترى هل يتخارج هذان القسمان تخارجا تاماً, كما يتخارج الذهب والنحاس, فلا يكون الذهب نحاساً ولا النحاس ذهباً, أو هما متداخلان, كما يتداخل الشعر والموسيقى في شيء واحد بعينه – هو الأغنية – تداخلاً يجيز لك أن تعد الأغنية شعراً إذا شئت, وأن تعدها موسيقى إذا شئت لأنها شعر وموسيقى في آن واحد؟ ذلك أنه يقال – فيما يقال عن أوجه الاختلاف بين العلم والفلسفة, عند من يمايزون بينهما في الأسس – أن قسمة الأنواع في العلم متخارجة, على حين أن قسمتها في الفلسفة متداخلة, ففي العلم إذا قلت عن شيء إنه أوكسجين لم يعد يحوز لك أن تقول عنه في الوقت نفسه إنه هيدروجين, لاختلاف الخصائص المميزة بين هذا وذاك, اختلافاً يفصل أحدهما عن الآخر فصلا تاماً, وأما في الفلسفة ,فإذا قلت عن شيء إنه موجود, فقد يجوز لك أن تقول عنه في الوقت نفسه إنه معدوم, لأن الوجود والعدم يتداخلان في حالات تجمع بينهما في آن واحد, هي حالات "الصيرورة" والتغير, بحيث يكون الكائن الواحد المتغير موجوداً ومعدوماً معاً..
وأعود فأقول إن أول ما قد ورد على ذهني عند محاولة النظر في هذه التفرقة بين يمين الفكر ويساره, هو أن سألت نفسي: ترى هل يجعلون هذا التقسيم على أساس "علمي" يفصل اليمين عن اليسار في الفكر فصلا كاملا, بحيث يصبح محالا على من اتصف بصفات الفكر اليمني ان يتصف كذلك ببعض صفات الفكر اليساري, أو هم يجعلونه تقسيما على أساس "فلسفي" يجيز أن يجتمع الضدان معاً في كائن واحد.
www.balagh.com
|