د. أحمد علي كنعان
أن تثقيف الأطفال هو وليد اتصالهم بالمجتمعات, وعملية الاتصال تلك ترتبط بعمليات مساعدة ويأتيفي مقدمتها العمليات العقلية أو العمليات المعرفية, ومن بين هذه العمليات (الإدراك والتخيل والتفكير) فالطفل يحس ويدرك ويتنبه ويتذكر ويتخيل ويفكر.
وللثقافة دورها في تشكيل المدركات, فأفكار الطفل وميوله وقيمه تؤلف بياناً ذهنياً تستجيب له الأحاسيس عند تحولها الى مدركات, يضاف الى ذلك أن دوافع الطفل وحاجاته النفسية, وخصائصه الفردية المتميزة هي الأخرى تؤثر تأثيراً واضحاً في طبيعة إدراكه.
وإذا كان الإدراك هو أساس حياة الطفل المعرفية باعتباره يقود الى الفهم ,أي الى امتصاص عناصر الثقافة, فإن للثقافة نفسها دوراً أساسياً في تحديد طرق تنظيم الإدراكات, حيث إن الطفل يفهم ماحوله من مثيرات في ضوء الانطباعات التي ترسمها مداركه, تلك الانطباعات التي يكتسبها في العادة من ثقافة مجتمعه.
وقد انتهت الدراسات الاتصالية الى أنه كلما كان عدد الحواس التي تتلقى المثيرات اكبر كان الإدراك أقرب الى أن يكون صحيحاً, فالطفل الذي تهيأ له أن يرى آلة موسيقية ويسمع نغماتها يكون إدراكه لها أكبر من إدراك طفل آخر تهيأ له سماع النغمات وحدها, أو رؤية الآلة وحدها.
ولهذا يعد خبراء الاتصال أن التلفاز أكثر قدرة على إيصال الرسالة الاتصالية من الإذاعة لاعتماد التلفاز على الصورة والصوت معاً, بينما تقتصر الاذاعة على الصوت, كما ان الصحف ,وكتب الأطفال المصورة أكثر قدرة على تكوين المدركات من الصحف والكتب التي تعتمد على المادة المقروءة فقط, وهذا ما يفسر شغف الأطفال بالتلفاز, حيث يأتي في مقدمة اهتماماتهم.
مثلما تهيأ للأطفال الصغار ان يرضعوا الحليب من الأثداء تهيا لهم ان يرضعوا شيئاً من ثقافة المجتمع من خلال امتصاصهم التدريجي لبعض عناصرها ,وذلك من خلال مصطلحات (التعليم, والتربية والتنشئة الاجتماعية, والتنشئة الثقافية, والتثقيف,وغير ذلك).
وعلم الاتصال هيأ نقل الثقافة وتلقيها من قبل الأطفال أوالراشدين, وله ثلاثة مستويات رئيسة هي:
1- الاتصال الشخصي, ويمثل تفاعلاً متبادلاً بين شخصين أو ثلاثة أشخاص أو يتعدى الى مجموعة صغيرة في موقف ما.
2- الاتصال المجتمعي, ويرتبط بمواقف التفاعل بين عدد غير قليل من الأشخاص.
3- الاتصال الجماهيري, ويرتبط بمواقف التفاعل بين عدد كبير من الأشخاص.
4- ويستعين بوسائل لنقل المضمون, والاتصال الجماهيري عبر الصحف والكتب والإذاعة والتلفاز والسينما أكثر تعقيداً من الاتصال الشخصي لأنه يستلزم قيام منظمه بدور المرسل, كما أنه يتوجه الى أعداد كبيرة من الناس, ولايعرف المرسل عنهم إلا القليل.
ومن أجل فهم طبيعة الاتصال الثقافي بالأطفال لابد من الحديث عنها من خلال الأبعاد التالية: (المصدر – الرسالة – الوسيلة – الجمهور – التغذية المرتدة (الراجعة) – التأثيرات ...إلخ).
إن الطفل يولد مرتين أولاهما ولادة عضوية (بيولوجية) وثانيهما ولادة ثقافية حيث يتحول في الولادة الثانية الى كائن ثقافي.
أما أساليب الاتصال الثقافي بالأطفال ومضامينه فينبغي ان تظل في تطور مستمر, ويفرض عليها التغير الاجتماعي الذييحصل للإنسانية في أي مجتمع.
وتحديد مضمون الاتصال الثقافي يرتبط بالأهداف الموضوعية للاتصال, وفي كل الأحوال لابد من أن يظل هدفه الرئيسه وإشاعة ثقافة للأطفال تقوم على التنوير, وإحلال قيم ومثل تقوم على الحقائق بدل تلك التي تقوم على الجهل, وضيق الأفق وتخلو من التعصب, والأوهام والمخاوف والأحزان, وتبتعد عن تعليم الأطفال الإذعان والطاعة العمياء.
ولما كانت الثقافة ليست مجرد مجموع للعقائد والأفكار والمعلومات واللغة والقيم والمعايير والأعراف, والتقاليد والأنظمة, والفنون والآداب فإنها كل مركب لهذه كلها, وهي إضافة الى ذلك انتظام لهذه العناصر, لذا فإن المضمون الثقافي المقدم الى الأطفال يستلزم تقديم بنيان كلي لا مجرد تلقين عناصر متباعدة تمهيداً لخلق النظرة العامة والسلوك العام ولا معنى لأن يجيد الأطفال الحديث عن القيم الإيجابية دون التزامهم بها أو دون اكتسابهم القدرة على تنظيم القيم المختلفة وتغليب قيمة معينة في موقف معين.
ومن اللازم أن ينطوي الاتصال الثقافي في مضمونه على الأفكار, وعلى مجمل عناصر الثقافة الأخرى, فالقيم والمعايير والعادات وغيرها من العناصر الثقافية لايمكن ان تظل ثابتة ما دام هناك تغير اجتماعي مستمر, وهذا التغير يؤدي ببعض العناصر الى الانحسار أو الانعطاف أو الموت,كما يؤدي الى ظهور بعض جديد منها.
www.balagh.com
|